إشارة نافع بن جبير.. فتْحٌ هادئ يحفظ هيبة الصلاة

عبدالله السيد

08 أكتوبر 2026

25

تصور بصري استرشادي ، مصحف مفتوح في أجواء مسجد هادئة وأمامه مصلي

روى الذهبي، «في سير أعلام النبلاء»، في ترجمة نافع بن جبير(1)، عن مالك بن يزيد بن رومان، قال: «كنتُ أُصلِّي إلى جنب نافع بن جبير، فيغمزني، فأفتح عليه ونحن نصلِّي»(2).

قد تحفظ كتب السُّنة والآثار مواقف لا تتجاوز كلمات معدودة، ولكنها تكشف عن معانٍ تربوية وفقهية تتجاوز حجمها الظاهر، ومن ذلك ما رُوي عن التابعي نافع بن جبير، حين كان يصلي وإلى جانبه يزيد بن رومان، فإذا احتاج إلى من يذكره بالقراءة غمزه، ففتح عليه صاحبه وهما في الصلاة.

والموقف في ظاهره يسير؛ قارئ تعرض له ما يعرض للإنسان من نسيان أو توقف، ورجل إلى جانبه يعينه على استكمال قراءته، غير أن التأمل فيه يكشف جانبًا من فقه التابعين، وطبيعة تعاملهم مع الخطأ العارض، وكيف كانوا يجمعون بين تعظيم العبادة وحسن التعاون على أدائها.

تواضع نافع بن جبير واستعانته بغيره للتصحيح

كان نافع بن جبير من علماء التابعين بالمدينة، وقد روى عن جماعة من الصحابة، وعُرف بالعلم والفضل والثقة في الرواية.

وهذه المكانة تجعل الموقف أكثر دلالة؛ فالرجل الذي يحتاج إلى من يفتح عليه في القراءة ليس مبتدئًا يتعلم الصلاة، وإنما هو عالم من علماء التابعين، ومع ذلك، لم ير في الاستعانة بمن بجانبه ما ينتقص من منزلته أو ينافي فضله.

وهنا يتجلى معنى مهم في أخلاق العلماء، وهو أن العلم لا يجعل صاحبه معصومًا من النسيان، وإنما يعلمه كيف يتعامل معه، فقد يجتمع في الإنسان رسوخ العلم وحصول السهو العارض، دون أن يكون بين الأمرين تناقض؛ قال الله تعالى: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (يوسف: 76).

والآية تضع علم الإنسان في موضعه الصحيح، وتذكره بأن المعرفة درجات، وأن الكمال المطلق ليس لأحد من البشر.

ومن هنا يظهر أن قبول العون لا يناقض قوة الشخصية العلمية، بل قد يكون من دلائل نضجها، فالعالم الذي يقبل التصويب يفتح للناس باب الانتفاع المتبادل، أما الذي يجعل مكانته حاجزًا دون المراجعة فقد يحرم نفسه وغيره من تمام الفائدة.

وهذا المعنى شديد الصلة بواقع التعليم والدعوة؛ إذ يحتاج المعلم والخطيب والقارئ إلى أن يرى التصحيح المعتبر عونًا على أداء الأمانة، لا انتقاصًا من قدره.

ضوابط الفتح على المصلي عند التوقف والخطأ

والفتح في اصطلاح الفقهاء هو تذكير القارئ بما توقف عنده من القرآن، أو تصحيح ما وقع فيه من خطأ على وجه معتبر.

وليس المقصود مجرد المشاركة في القراءة، وإنما إعانة المصلي على استكمالها عندما تعرض له حاجة إلى ذلك، قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ) (المائدة: 2).

والاستشهاد بالآية هنا من جهة المعنى العام للتعاون على الخير، ولذلك كان الفتح على الإمام صورة من صور التعاون المنضبط، حيث تعين معرفةُ أحد المصلين بالقرآن صاحبَه على تجاوز ما عرض له من توقف أو خطأ.

وفي واقع حلقات التحفيظ والمساجد، يظهر هذا المعنى حين يكون الحافظ يقظًا لقراءة غيره، مستعدًا لإعانته عند الحاجة، دون استعجال أو تشويش أو رغبة في إظهار تفوقه، فحسن الحفظ نعمة، ومن تمام شكرها أن تصبح وسيلة إلى إعانة الآخرين.

استخدام الغمز باليد للتنبيه دون رفع الصوت

لم يرفع نافع بن جبير صوته طالبًا المساعدة، ولم يقطع صلاته، وإنما استخدم وسيلة يسيرة للتنبيه، عبّر عنها الراوي بقوله: «فيغمزني».

وقد نقل الباجي في شرحه أن الغمز كان باليد، لا بالعين(3)، وأن المقصود منه استدعاء الفتح عليه.

وهذه التفصيلة الصغيرة تكشف عن مراعاة المصلي لطبيعة العبادة التي يؤديها؛ فقد احتاج إلى التنبيه، لكنه اختار حركة محدودة تحقق الغرض دون توسع في الأفعال.

ومن المقرر في الفقه أن الحركة اليسيرة للحاجة لا تأخذ حكم العبث الكثير المنافي لهيئة الصلاة، مع مراعاة التفصيلات المذهبية المتعلقة بمقدار الحركة وسببها.

ويشهد لهذا المعنى ما رواه أبو قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حاملٌ أُمامةَ بنتَ زينب، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها(4).

وفي الحديث دلالة على أن الصلاة لا تمنع كل حركة، وأن الحركة التي تدعو إليها حاجة معتبرة لا تنافي صحتها بمجرد وقوعها.

لكن هذا لا يعني فتح الباب للحركة بلا ضابط؛ فالصلاة مقام خشوع وإقبال على الله، والأصل فيها المحافظة على السكينة، وإنما ترخص الحركة بقدر الحاجة على الوجه الذي قرره الفقهاء.

ومن هنا يمكن فهم تصرف نافع بن جبير بوصفه مثالًا على الاقتصاد في الوسيلة: حركة صغيرة، لمصلحة واضحة، وفي موضع مناسب.

لماذا تسبق الإشارة التذكير بالقرآن في الصلاة؟

تلفت الرواية النظر إلى ترتيب الفعلين: «فيغمزني، فأفتح عليه»؛ فالإشارة تسبق التصحيح، والتصحيح يأتي استجابة للحاجة.

وهذا الترتيب يوحي بأن التدخل لم يكن مبادرة متعجلة من يزيد بن رومان، بل جاء بعد تنبيه نافع له.

ولا يصح تحويل هذه الواقعة وحدها إلى حكم عام يمنع الفتح إلا بطلب؛ فقد بيّن الفقهاء أحوالًا يجوز فيها تنبيه الإمام عند توقفه أو خطئه بحسب نوع الخطأ والحاجة إلى التصحيح.

لكن من الناحية التربوية، يظل في الموقف معنى دقيق: أن التصحيح النافع لا يقتصر على معرفة الصواب، بل يحتاج أيضًا إلى معرفة موضع التدخل وكيفيته، فالإنسان قد يعرف الجواب الصحيح، لكنه يفسد أثره بسوء التوقيت أو بطريقة تثير الحرج، ويتصل هذا المعنى بما قرره القرآن الكريم في أدب الخطاب، قال تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (البقرة: 83).

فإذا كان حسن القول مطلوبًا في التعامل مع الناس، فإن من تمامه اختيار الوقت والأسلوب اللذين يحققان المقصود من غير إيذاء أو استعراض.

وفي مجال التعليم، يحتاج المربي إلى التمييز بين خطأ يستدعي التدخل الفوري، وخطأ يمكن أن يترك للمتعلم فرصة تداركه بنفسه، كما يحتاج الناصح إلى إدراك أن المقصود من التصحيح إصلاح العمل، لا تسجيل الخطأ على صاحبه؛ وبذلك يصبح التصحيح مهارة أخلاقية وعلمية معًا.

كيف يظهر صدق التواضع لحظة المراجعة والخطأ؟

من أبلغ ما في الأثر أن المبادرة إلى طلب الفتح جاءت من نافع نفسه، فهو لم ينتظر حتى يطول توقفه، ولم يأنف من أن يلقنه من بجانبه، بل أشار إليه ليفتح عليه.

ومع أن الرواية لا تصف شعور نافع الداخلي، فإن فعله يدل على أنه لم يجد حرجًا عمليًا في الاستعانة بصاحبه.

وهنا تبرز قيمة التواضع العلمي في صورتها العملية؛ فالتواضع ليس مجرد عبارات يرددها الإنسان عن نقص علمه، وإنما يظهر حين يحتاج إلى غيره، وحين يجد من يذكره بما نسي أو يصحح له ما أخطأ فيه، وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله»(5).

والتواضع الذي يظهر في قبول المراجعة من المعاني التي يحتاج إليها العلماء والمعلمون والقادة؛ لأن مكانة الإنسان قد تكون سببًا في اتساع دائرة المؤيدين له، لكنها لا تضمن سلامة جميع تصرفاته وأقواله.

وفي مؤسسات التعليم والعمل، يمكن أن يظهر هذا المعنى حين يتيح المسؤول لمن معه أن ينبهه إلى الخطأ، ويشجع المتعلم على السؤال، ويتعامل صاحب الخبرة مع المراجعة بوصفها وسيلة لتحسين الأداء.

أثر الانضباط في الصلاة على السلوك الاجتماعي

ترد هذه الواقعة في سياق الصلاة، لكنها تكشف كذلك عن نمط من العلاقات بين أهل العلم؛ فنافع يحتاج إلى التذكير، ويزيد يستجيب، وتتم المساعدة دون أن تنقلب إلى مشهد تنازع أو مقاطعة.

وهذا يبرز وجهًا من وجوه التربية بالعبادة؛ فالصلاة لا تعلم الإنسان صلته بربه فحسب، بل تنمي فيه معاني الانضباط، ومراعاة الآخرين، والتعاون على الخير.

غير أن هذه المعاني التربوية لا ينبغي أن تطغى على المقصود الأول من الصلاة، وهو عبادة الله تعالى وإقامة ذكره، قال سبحانه: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) (طه: 14).

فكل سلوك داخل الصلاة ينبغي أن يظل محكومًا بحرمتها ومقصودها.

ومن هذه الزاوية، لم تكن مساعدة يزيد بن رومان لنافع تصرفًا اجتماعيًا منفصلًا عن العبادة، بل كانت إعانة متصلة بالقراءة فيها.

والصلاة التي يتربى فيها الإنسان على النظام والإنصات وحسن التعاون يمكن أن تترك أثرًا في سلوكه خارج المسجد، حين يصير أكثر احترامًا للنظام، وأحسن تقديرًا لحاجة الآخرين، وأقل تعلقًا بإثبات تفوقه على من حوله.

طلب المعلم للمساعدة دون الخوف على مكانته

يمكن قراءة موقف نافع بن جبير أيضًا من زاوية السلوك القيادي، على سبيل الاعتبار التربوي لا بوصفه نصًا خاصًا في القيادة.

فالذي يظهر من الرواية أن نافعًا، مع منزلته العلمية، لم يتردد في الاستعانة بمن بجانبه حين احتاج إلى التذكير.

وهذه صورة من صور الثقة الهادئة؛ فصاحب المكانة لا يحتاج إلى الادعاء بأنه لا ينسى ولا يخطئ حتى يحافظ على احترام الناس له.

بل إن اعترافه العملي بالحاجة إلى المساعدة قد يجعل علاقته بمن حوله أكثر واقعية ونفعًا.

وتبدو أهمية هذا المعنى في البيئات التي يربط فيها بعض الناس القيادة بالعصمة من الخطأ، فيتردد المسؤول في طلب المشورة، ويخشى المعلم الاعتراف بالنسيان، ويتحرج المدير من الاستفادة من موظف أصغر منه سنًا أو منزلة.

ومثل هذه الثقافة قد تجعل الأخطاء الصغيرة تتراكم؛ لأن أحدًا لا يريد أن يبدأ الاعتراف بها.

أما البيئة التي تسمح بالتصحيح المنضبط، وتفرق بين احترام صاحب المسؤولية وبين التسليم بصواب كل ما يصدر عنه، فهي أقرب إلى حسن الأداء.

ولعل من ألطف ما في الأثر أن المساعدة جاءت في حركة عابرة وكلمات قليلة، دون أن تتحول إلى قضية تتعلق بالمكانة أو التفوق، فقد ظل المقصود هو استكمال القراءة، لا إثبات من هو الأعلم.

تحويل التصحيح من خصومة إلى وسيلة بناء مشتركة

إذا انتقلنا من الحكم الفقهي الخاص إلى المعنى الإنساني العام، وجدنا أن الأثر يفتح بابًا للتأمل في طريقة تعامل الناس مع أخطاء بعضهم.

ففي الأسرة قد ينسى الأب أمرًا يذكره به ابنه، وفي المدرسة قد يخطئ المعلم في معلومة يعرفها أحد طلابه، وفي العمل قد يتنبه موظف إلى أمر فات مديره.

وليست المشكلة دائمًا في وقوع الخطأ، وإنما قد تكون في الطريقة التي يتعامل بها الناس معه، فإذا غلبت ثقافة الإحراج، تحول التصحيح إلى خصومة، وربما صار الاعتراف بالخطأ أصعب من الخطأ نفسه، أما إذا غلبت ثقافة المعونة، أصبح التصحيح وسيلة لتحسين العمل وحفظ العلاقة.

وهذا لا يعني إسقاط جميع الفروق بين المواقف؛ فالتصحيح في الصلاة تحكمه أحكام شرعية خاصة، بينما تخضع المراجعة في الحياة العامة لآدابها وظروفها المختلفة.

لكن الجامع التربوي بينهما واضح؛ أن يقدم الإنسان ما يعرفه حين تدعو الحاجة إليه، وأن يكون مقصوده الإعانة على الصواب لا إظهار نقص الآخرين، وحين تصبح هذه الروح حاضرة في التعليم والدعوة والعمل والإدارة، تتحول المعرفة من وسيلة للمباهاة إلى أداة للبناء.

ومن هنا تتجدد دلالة قول الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ)؛ إذ لا يقتصر التعاون على الأعمال الكبيرة الظاهرة، بل يدخل في معناه العام كل عون مشروع يعين على الخير ويقرب من الصواب.

كيف تبلغ النصيحة هدفها بأقل إشارة ممكنة؟

لم يحتج نافع بن جبير إلى كلام كثير ليطلب المساعدة، ولم يحتج يزيد بن رومان إلى موقف ظاهر ليقدمها، كانت إشارة يسيرة، وفتحًا في القراءة، ثم استمرت الصلاة.

ولعل أجمل ما في الموقف أن طرفيه لم ينشغلا بإظهار العلم، بل انصرفا إلى ما هو أولى؛ إتمام العبادة.

وهكذا تعلمنا هذه الرواية أن التعاون لا يحتاج دائمًا إلى مواقف عظيمة، وأن النصيحة قد تبلغ غايتها بإشارة، وأن من أدب العلم أن نقبل العون حين نحتاج إليه، وأن نبذله حين يحتاج إليه غيرنا.

ففي الصلاة كان المقصود إصابة القراءة، وفي الحياة يبقى المعنى واسعًا: أن نتعاون على الصواب، وأن نحفظ للناس أقدارهم، وألا نجعل الخطأ العارض أكبر من الغاية التي نسعى إلى تحقيقها.

الهوامش
  • 1 نافع بن جبير ابن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي، الفقيه الإمام الحجة أبو محمد، وقيل: أبو عبدالله القرشي النوفلي المدني، أخو محمد بن جبير.
  • 2 سير أعلام النبلاء، ج4، ص543.
  • 3 المنتقى شرح موطأ الإمام مالك، القاضي أبو الوليد الباجي (ت 474هـ).
  • 4 رواه البخاري، ومسلم.
  • 5 رواه مسلم.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة