رأي «المجتمع»..

الزواج.. سفينة تحتاج إلى إنقاذ

مدير التحرير

26 أكتوبر 2026

20

زوجان_في_قارب_وسط_أمواج

في خضم المتغيرات المتسارعة التي تعصف بالعالم، لم تعد مؤسسة الزواج بمنأى عن رياح التغيير وتقلبات الحياة؛ فقد باتت سفينة الأسرة تواجه أمواجاً متلاحقة من الضغوط الاقتصادية، والتحولات الاجتماعية، والتحديات النفسية، فضلاً عن التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي والخوارزميات الرقمية التي تسهم أحياناً في تضخيم المخاوف، وتقديم العلاقات الزوجية في صورة قاتمة، تجعل بعض الشباب يترددون في الإبحار نحو الزواج، أو يتخوفون من خوض تجربته من الأساس.

وإذا كان الزواج في التصور الإسلامي ميثاقاً غليظاً، وسكناً للنفس، ومودة ورحمة بين الزوجين، فإنه ليس رحلة تخلو من التحديات، ولا وعداً بحياة مثالية لا تعرف الخلاف؛ فهو شراكة إنسانية تحتاج إلى وعي ومسؤولية وصبر وحسن تدبير، وإلى إرادة مشتركة تحوّل الاختلاف من سبب للصراع إلى فرصة للتفاهم والنضج.

يقول الله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) (الروم: 21)؛ إنها آية تؤسس لفلسفة الزواج في الإسلام؛ حيث السكن والمودة والرحمة، لا التنافس على الغلبة، ولا البحث عن الكمال المستحيل، ولا تحويل كل خلاف عابر إلى معركة تهدد كيان الأسرة.

غير أن بعض الشباب باتوا ينظرون إلى الزواج من خلال قصص الانفصال المتداولة، ومشاهد النزاعات الأسرية، والمبالغة في تكاليف الأعراس، وتضخم التوقعات التي تصنعها المقارنات الرقمية؛ فتتراجع الثقة بإمكان بناء علاقة مستقرة، وتتحول المخاوف من استثناءات يمكن التعامل معها إلى قناعات عامة تنفّر من الزواج، وهنا تبرز مسؤولية الإعلام والمؤسسات التربوية والدعوية، إلى جانب الأسرة، في تقديم صورة واقعية ومتوازنة عن الحياة الزوجية، لا تخفي تحدياتها ولا تهوّلها، وتبرز نماذج النجاح بقدر ما تناقش أسباب التعثر.

إن حماية سفينة الزواج تبدأ قبل الإبحار لا بعد اشتداد العاصفة، وذلك بالتأهيل النفسي والتربوي للمقبلين على الزواج، والحوار الصريح حول المسؤوليات والتوقعات، وتعزيز ثقافة الاختيار الواعي، وتيسير المهور وتكاليف الأعراس، ونشر ثقافة الوقاية من الخلافات قبل استفحالها.

كما تتطلب وجود منظومة فاعلة للإرشاد والإصلاح الأسري، تحفظ الحقوق، وتواجه العنف، وتمنح الزوجين فرصاً حقيقية لمعالجة المشكلات قبل أن تصل إلى طريق مسدود.

ولا يعني الحفاظ على الأسرة إبقاء الإنسان في علاقة مؤذية، أو التستر على العنف باسم الاستقرار؛ فالزواج الناجح يقوم على العدل والاحترام والأمان، وتظل الحماية القانونية والاجتماعية ضرورة حين تتعرض الحقوق للانتهاك.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة