من حكمة زهاد الكوفة..
ما الذي يمنح العمل قيمته؟ كلمة الربيع بن خثيم عن الإخلاص
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، في ترجمة الربيع بن خثيم، عنه أنه قال: «كل ما لا يراد به
وجه الله يضمحل(1)»(2).
ينتمي هذا القول
الموجز إلى مدرسة التابعين التي جعلت من تزكية النفس وتصحيح القصد محوراً لبناء
الإنسان، فالربيع بن خثيم من كبار عبّاد أهل الكوفة وزهاد التابعين، وقد عُرف بشدة
الورع والخوف من الله ومراقبة القلب، في زمن اتسعت فيه الدنيا على المسلمين،
وتنوعت دوافع الناس بين طلب العلم والجاه والمال والمنزلة الاجتماعية.
ولا يمكن فهم
هذه الكلمة بمعزل عن سياقها؛ فهي ليست دعوة إلى ترك العمل أو إهمال الأسباب، بل هي
إعادة ترتيب لمعيار القيمة: فليس كل ما يكبر في أعين الناس عظيماً عند الله، وليس
كل ما يلمع في الدنيا باقياً في ميزان الآخرة، إنما البقاء لما اتصل بالمقصد
الأعلى، والاضمحلال لما انفصل عنه.
كيف يحدد الإخلاص والصواب قيمة الإنجاز البشري؟
تقوم كلمة
الربيع بن خثيم على قاعدة مركزية؛ أن قيمة العمل لا تُقاس فقط بحجمه الظاهر، وإنما بالغاية
التي تحركه، فقد يعمل الإنسان عملًا عظيمًا في أعين الناس، لكنه يفقد معناه إذا
أصبح هدفه مجرد السمعة أو طلب الثناء أو تحقيق مكسب زائل.
وهذا المعنى
يلتقي مع الأصل النبوي العظيم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا
لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»(3)، فالنية ليست أمرًا هامشيًا يسبق العمل
ثم ينتهي أثرها، بل هي التي تحدد الغاية التي يتجه إليها العمل، وبها يتبين ما إذا
كان ما يفعله الإنسان متوجهًا إلى غاية معتبرة أم إلى مجرد طلب السمعة والثناء أو
تحقيق المكسب الزائل، غير أن تحديد قيمة العمل بالنية لا يعني أن سلامة القصد
وحدها تكفي؛ إذ يبقى السؤال عن العمل نفسه: هل جاء على الوجه الصحيح أم لا؟ وهنا
يضيف الفضيل بن عياض بُعدًا آخر حين قال في تفسير قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ
أَحْسَنُ عَمَلًا) (الملك: 2): «أخلصه وأصوبه، فإن العمل إذا كان خالصًا
ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل؛ حتى يكون
خالصًا صوابًا»(4)، فصلاح العمل لا يتحقق بمجرد حسن المقصد، وإنما لا
بد أن يجتمع مع صحة العمل وإصابته للوجه الذي ينبغي أن يكون عليه.
ومن هنا يظهر أن
الإخلاص ليس مجرد حالة قلبية خاصة بالعبادات الفردية، بل هو معيار شامل يدخل في
العلم، والإدارة، والدعوة، والعمل الاجتماعي؛ إذ تتحدد قيمة العمل بقدر ما يجتمع
فيه قصد صحيح وعمل صحيح، وبذلك لا يكتمل أثر الإخلاص بمجرد سلامة القصد، وإنما
يحتاج إلى أن يتجه العمل في مساره الصحيح أيضًا، حتى تتحول النية الصالحة إلى عمل
معتبر ذي أثر.
مراجعة المقاصد عند اتساع الدنيا وزيادة المكاسب
نشأ الربيع بن خثيم في
الكوفة، وهي مدينة كانت من أكبر مراكز العلم والسياسة في صدر الإسلام، لكنها كانت
أيضًا ساحة لتنوع الاتجاهات والصراعات الاجتماعية والفكرية، ومع اتساع الدولة
وكثرة الموارد، ظهر تحدٍّ إنساني متكرر: أن تتحول الوسائل إلى غايات، وأن يطلب
الإنسان المكانة لذاتها بدل أن يجعلها طريقًا لخدمة الحق.
في هذا السياق
جاءت كلمة الربيع بن خثيم كميزان تصحيح؛ فهي تنقل الإنسان من سؤال: «كم أنجزت؟» إلى سؤال
أعمق: «لأجل ماذا أنجزت؟».
وهذا المعنى
يوضحه القرآن في قوله تعالى: (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ
عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ
يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً {18} وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا
سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً) (الإسراء)، فالآية لا تجعل مجرد السعي والإنجاز معيارًا كافيًا،
بل تردّ السعي إلى الجهة التي يتوجه إليها؛ فهناك من يجعل العاجلة غايته، ومن يطلب
الآخرة ويسعى لها سعيها، وبذلك يصبح تصحيح اتجاه السعي جزءًا من تصحيح العمل نفسه.
أما الوجه الآخر
للمشكلة فيظهر حين تتحقق للإنسان أسباب النجاح وتتسع الدنيا بين يديه؛ فهنا لا
يعود السؤال عن الغاية التي بدأ بها العمل فحسب، بل عن قدرته على ألا تستولي ثمرات
النجاح على قلبه، وهذا ما يكشفه موقف أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه؛ فحين رأى
ما فتح الله على المسلمين من الدنيا، بكى وقال: «ذكر لي رسول الله صلى الله عليه
وسلم يومًا ما يفتح الله على المسلمين.. ثم ها أنذا أنظر إلى بيتي قد امتلأ رقيقًا
وإلى مربطي قد امتلأ خيلًا، فكيف ألقى رسول الله بعدها؟»(5).
فالموقف هنا لا
يتصل بمجرد طلب الدنيا، وإنما بمراجعة الإنسان لعلاقته بما تحقق له منها، حتى لا
تتحول ثمرات الإنجاز إلى غاية تستولي على القلب وتزاحم المقصد الذي من أجله كان
العمل.
وهذا لا يعني
التقليل من قيمة الإنجاز، بل حماية الإنجاز من الفراغ الداخلي، فالإنجاز قد يتحقق
في ظاهره، لكن قيمته تتغير بحسب الغاية التي توجهه والعلاقة التي ينشئها في قلب
صاحبه.
دور الإخلاص في التحرر من التقييم الخارجي
في العمق
النفسي، تمنح هذه الحكمة الإنسان قدرة على التحرر من أسر التقييم الخارجي، فالذي
يجعل غايته رضا الله لا يصبح أسيرًا لتقلبات المدح والذم؛ لأنه لا يجعل الناس هم
المقياس النهائي لقيمة جهده.
وهذا المعنى
يفسر جانبًا من ثبات أصحاب الهمم العالية؛ فكلما ارتبط الإنسان بقيمة ثابتة تجاوز
القلق الناتج عن تغير النتائج، أما من يجعل غايته مرتبطة فقط بالإعجاب الاجتماعي،
فإنه يبقى معرضًا للاضطراب؛ لأن رضا الناس متغير، وصور النجاح في أعينهم لا تستقر
على حال، ومن هنا جاء تحذير الربيع بن خثيم من أن يتحول ثناء الناس إلى مقياس
يطمئن إليه الإنسان أو يغتر به، فقال: «لا يغرنك كثرة ثناء الناس من نفسك، فإنه
خالص إليك عملك»(6).
فبهذا يضع
الربيع حدًّا للمدح بوصفه معيارًا خارجيًا لقيمة الإنسان، ويردّ النظر إلى حقيقة
العمل بدل مقدار ما يحظى به صاحبه من ثناء.
ولا يكتمل هذا
التحرر بمجرد تجاهل المدح، بل يحتاج إلى مصدر ثابت تستمد منه النفس طمأنينتها
واستغناءها عن الناس، وهذا هو الجانب الذي يكتمل به المعنى عند أبي حازم، إذ قال: «خَيْرُ
مَالِي ثِقَتِي بِاللَّهِ تَعَالَى، وَإِيَاسِي مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ»(7).
فإذا كانت قيمة
العمل لا ينبغي أن تتعلق بثناء الناس، فإن قوة النفس على ذلك لا تنشأ من مجرد
تجاهلهم، وإنما من ثقة تستند إليها؛ وحين تصبح الثقة بالله هي رأس مال الإنسان،
وييأس قلبه مما في أيدي الناس، لا يعود مدحهم هو ما يمنحه قيمته، ولا ذمهم هو ما
يسلبه طمأنينته.
وفي واقعنا
المعاصر، حيث أصبحت الصورة العامة والتفاعل الإعلامي جزءًا من حياة كثير من الناس،
تزداد الحاجة إلى هذا الميزان؛ فليس كل انتشار نجاحًا، وليس كل خفاء فشلًا، القيمة
الحقيقية تُبنى على صدق المقصد وجودة الأثر.
إدارة الدوافع الشخصية قبل ممارسة السلطة القيادية
تكشف مقولة
الربيع بن خثيم عن أصل مهم في القيادة: أن القائد قبل أن يدير الآخرين يحتاج إلى أن يدير
دوافعه الداخلية، فالمشروعات الكبرى قد تنهار حين تتحول من خدمة المعنى إلى خدمة
الأشخاص أو المصالح الضيقة.
ولهذا، فإن
القيادة بالقيم تبدأ من سؤال سابق على التخطيط والتنفيذ: ما الغاية التي نريد
الوصول إليها؟ وهل هذه الغاية تستحق أن تُبذل من أجلها الطاقات؟ وهذا المعنى يتجلى
في وصية عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري: «مَن خَلَصَت نيَّتُه في الحَقِّ ولَو
على نَفسِه كَفاه اللهُ ما بَينَه وبَينَ النّاس، ومَن تَزَيَّنَ لَهُم
بما لَيسَ في قَلبِه شانَه اللهُ»(8)، فخلوص النية هنا لا ينفصل عن
القدرة على تقديم الحق على حظ النفس، وهو ما يجعل سلامة الدافع أصلًا يسبق ممارسة
القيادة وتدبير شؤون الناس.
فالعمل المؤسسي،
كما العمل الفردي، يحتاج إلى مراجعة مستمرة للمقاصد؛ لأن بعض المشاريع لا تفشل
بسبب ضعف الإمكانات، بل بسبب فساد الاتجاه، وتظهر قيمة هذا المعيار حين يُختبر
القائد في موقف يمكن أن يتداخل فيه حظ النفس مع مصلحة الجماعة؛ ومن ذلك موقف أبي
عبيدة بن الجراح رضي الله عنه في غزوة ذات السلاسل، حين قال لعمرو بن العاص رضي
الله عنه: «يا عمرو، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: لا تختلفا، وإنك إن
عصيتني أطعتك»، فقال عمرو: «فإني الأمير عليك، وأنت مدد لي»، قال: «فدونك»، فصلى
عمرو بالناس(9)، فالموقف يحول الإخلاص من مبدأ داخلي إلى سلوك عملي، إذ
تتراجع مصلحة القائد الشخصية أمام وحدة الكلمة وامتثال الأمر.
ومن هنا يصبح
الإخلاص نوعًا من الحوكمة الداخلية التي تمنع هدر الجهد في مسارات لا تحمل أثرًا
حقيقيًا.
كيف يتحول العمل الخفي إلى نفع متعدٍّ؟
تواجه المجتمعات
دائمًا مشكلة الانخداع بالحجم؛ فقد يُقاس النجاح بعدد المتابعين أو كثرة الإنجازات
أو قوة الحضور، بينما قد يكون الأثر العميق هادئًا لا يلفت الأنظار.
وقد قرر القرآن
هذا المعنى في قوله تعالى: (وَقَدِمْنَا
إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) (الفرقان: 23)،
مبينًا أن ضخامة العمل في ظاهره لا تمنحه قيمة نهائية إذا فقد ما يجعله معتبرًا
عند الله.
وفي المقابل،
فإن العمل الصالح قد يتجاوز حياة صاحبه، ويبقى أثره بعد رحيله؛ قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: «سَبْعٌ يَجْرِي لِلْعَبْدِ أَجْرُهُنَّ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ،
وهُو فِي قَبْرِهِ: مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا، أَوْ كَرَى نَهْرًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا،
أَوْ غَرَسَ نَخْلا، أَوْ بَنَى مَسْجِدًا، أَوْ وَرَّثَ مُصْحَفًا، أَوْ
تَرَكَ وَلَدًا يَسْتَغْفِرُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ»(10)، فالمعيار هنا
هو النفع الذي يتجاوز صاحبه ويستمر بعد موته، لا مجرد الصورة الظاهرة للعمل.
وهنا تتضح
المفارقة بصورة أعمق: فقد يكون العمل بعيدًا عن أعين الناس، متواضعًا في صورته،
لكنه عظيم في أثره؛ كما يتجلى في موقف علي بن الحسين، حين قال عمر بن ثابت: «لما
مات علي بن الحسين فغسلوه جعلوا ينظرون إلى آثار سود في ظهره، فقالوا: ما هذا؟
فقالوا: كان يحمل جرب الدقيق ليلاً على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة»(11)،
فقد كان العمل خفيًا، ومظهره متواضعًا، لكن أثره كان يصل إلى فقراء المدينة؛ حتى
لم يُعرف إلا بعد وفاة صاحبه.
ومن هنا، فإن
بناء الأسرة، وتعليم الأبناء، وخدمة المجتمع، والعمل المهني، كلها مجالات يمكن أن
تتحول إلى أعمال باقية حين تستقيم الغاية، ويصبح معيارها الحقيقي ما تتركه من نفع،
لا مقدار ما تحظى به من ظهور.
لماذا اختار الربيع بن خثيم لفظ الاضمحلال؟
اختار الربيع بن خثيم لفظًا شديد الدلالة حين قال: «يضمحل»، فالاضمحلال في اللغة يحمل معنى الذهاب
التدريجي والزوال بعد وجود، وليس مجرد العدم المفاجئ، وفي ذلك تصوير بليغ لحقيقة
كثير من الأعمال التي تبدو قوية في بدايتها، ثم يتراجع أثرها شيئًا فشيئًا حتى
تزول.
وتزداد دلالة
هذا اللفظ وضوحًا حين يقابله القرآن بين ما يذهب وما يبقى، قال تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ
جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) (الرعد: 17)،
فالزبد قد يظهر ويعلو، لكنه لا يلبث أن يذهب، بينما يمكث ما ينفع الناس؛ وبذلك
ترسم الآية صورة الاضمحلال في أوضح صورها: ظهورٌ لا يلبث أن ينتهي، في مقابل بقاءٍ
يستند إلى حقيقة النفع، ومن هنا تتضح دقة اختيار الربيع لكلمة «يضمحل» في وصف
العمل الذي لا يملك مقومات البقاء، ثم يتجاوز المعنى صورة الشيء الذي يزول إلى
بيان أصل البقاء نفسه في قول لبيد بن ربيعة: «ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ»(12)،
فكل ما سوى الله لا يستمد بقاءه من ذاته، وإنما يظل خاضعًا لحقيقة الفناء؛ ومن ثم
يصبح اتصال العمل بالله وابتغاء وجهه جزءًا من المعنى الذي يمنحه البقاء في ميزان
الغاية، لا بقاءً ذاتيًا للعمل نفسه.
فالعمل الذي
يقوم على طلب الثناء قد يزول بزوال الثناء، والعمل الذي يقوم على المصلحة العاجلة
قد ينتهي بانتهاء المصلحة، أما العمل الذي يتصل بالله فلا تكون قيمته مرهونة بزوال
تلك المظاهر والمصالح العاجلة.
وهكذا تصبح كلمة
«يضمحل» أكثر من وصف لغوي للزوال؛ إنها تختصر ميزانًا في قيمة العمل: ما لم يُربط
بالباقي، فهو إلى اضمحلال، وما أُريد به وجه الله كان أرجى للبقاء في ميزان
الآخرة.
تطبيق معيار الإخلاص في الوظائف والأعمال المهنية
لا يعني الإخلاص
أن ينسحب الإنسان من ميادين الحياة، بل يعني أن يدخلها بقلب يعرف وجهته، فالمعلم
حين يربي، والطبيب حين يعالج، والباحث حين يطلب المعرفة، والمسؤول حين يؤدي
الأمانة، كل هؤلاء يستطيعون تحويل أعمالهم اليومية إلى أثر ممتد حين تتجاوز
دوافعهم حدود المصلحة الشخصية.
وقد ضرب النبي
صلى الله عليه وسلم مثالًا واضحًا في فضل العمل والكسب من عمل اليد، فقال: «مَا
أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ
نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ
يَدِهِ»(13)؛ فالحديث يقرر قيمة العمل والكسب من عمل اليد، ولا يجعل
العمل المهني في ذاته عبادة، وإنما يفتح المجال لأن يكون العمل اليومي مجالًا
للعفة والكسب المشروع وأداء المسؤولية، ومن هنا يمكن أن يتحول العمل المهني إلى
مجال لتحقيق معنى أوسع حين يؤدي الإنسان ما أُوكل إليه بصدق، ويستحضر أثره في نفسه
وفي الآخرين.
وفي المقابل،
فإن غياب هذا المعنى يجعل الإنسان عرضة للاستنزاف؛ لأنه يبني حياته على ردود فعل
الآخرين، فإذا تغيرت الظروف فقد الحافز والمعنى، ولهذا تبقى مراجعة النية من أعظم
أدوات الإصلاح الفردي والمؤسسي؛ فهي تعيد توجيه الطاقة البشرية نحو ما يستحق
البقاء، وتمنح العمل اليومي غاية تتجاوز مجرد الاستجابة للظروف والمصلحة العاجلة.
ومن هنا، فإن كلمة الربيع بن خثيم ليست مجرد موعظة في الزهد، بل هي قانون في فهم قيمة العمل: ما اتصل بالله كان أرجى لبقاء أثره، وما انفصل عنه لم يكن له من البقاء إلا بقدر ما يحققه من نفع عابر، وبين هذين الاتجاهين تتحدد مسيرة الإنسان؛ إما أن يستهلك عمره في صناعة ما يزول، أو يجعل جهده طريقًا إلى أثر لا يضمحل.
الهوامش
- 1 يضمحل: يذهب وينحل ويتلاشى؛ قال ابن منظور: «اضمحل الشيء.. كل ذلك: ذهب»، وقال الزبيدي: «اضمحل أيضًا: انحل، وتَلاشَى الشيءُ: اضْمَحَلَّ»، ينظر: لسان العرب لابن منظور (11/ 396)؛ تاج العروس للزبيدي، (29/ 356- 39/ 454)، مادة «ضمحل».
- 2 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 259).
- 3 متفق عليه، أخرجه البخاري واللفظ له (1)، ومسلم (1907).
- 4 الكشف والبيان عن تفسير القرآن: للثعلبي (27/91).
- 5 سير أعلام النبلاء: الذهبي (1/ 13).
- 6 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم (2/ 112).
- 7 شعب الإيمان: البيهقي (2/ 106).
- 8 السنن الكبرى: البيهقي (20/ 447).
- 9 السيرة النبوية: ابن هشام (2/ 624).
- 10 أخرجه البزار في مسنده (7289)، والبيهقي في شعب الإيمان (3449)، وحكم عليه الألباني بأنه: حسَّن لغيره في صحيح الترغيب والترهيب (959).
- 11 صفة الصفوة: ابن الجوزي (1/355).
- 12 ديوان لبيد بن ربيعة العامري (85).
- 13 أخرجه البخاري (2072).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً