بين الشكوى والشكر... حكاية الأحنف وصعصعة.
من حكايات الشكوى والشكر ما رواه البعض أن الأحنفَ بن قيس قال: كنتُ في إبلٍ لي، فاشتَكَيْتُ بَطْني، فتَمَنَّيْتُ مَن أشكو إليه علَّتي، فمرَّ بي عمِّي صَعْصَعَةُ بنُ معاويةَ يُريدُ إبلًا له، فركبتُ بعيرًا لي وتَبِعْتُه لأشكوَ إليه، وتَفَوَّهْتُ لأتكلَّمَ، فأَسْكَتَني، وقال:
يا ابنَ أخي، إذا نزلَ بك أمرٌ فلا تَشْكُه إلى مخلوقٍ مثلِك؛ فإنَّه لا يقدرُ أن يدفعَ عن نفسِه مثلَ الذي نزلَ بك، بل اشكُه إلى الذي ابتلاكَ به، فهو يقدرُ على دفعِه عنك. واعلمْ أنَّك تشكو إلى أحدِ رجلين: إمَّا عدوٍّ فتُسِرُّه، أو صديقٍ فتُسِئُه.
يا ابنَ أخي، أما ترى عيني هذه قد ذهبتْ منذ أربعينَ سنةً، ما أعلمتُ بها زوجتي ولا أهلي ولا ولدي، وشُكري لله بعد ذهابِها يزيدُ على أيَّامِ سلامتها؛ لأنَّه أدَّبني تأديبًا انتفعتُ به، من حيث لم يكشفْه لغيري، ولا أوقفَ شيئًا من أمري.
بيان وفوائد:
تقوم الحكاية على معنى عميق، وهو أنَّ البلاء لا يكون دائمًا شرًّا محضًا، فقد يحمل في داخله تربيةً للنفس، وتهذيبًا للخلق، وتقويةً للصِّلة بالله؛ ولذلك لم ينظر صعصعة إلى ذهاب عينه على أنه فقدٌ ينبغي أن يظلَّ الإنسان أسيرًا للحزن عليه، بل نظر إليه باعتباره تجربةً ربَّته وعلَّمته، حتى صار شكره لله بعد البلاء أعظم من شكره في حال العافية.
وفيها أيضًا تعليمٌ للأحنف معنى الصبر وكتمان الشكوى؛ فليس المقصود أن يمتنع الإنسان عن طلب العلاج أو الاستعانة بالناس فيما يقدرون عليه، وإنما المقصود ألا يجعل شكواه الدائمة إلى الخلق ملجأه الأول، ولا أن يتعلَّق قلبه بمن لا يملك دفع البلاء عنه. فالله هو القادر على كشف الضر، وإليه ينبغي أن تتوجه الشكوى في أصلها.
وتكشف الحكاية كذلك عن حكمة الصمت وحسن تقدير المخاطَب؛ فقد أراد الأحنف أن يشكو، فلم يسمح له عمه بالكلام قبل أن يعلمه قاعدة نافعة في الحياة. وكأن صعصعة أراد أن يحوِّل لحظة ألم عابرة إلى درس يبقى مع ابن أخيه طوال عمره.
ومن أبلغ ما فيها قوله: "إمَّا عدوٌّ فتُسِرُّه، أو صديقٌ فتُسِئُه". فالشكوى للعدو تمنحه سرورًا بما أصابك، والشكوى للصديق قد تحمِّله حزنًا وعجزًا لا يستطيع معه أن ينفعك. أما الشكوى إلى الله، فليست كذلك؛ لأنك تشكو إلى القادر على كشف الضر، وفي الوقت نفسه تلوذ بمن لا يعجزه ما نزل بك.
وتعلِّمنا الحكاية أن القوة ليست في انعدام الألم، وإنما في القدرة على احتماله دون أن يهدم صاحبه. فقد ذهب بصر صعصعة، لكنه لم يسمح لفقده أن يسلبه رضاه ولا كرامته ولا قدرته على تدبير شأنه.
وفيها درس آخر في حفظ الخصوصية وكتمان ما لا تدعو الحاجة إلى إظهاره. فقوله: «ما أعلمتُ بها زوجتي ولا أهلي ولا ولدي» يدل على شدة صبره وعزة نفسه، وأن الإنسان ليس مطالبًا بأن يجعل كل ما يصيبه حديثًا للناس. وليس في ذلك ذمٌّ لإخبار الأهل عند الحاجة، وإنما المراد ألا يتحول الألم إلى عادة من الشكوى والتذمر.
وأجمل ما في الحكاية أن صعصعة لم يقف عند حد الصبر، بل ارتقى إلى الشكر؛ إذ قال إن شكره لله بعد ذهاب عينه صار أعظم من شكره في أيام سلامتها. وهذه مرتبة عالية من الرضا؛ لأنه لم يرَ في البلاء مجرد شيء تحمَّله، بل رأى فيه تأديبًا انتفع به. وهنا تتحول المحنة في نظر المؤمن من واقعة مؤلمة فحسب إلى تجربة تصنع إنسانًا أكثر صبرًا ووعيًا وقربًا من الله.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً