العفو عند المقدرة ... حكاية المأمون مع عمه إبراهيم بن المهدي

يحيى الكاتب

28 سبتمبر 2026

24

صورة تعبر عن المأمون في مجلسه وأمامه إبراهيم بن المهدي.

لما أَدخل إبراهيم بن المهدي على الْمَأْمُون عِنْد الظفر بِهِ سلم عَلَيْهِ، وَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وليُّ الثأر مُحكَّم فِي الْقصاص، وَالْعَفو أقرب للتقوى، وَمن مُدَّ لَهُ فِي الأناة حسن عِنْده الذَّنب، وَقد جعلك الله فَوق كل ذى ذَنْب كَمَا جعل كل ذِي ذَنْب دُونك، فَإِن عَاقَبت فبحقك، وَإِن عَفَوْت فبفضلك.

فَقَالَ الْمَأْمُون: يَا إِبْرَاهِيم، إِنِّي شاورت الْعَبَّاس ابْني، وَأَبا إِسْحَاق أخي فِي أَمرك، فأشارا عَليّ بقتلك إِلَّا أَنِّي وجدت قدرك فَوق ذَنْبك، فَكرِهت الْقَتْل للازم حرمتك.

فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قد نصح المشير لما جرت بِهِ الْعَادة فِي السياسة، وحياطة الْخلَافَة إِلَّا أَنَّك أَبيت أَن تطلب النَّصْر إِلَّا من حَيْثُ عودته من الْعَفو، فَإِن عَاقَبت فلك نَظِير، وَإِن عَفَوْت فَلَا نَظِير لَك، فَإِن جُرْمِي أعظم من أَن أنطق فِيهِ بِعُذْر، وعفو أَمِير الْمُؤمنِينَ أجلُّ من أَن يَفِي بِهِ شكر.

فَقَالَ الْمَأْمُون: مَاتَ الحقد عِنْد هَذَا الْعذر.

فاستعبر إِبْرَاهِيم.

فَقَالَ الْمَأْمُون: مَا شَأْنك؟

قَالَ: النَّدَم، إِذْ كَانَ ذَنبي إِلَى من هَذِه صفته فِي الإنعام عَليّ، ثمَّ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنَّه وَإِن بلغ جُرْمِي استحلال دمي فحلم أَمِير الْمُؤمنِينَ وفضله يبلغاني عَفوه، وَإِن لي لشفعة الْإِقْرَار بالذنب وَحقّ العمومة بعد الْأَب فَلَا يسْقط عَن كرمك عمك، وَلَا يَقع دون عفوك عنْدك.

فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: لَو لم يكن فِي حق نسبك حق الصفح عَنْك لبلغك مَا أملت حسن تنصلك، ولطف توصلك.

ثمَّ أمره بِالْجُلُوسِ، وَقَالَ لَهُ: مَا البلاغة يَا إِبْرَاهِيم؟

قَالَ: أَن يكون معناك يُجلي عَن مغزاك.

فَقَالَ الْمَأْمُون: هَذَا كَلَام يُشذرُ بِالذَّهَب، لقد أذهب بِهِ وغراً كَانَ فِي صَدْرِي عَلَيْهِ.

(نثر الدر في المحاضرات)

بيان وفوائد

تُعلِّمنا حكاية المأمون مع عمه إبراهيم بن المهدي أن العفو عند المقدرة لا ينتقص من صاحب العفو، بل يزيده قوة ومكانة وقدراً، وأن الإنسان قد ينتصر بالعفو أكثر مما ينتصر بالعقاب. فالمأمون كان قادرًا على الانتقام من عمه، وقد أشار عليه المقربون منه بقتله، لكنه رأى أن مكانة عمه وحق القرابة أكبر من ذنبه، فاختار الصفح بدلًا من العقوبة.

وتكشف القصة عن أهمية الاعتراف بالخطأ وعدم التهرب من المسؤولية؛ فقد واجه إبراهيمُ المأمون بذنبه، ولم يحاول تسويغه أو التقليل من شأنه، بل أظهر ندمه واستعان بحسن القول وصدق الاعتذار.

كما نرى أثر الكلمة الطيبة في تغيير النفوس وتليين القلوب. فقد استطاع إبراهيم ببلاغته أن يزيل ما في صدر المأمون من غضب، وهنا تظهر قيمة البلاغة الحقيقية؛ فهي ليست مجرد ألفاظ جميلة وكلام مسجوع وجمل متناسقة، وإنما قدرة على التعبير الصادق الذي يصل إلى القلب ويترك أثرًا طيبًا في النفس.

وتلفت القصة انتباهنا أيضًا إلى أن صلة القرابة تظل باباً للمودة والرحمة، حتى في أوقات الخلاف. فقد ذكّر إبراهيم المأمون بحق العمومة، فاستجاب له المأمون، جامعًا بين حق القرابة وفضل العفو.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة