في حديثه لـ«المجتمع».. الاستشاري البحريني للموهبة والإبداع عدنان القاضي يقدم روشتة لدعم الموهوبين
اكتشاف الموهبة
فن وإبداع، وتوظيفها أكثر إبداعاً، فالطاقة من دون استخدامها تصبح عبئاً، والموهبة
لا تورث، وهذا يلقي علينا دوراً ثقيلاً في اكتشافها وتقديمها، فهي كنز ثمين، لكنه
عميق ودفين في المجتمع، يحتاج لمهارة في اكتشافه وظهوره.
فالطفل الموهوب
يختلف كثيراً عن أقرانه، وهناك دلائل وإشارات منذ صغره تبين نبوغ وتميز الطفل في
أي مجال كان؛ لأن النسبة العظمى لمواهب الأطفال تبرز في السنوات الأولى من العمر،
لكن الأسرة تؤدي دوراً كبيراً في تنمية موهبة الابن ورعايتها.
«المجتمع»
تواصلت مع الأكاديمي البحريني واستشاري الموهبة والإبداع عدنان محمّد القاضي، الذي
أكد أن عدم اكتشاف الموهبة مبكراً خنق لها، ووأدها في المهد.
- اكتشاف
الموهوبين يحتاج إلى إمكانات ودراية من المحيطين بهم، من المسؤول الأول عن تحديد
ما لديهم من ملكات فائقة؟
- أعتقد أن
المسؤولية الأولى عن اكتشاف الموهبة ليست محصورة عند طرف ما، وإنما مسؤولية منظومة
متكاملة تترابط فيما بينها، تبدأ من الأسرة، ثمّ المدرسة، وتمتد إلى المجتمع
وبمؤسساته المختلفة، إلا أنَّ الأسرة الأقرب والأقدر على ملاحظة مؤشِّرات الموهبة
والسلوكيَّات غير الاعتيادية لدى أطفالها.
بينما يمتلك
المعلم أدوات تربوية تمكِّنه من تحديد أنماط التفكير والتعلم والاستعدادات
المتوثِّبة التي قد لا تظهر في المنزل، لكن الأهم ألا نحصر فرز المواهب وتعيين
مستواها عند جهة أو مؤسَّسة.
- تختلف
إجراءات اكتشاف الموهوبين وأصحاب الاهتمامات رفيعة المستوى من بيئة لأخرى، ما
الأدوات المتاحة للتعرف عليها بدقة؟
- صحيح أن
البيئات والثقافات تختلف في نظرتها للموهبة وطرائق اكتشافها، لكنَّ هناك أطراً
أساسية يمكن أن تشكل أرضية مشتركة في ذلك، منها: اختبارات التَّحصيل المقنَّنة، واختبارات
القدرات العقليَّة، واختبارات الإبداعية، والاختبارات الأدائيَّة، والمسابقات
والمنافسات، والمقابلة الشخصيَّة، والخصائص السُّلوكيَّة في البيئة الصَّفيَّة، وكتابة
المقالة، والتَّرشيحات بأنواعها، والتَّزكية من مختص، والملف التَّراكمي.. وغيرها،
واكتشاف الموهبة هو البداية، فكثير من الموهوبين لا يفقدون قدراتهم، وإنما البيئة
التي تغذيها.
- البحرين
حقَّقت مركزًا متقدِّمًا في رعاية الموهوبين، ما الأسس والركائز لهذه الانطلاقة؟
- تجربة البحرين
في مجال رعاية الموهوبين تستند إلى وعي متزايد بأن الاستثمار الحقيقي في الإنسان
يبدأ من اكتشاف قدراته مبكراً، ثم توفير البيئة التي تسمح له بالنمو والاستمرار،
ومن أهم الركائز في هذه التجربة:
1- وجود توجه
مؤسسي نحو اكتشاف المواهب.
2- رفع الوعي
المجتمعي بأهميتها.
3- إتاحة
البرامج الإثرائيَّة والمسابقات والأنشطة المتنوِّعة.
4- الاستفادة من
الشراكات بين المؤسسات التعليمية والمجتمعية.
- لا
يمكن لأحد أن يتغافل الذكاء الاصطناعي في حياة الأجيال الحالية، كيف نوفِّق بين
الجيل القديم المُكْتشِف، والجديد الذي يعتبر بعيدًا عن ثقافة الأول؟
- لا أعتقد أن
المسألة ينبغي أن تُطرح باعتبارها مواجهة بين جيلين؛ فالذكاء الاصطناعي ليس بديلاً
عن الخبرة الإنسانية، وإنما أداة جديدة يمكن أن تضاعف قدرتنا على الاكتشاف
والتطوير.
الجيل السابق
يمتلك الخبرة في قراءة الإنسان وفهم السياق الاجتماعي والتربوي، بينما يمتلك الجيل
الجديد قدرة أكبر على التعامل مع التكنولوجيا والأدوات الرقمية.
ولذلك، فإن
المطلوب دمج الخبرة بالابتكار؛ وأعتقد أن أفضل نموذج أن يتعلم الجيلان من بعضهما
بعضاً، لا أن يحاول أحدهما إلغاء الآخر.
- هناك
شبه متلازمة في معظم الدول خاصة العربية، بأن الموهوبين هم المحبون للمواد العلمية
خاصة الرياضيات، ما رأيكم في قراءة هذا المسار المعرفي؟
- هذه من أكثر
الصور النمطية التي تحتاج إلى إعادة نظر؛ فالموهبة لا تختزل في الرياضيات والعلوم،
وإن كانت هذه المجالات من المجالات التي يسهل اكتشاف بعض مظاهر التفوق فيها من
خلال التحصيل والاختبارات.
لكنْ لدينا
موهوبون في الأدب واللغة والفنون والمسرح والخِطابة والمناظرات والرياضة والقيادة
والابتكار وريادة الأعمال والعمل الاجتماعي.
والمطلوب توسيع
مفهوم الموهبة، والانتقال من سؤال: من يحصل على أعلى الدرجات؟ إلى سؤال أوسع: من
يمتلك قدرة استثنائية، يمكن أن تتحوَّل إلى قيمة وإبداع وإنجاز؟ وفي تطوير الموهبة
يجب علينا ألا نجعل الذكاء الاصطناعي معركة بين جيلين.
- ما
انعكاسات الابتعاث على تنمية الطَّلبة الموهوبين في البحرين؟ وهل حقق الدرجة
المرجوة؟
- الابتعاث يمكن
أنْ يكون إحدى أهم الأدوات الوطنية في بناء الموهبة، لأنه لا يمنح الطالب معرفة
أكاديمية فقط، وإنما يضعه أمام تجارب وثقافات ومناهج وأساليب تفكير مختلفة.
وفي حالة
البحرين، يمكن النظر إلى الابتعاث باعتباره استثماراً طويل المدى في رأس المال
البشري، وقد أسهم بالفعل في رفد المجتمع بكفاءات وخبرات متعددة.
لكن السؤال
الأهم ليس: كم طالباً ابتُعث؟ وإنما ماذا حدث لهذه الكفاءات بعد عودتها؟ وهل
أُتيحت لها البيئة التي تستثمر ما اكتسبته؟
- دائماً
ينصرف الذهن لاكتشاف الموهوبين إلى وزارة التعليم في كلِّ البلاد، ما الطريقة
الناجعة لاكتشاف الموهوبين وتقديمهم في كل المؤسسات؟
- وزارة التعليم
مهمة جداً، لكنها لا تستطيع وحدها اكتشاف جميع المواهب؛ لأن المواهب موزَّعة على
المجتمع بأكمله، فنحن بحاجة إلى منظومة وطنية تشارك فيها المدارس والجامعات
والقطاع الصحي والثقافي والرياضي والإعلامي ومؤسسات الشباب والقطاع الخاص ومؤسسات
المجتمع المدني.
وهناك موهوبون
يَظهرون في حياتنا، لكنهم يختفون تدريجياً رغم اعتراف الجميع بقدراتهم، كيف يمكن
القضاء على مثل هذه الثغرات والعثرات في أفول مجتمعياً؟
هذه قضية شديدة
الأهمية، لأن اكتشاف الموهبة هو بداية الطريق وليس نهايته، فكثير من الموهوبين لا
يفقدون قدراتهم، وإنما يفقدون البيئة التي تغذي هذه القدرات؛ فقد يواجهون ضغوطاً
اجتماعية، أو غياب التوجيه، أو الخوف من الفشل، أو عدم وجود فرص حقيقية للتجربة،
أو حتى شعوراً بأن اختلافهم عبء بدلاً من أن يكون ميزة.
ولذلك، فإن
رعاية الموهوب يجب أن تقوم على مسار مستمر لا ينتهي بمجرد اكتشافه، يتضمن الإرشاد
النفسي والتربوي، والفرص العملية، والمسابقات والمشروعات، والتوجيه المهني، وربط
الموهوب بنماذج ناجحة يمكن أن يتعلم منها.
- أخيراً،
كيف يمكن تقديم خطة لرعاية الموهوبين ودعمهم كفريق عمل متكامل في دول الخليج؟
- لا بد بأن
تقوم هذه الخطَّة على التكامل بين السياسات التعليمية، وبرامج الكشف والتشخيص،
والخدمات الإرشادية والتربوية، والبحث العلمي، والابتكار.
وتتمثل الخطوة
الأولى في توحيد الإطار المفاهيمي والإجرائي للموهبة على المستوى الخليجي، مع
مراعاة الخصائص الثقافية والتعليمية لكل دولة.
أما الخطوة
الثانية فتتمثل في تطوير برامج تربوية وإثرائية متخصصة تتناسب مع طبيعة الموهبة
واحتياجاتها.
أيضاً تتطلب
الخطة إنشاء شبكة خليجية للتعاون المؤسسي في مجال الموهبة، تربط بين وزارات
التعليم، والجامعات، ومراكز الموهوبين، والمؤسسات البحثية، والقطاع الخاص.
كما يمكن إنشاء
قاعدة بيانات خليجية للمواهب وفق ضوابط علمية وأخلاقية واضحة لحماية خصوصية
الطلبة.
وينبغي أن تستند
الخطة إلى نظام مستمر للتقويم وقياس الأثر، بحيث لا يُقاس نجاح برامج رعاية
الموهوبين بعدد الطلبة الذين تم اكتشافهم أو عدد البرامج المنفذة فقط.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً