ظاهرة العنف المدرسي وسبل مواجهتها

د. فاطمة حافظ

18 ديسمبر 2025

778

ظاهرة العنف المدرسي وسبل مواجهتها

باتت ظاهرة العنف المدرسي من الظواهر الشائعة في مجتمعاتنا العربية، حيث ازدادت حالات العنف المسجلة، واتخذت أبعاداً جديدة متجاوزة الأطر التقليدية (مشاجرات طلاب، وإتلاف أثاث) إلى الاعتداء الجنسي على الأطفال، وازدراء وتحقير المعلم وتعنيفه بدنياً أحياناً. 

يتعذر فهم الظاهرة بمعزل عن التحولات التي طرأت على المؤسسات المسؤولة عن الضبط الاجتماعي كالأسرة ودور العبادة بعد عقود من سياسات الانفتاح الاقتصادي والوفرة النفطية والاندماج في النظام العولمي، وضمن هذا السياق شهدت المدرسة تحولات جذرية في الوظيفة التي تضطلع بها والأهداف التي تسعى لتحقيقها وآليات عملها.

التحولات التي طرأت على المدرسة

كانت وظيفة المدرسة قديماً تعليم الصغار وتلقينهم مبادئ العلوم والفنون، لكنها لم تكن الوظيفة الوحيدة، فقد كان التهذيب والتقويم الأخلاقي يعدان من وظائفها، وفي سنوات ما بعد الاستقلال أضيف إليها مهمة ترسيخ الانتماء القومي ودعم الأيديولوجيا التي تتبناها الدولة، ولذلك كان يتم الإنفاق على التعليم من الميزانيات الحكومية ويحظى بالدعم لأنه يوفر للدولة تكنوقراط لتسيير الجهاز الإداري ويكرس رؤيتها السياسية في نفوس النشء. 

كان من الطبيعي أن تحظى بمكانة اجتماعية متميزة؛ لأنها كانت تمنح طلابها فرصة للصعود والترقي الاجتماعي، كان مألوفاً أن يُرى أستاذ جامعي أو إداري مرموق أو مثقف وهو ينتمي لأسرة تصنف ضمن الطبقات الدنيا في المجتمع، وكذلك كان المعلم يتمتع بمنزلة مرموقة، إذ كانت وظيفته تعادل وظيفة الأب في المنزل وتصطبغ بطابع رسالي، وهو ما عبر عنه شوقي بقوله: «كاد المعلم أن يكون رسولاً».

هذه الرمزية التي ارتبطت بالمعلم والمدرسة ظلت قائمة حتى العقد الثامن من القرن الماضي، مع بروز سياسات الانفتاح الاقتصادي والوفرة النفطية والاندماج في النظام الرأسمالي العالمي، وما رافقها من صعود أيديولوجيا التطبيع والعولمة، وانعكست هذه المتغيرات بالسلب على المدرسة.

فلم تعد المدرسة ذلك المجال الذي ينهض بمهمة مقدسة هي نقل المعرفة ونشر العلم، وإنما صارت مجالاً استثمارياً يتبارى فيه رجال الأعمال لجني الأرباح، ولم تعد غايتها نشر العلم والمعرفة والتهذيب، وإنما تخريج أجيال مؤهلة للالتحاق بسوق العمل المعولم، كما لم يعد المعلم ذلك الرسول الذي ينهض بمهمة التعليم والتبليغ والإرشاد، وإنما موظف لا يختلف عن أي موظف آخر بعد أن نزعت هالة الاحترام والتقديس عن مهمته.

رافق هذه التحولات حدوث تبدل على صعيد رؤية الدولة للمؤسسة التعليمية، فبعد أن كان التعليم يحظى بأولوية لدى الدولة، تقلص الاهتمام لصالح الاقتصاد، وتبع ذلك تقلص في ميزانيات التعليم؛ ما أثر على جودة العملية التعليمية، وعلى علاقة الطالب بالمعلم، وتدهور البنية التحتية للمدرسة، وعلى صعيد آخر شرعت الدولة في تعديل المنهج الدراسي في عدد من البلدان ليتوافق مع الاتفاقات الأممية من جهة، واعتبارات مكافحة التطرف والإرهاب، من جهة أخرى.

على خلفية هذه التحولات، لم تعد المدرسة فضاء آمناً كما كانت، وإنما غدت فضاء غير آمن حيث ازدادت معدلات العنف المدرسي في معظم البلدان، وقد احتلت تونس المرتبة الثالثة عالمياً بعد الولايات المتحدة وفرنسا، وأما مصر، فإن تقديرات «يونيسف» عام 2015م أشارت إلى أن نسبة العنف ضد الأطفال تجاوزت 60%، وتقترب الكويت من هذه النسبة، ففي استبيان أجرته نيابة الأحداث مؤخراً شمل 300 طالب ذكر أن 66% منهم تعرضوا للعنف في المدرسة، وأضافت النيابة أن قضايا العنف المدرسي المسجلة عام 2021م بلغت 226 قضية، على حين بلغت 391 قضية عام 2024م.

مقاربتان في مواجهة العنف

في مواجهة ظاهرة العنف المدرسي، هناك مقاربة أممية تجسدها الأمم المتحدة والمؤسسات التابعة لها كـ«يونيسف»، تتأسس هذه المقاربة على فكرة تجريم العقاب البدني واللجوء إلى إجراءات أخرى بديلة من قبيل: المناقشة والتوجيه، وتغيير مكان جلوس الطالب في الفصل، والاعتذار العلني، والحرمان من الأنشطة الترفيهية.

هذا التجريم المطلق للعقاب البدني يستند نظرياً إلى فكرة قداسة الجسد التي يتبناها الفكر الغربي المعاصر، التي تعد المساس بالجسد انتهاكاً للفرد، ومن ثم تشدد على وضع القوانين التي تكفل حماية الجسد من أي اعتداء مهما كان القائم به ومهما كانت دوافعه.

في مقابلة هذه المقاربة، هناك المقاربة الإسلامية التي صاغها منذ قرون لفيف من العلماء مثل القابسي، وابن خلدون، وغيرهما، وتم تطبيقها لقرون متطاولة، وهي تقوم على ضرورة خلق علاقة معنوية بين المعلم والطالب، فالمعلم بمثابة الأب في الفضاء التعليمي، وله كل التبجيل والاحترام الواجبان للأب في المنزل، وله صلاحياته التربوية، وعلى ذلك للمعلم حق تقويم الطالب وتهذيب سلوكياته غير المقبولة أثناء عملية التعلم، وذلك من خلال سلسلة من الإجراءات العملية المتدرجة بحسب طبيعة الطالب وطبيعة السلوك المستهجن.

ومن هذه الإجراءات: التوبيخ اللفظي، ثم الحرمان من الطعام أثناء الدراسة، ثم تأخير الانصراف والمكث لفترة أطول بعد الدراسة، وأخيراً الضرب غير المبرح الذي قيد بضوابط كثيرة، منها أن يتجنب الوجه والأعضاء التناسلية، وألا يترك أثراً جسدياً مهماً كان طفيفاً، وألا يتجاوز بضع ضربات يحتملها الصغير.

وكما يلاحظ هناك بعض المشتركات بين المقاربة الإسلامية مع المقاربة الأممية من مثل ضرورة احترام الطفل وعدم اللجوء إلى العنف، واتباع إجراءات عقابية متدرجة لتقويم سلوكه، لكن الفارق الجوهري فيما نظن هو في مسألتين:

أحدهما مسألة العلاقة بين الطالب والمعلم التي هي علاقة والدية في المقاربة الإسلامية، بينما هي علاقة لا تتسم بأي نوع من الأبعاد المعنوية، بل هي علاقة تعاقدية بالأساس في المقاربة الأممية، فليس للمعلم حق التقويم والإرشاد الخلقي الذي يبيح له أحياناً استخدام بعض الوسائل الخشنة مقيدة بضوابط صارمة، واستبدال إجراءات هزيلة، بها، لا تشكل رادعاً حقيقياً أمام سلوكيات بعض الطلاب العنيفة التي وصلت لحد ازدراء المعلم بل وضربه في بعض الأحيان.

والثانية: مسألة التقنين، ونعنى به إصدار القوانين التي تجرم الضرب والعنف، وهي سمة أساسية في المقاربة الأممية التي تظن أن القوانين تشكل رادعاً للعنف، وتغض الطرف عما يشكله الضمير من رادع للفرد عن ارتكاب العنف، وهو ما تشدد الرؤية الإسلامية على ضرورة تنميته في نفوس الطالب والمعلم على حد سواء، فالضمير هو الرادع الأول أمام العنف وليس القانون؛ لأنه ينبع من ذات الشخص وليس خارجاً عنه يمكن الالتفاف حوله.

ولهذا، نجد أن الدول التي سنَّت القوانين التي تجرم العنف المدرسي لم تحل هذه القوانين دون اتساع دائرة العنف المدرسي بها، ووصولها لمعدلات قياسية، وهو ما يشير إلى أن المسألة ليست قوانين تسن، وإنما يضاف إليها ضرورة إعادة هيبة المؤسسة التعليمية وتخصيص موارد حكومية كافية لأن تنهض من خلالها بأداء مهمتها التربوية والأخلاقية، وإعادة ترميم صورة المعلم الذهنية عبر المؤسسات الدينية ووسائل الإعلام.

اقرأ أيضاً:

جريمة الإسماعيلية ومسلسل «ديكستر»!

«المجتمع» تناقش ظاهرة العنف عند الشباب

مؤتمر قيادة المدارس وتحديات تعليم «جيل الألفية»

المُعلِّم.. من أيقونة إلى مادة للسخرية في الدراما العربية!

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة