العنوان الإخلاص.. ذلك الميدان المتعب!!
الكاتب سلمان مندني
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1992
مشاهدات 68
نشر في العدد 1019
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 06-أكتوبر-1992
الإخلاص: أساس القبول وميدان القلب
الإخلاص أساس القبول ورفض الادعاء
من حكمته تبارك
وتعالى وعلمه بطبائع البشر، أن جعل الإخلاص في العمل أساس القبول.
فَيَخْرُجُ من هذا الأساس، كل
عمل أراده صَاحِبُهُ للثناء والمدح والذكر
والمنفعة، وهذه الأسباب أو الدوافع، مبعثها الإنسان، ومردودها عليه ذَاتُهُ،
وإن ادعى أنه إنما أراد بعمله وجه الله، أو خدمة المجتمع، أو مصلحة المواطنين، أو
غير ذلك من أطر الادعاء وأغلفته. وقصة أول من تسعر بهم النار تحيط بهؤلاء وأمثالهم.
وهذا الادعاء مرفوض
في الإسلام، فالبينة على من ادعى، والبينة في مثل هذه الأحوال لا تحتاج إلى عبارة
منمقة، أو بيان منسق، أو كلام مُوَشَّى، وإنما البينة تنطق بنفسها، يستدل
بها على صاحبها، في مسيرته، وخلقه، ومعرفة الناس به. وهي شهادة لا تخيب، ودلالة لا
تعجز، وكل إناء بما فيه ينضح، وفاقد الشيء لا يعطيه!!
الإخلاص والرياء: الكتمان والإعلان
لذلك لم يكن الإخلاص
في يوم من الأيام ادعاء، وتباهي، وموضع فخر، لأنها من الرياء، والرياء نقيض
الإخلاص! ولأنها طنطنة، وإعلان ودعاية، والإخلاص هدوء، وسر، وكتمان. وعلى هذا، فإن
هؤلاء، إنما يقدمون أنفسهم قرابين على مذبح الفضيحة، يشهرون بأنفسهم، ويعلنون عنها
على الملأ «بالمانشيت» العريض: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾
(محمد: 30).
فالإخلاص، ذلك الْخَفِيُّ
الصامت، لم يختر الأمكنة الشاسعة، ولا الميادين الواسعة، وإنما اختار القلب،
مكانًا وميدانًا!! بالرغم من ضيق المساحة فيه، فهو أكرم ما في الجسد، صلاحه
بصلاحها، وخرابه بخرابها «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت
فسد الجسد كله ألا وهي القلب». مكان اختفى عن الأنظار، والأبصار، ليس كبقية
الجوارح ظاهرًا للعيان، بل جعله الله تبارك وتعالى محاطًا باللحم والعظم والجلد.
فلا نعرف ما فيه من إخلاص فيغتر العبد، ولا ما فيه من نفاق فيفتضح العبد.. حكمة
بالغة، ورحمة واسعة.
التمايز بين الناس ومقاييس القبول
إذن وفق هذه
الاعتبارات، وتلك المقاييس الخفية يتمايز الناس، ويتفاضلون. ليس في تقدير الناس،
وإنما في علم الله. فللناس الظاهر، ظنًا، ولله الباطن، علمًا. وحسبنا من الناس
ظاهرهم ونكل إلى الله سرائرهم، وأمرنا بحسن الظن، إلا في ظن يصل إلى السذاجة
والجهل!!. فإنه من أصلح سريرته، أصلح الله علانيته.
ومن أصلح ما بينه
وبين الله، أصلح الله ما بينه وبين الناس.
وزبدة القول، أن الإخلاص ميدان خرج منه الكثير، لما فيه من مشقة وعنت، وخسران لحظوظ النفس ورغباتها، وبَقِيَ فيه قلة، نادرة، نقية، خفية، تقية، ليس لها في عالم الناس صورة، أو اسم متداول، وإن كان لها، فهي في خوف ووجل من الله في ألا يقبل العمل. وحَسْبُهَا!!
5وسائل لاكتساب النية الصادقة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل