نموذج التاجر الزاهد..

كيف يكسب التاجر المال دون أن يستعبده؟ درس مورق العجلي

عبدالله السيد

21 سبتمبر 2026

9

لوحة تعبيرية لتاجر مسلم من العصر الإسلامي المبكر يحمل المال ويوجهه إلى أعمال الخير، في إشارة إلى التوازن بين الكسب والزهد.

روى الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، في ترجمة مورق العجلي(1): أنه كان يأتي أصحابه بصُرّة من المال، ويقول: «أمسكوا لنا هذه الصرة، فإن احتجتم فأنفقوها»، فلا يعود إليها.

وكان يتّجر ويربح، فلا تمرّ عليه جمعة ويبقى عنده شيء من المال، ويأتي أخاه فيعطيه أربعمائة أو خمسمائة، ويقول: «ضعها لنا عندك»، ثم يلقاه بعد ذلك فيقول: «شأنك بها، لا حاجة لي فيها»(2).

يمثل هذا الأثر صورة من صور الزهد العملي عند جيل التابعين؛ فهو لا يعرض رجلاً ترك الدنيا عجزاً عنها، وإنما يقدم نموذج إنسان دخل ميدان الكسب وأتقنه، ثم امتلك القدرة على ألا يكون أسيراً لما كسب.

ومورق العجلي أبو المعتمر البصري يظهر في بيئة البصرة العلمية والتجارية في العصر الأموي، حيث كانت حركة المال والتجارة واسعة، فكان نموذجه مختلفاً: تاجر يعرف قيمة المال، لكنه لا يجعل قيمته فوق قيمة الإنسان.

كيف ينجح التاجر دون الوقوع في عبودية الثروة؟

كانت البصرة في العصر الأموي من أهم الحواضر الإسلامية، اجتمع فيها النشاط التجاري والعلمي، ونشأت فيها طبقات من التجار وأهل العلم والعبادة، وفي مثل هذا المجتمع كان التحدي الأخلاقي كبيراً: كيف ينجح الإنسان في عالم الأسباب دون أن يتحول النجاح إلى قيد على قلبه؟

جاء موقف مورق العجلي ليجيب عملياً عن هذا السؤال، فلم يكن تركه لتراكم المال نتيجة فشل اقتصادي، بل كان نتيجة موقف داخلي من معنى الملكية، كان يكسب المال، لكنه لا يسمح للمال أن يملك مشاعره أو يصنع أمنه النفسي.

ولم يكن اشتغال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بالتجارة حائلًا بينه وبين الزهد؛ فلما هاجر إلى المدينة قال: «دلوني على السوق»، فدخل عالم البيع والشراء حتى صار من أصحاب الأموال، ثم جعل لماله نصيبًا وافرًا من الإنفاق والصدقة(3)، فقد جمع بين مهارة الكسب وسخاء البذل، فلم تكن الثروة غايةً تحبسه عن وجوه الخير، وهذا ما يلتقي مع صنيع مورّق العجلي؛ إذ كان يتجر ويصيب المال، ثم يبادر إلى تفريقه، فلا يأتي عليه يوم الجمعة وعنده منه شيء، فليست العبرة بترك التجارة أو قلة المال، وإنما بقدرة صاحبه على اكتسابه من وجهه، ثم بذله دون أن يستعبده التعلق به.

ومن هنا يظهر الفرق بين الزهد الحقيقي والزهد القائم على العجز؛ فالزهد ليس أن تخلو اليد من المال دائماً، وإنما أن يخلو القلب من عبودية المال.

سر طمأنينة مورق العجلي عند إنفاق كل أرباحه

العبارة القصيرة: «فلا يأتي عليه جمعة وعنده منه شيء» تكشف عن نمط نفسي عميق، فالإنسان في العادة يشعر بالأمان كلما ازدادت أرصدته، بينما كان مورق يستمد الطمأنينة من الثقة بالله ومن القدرة على إعادة توجيه المال إلى مواضع النفع.

وهذا المعنى يلتقي مع التوجيه القرآني في قوله تعالى: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) (الحديد: 23)؛ فالمؤمن لا يجعل ما في يده مصدراً مطلقاً للفرح أو الخوف، لأن علاقته بالنعمة أوسع من مجرد امتلاكها.

لم يكن مورق العجلي يحارب التجارة، بل كان يحارب التعلق، ولذلك اجتمع عنده أمران قد يظنهما بعض الناس متعارضين: المهارة في تحصيل المال، والسهولة في مفارقته.

حين يكون حفظ الكرامة أهم من مقدار الصدقة

من أعمق الجوانب الإنسانية في موقف مورق العجلي طريقته في الإعطاء، فهو لم يكن يأتي المحتاج فيضع المال في يده بطريقة قد تشعره بالضعف، بل يقول: «ضعها لنا عندك»، يحول العطاء إلى صورة من صور المشاركة والثقة.

هذه الطريقة تحمل وعياً بطبيعة النفس البشرية؛ فالإنسان قد يحتاج إلى المال، لكنه لا يريد أن يفقد مكانته أو يشعر أنه مجرد موضع للشفقة، لذلك كان العطاء الراقي هو الذي يجمع بين نفع المحتاج وصيانة مشاعره.

وبلغت مراعاة مشاعر المحتاج عند عامر بن عبدالله بن الزبير أن كان يتحيّن سجود العُبّاد، فيضع عند نعالهم صُرَرًا من الدنانير والدراهم، بحيث يجدونها دون أن يعرفوا موضعه، ولما سُئل عن سبب عدم إرسال المال إليهم، قال: «أكره أن يتمعّر وجه أحدهم إذا نظر إلى رسولي وإذا لقيني»(4)، فقد حرص على أن يصل المال إلى صاحبه دون أن يترك في نفسه حرجًا، كما كان مورّق العجلي يقول لمن يريد إعطاءه: «ضعها لنا عندك»، ثم يتركها له، فاجتمع الموقفان على أن كرامة المحتاج جزء من الإحسان إليه، وأن تمام العطاء لا يكون بسدّ الحاجة وحدها، بل بحفظ النفس من شعور المِنّة والانكسار.

وهذا ينسجم مع قول الله تعالى: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى) (البقرة: 263)، فليست قيمة العطاء في مقدار المال فقط، بل في الطريقة التي يصل بها إلى الإنسان.

وفي واقع المؤسسات الخيرية والعمل الاجتماعي اليوم، يبقى هذا المعنى مهماً؛ فالدعم الناجح ليس الذي يحل المشكلة المادية فقط، بل الذي يحفظ للإنسان شعوره بالقدرة والاحترام.

حين يصبح سلوك القائد أبلغ من آلاف التعليمات

لم يكن مورق العجلي قائداً بالمنصب أو السلطة، وإنما كان مؤثراً بصورة حياته، فالناس تتأثر غالباً بما تراه أكثر مما تسمعه، ولذلك كان فعله رسالة تربوية قائمة بذاتها.

لقد علّم من حوله أن امتلاك المال لا يعني بالضرورة الاستسلام له، وأن النجاح الاقتصادي يمكن أن يكون طريقاً إلى خدمة الآخرين لا إلى تضخم الذات.

وحين تولى عمربن عبد العزيز رحمه الله الخلافة، جعل الإصلاح يبدأ من نفسه وأهل بيته؛ فردّ ما لديهم من المظالم والأموال إلى بيت مال المسلمين، وأمر ببيع الستور والثياب التي كانت تُبسط للخلفاء وإيداع أثمانها في بيت المال(5)، فلم يكتفِ بدعوة عماله إلى النزاهة والزهد، بل قدّم لهم مثالًا عمليًا فيما يملكه ويستطيع التصرف فيه، وعلى اختلاف موقعه عن مورّق العجلي، فقد التقيا في أن القدوة تسبق الموعظة؛ فمورّق علّم الناس التحرر من التعلق بالمال ببذله، وعمر علّم عماله الأمانة حين بدأ بردّ ما تحت يده، لتصبح الأفعال أبلغ من التعليمات.

وهذا النوع من القيادة هو ما يعرف في المفاهيم المعاصرة بالقيادة بالقدوة؛ حيث يتحول الشخص إلى نموذج حي للقيمة التي يدعو إليها، فالمعلم الذي يطبق ما يقول، والقائد الذي يضحي قبل أن يطلب من الآخرين التضحية، يصنعان أثراً أعمق من كثرة التعليمات.

لماذا تقاس الثروة بالأثر الاجتماعي لا بالمال المحتجز؟

في قوله: «الأربعمائة والخمسمائة» دلالة على أن مورق لم يكن يتعامل مع المال القليل فقط، بل كان يفرط في مبالغ معتبرة بالنسبة إلى عصره، وهذا يكشف أن القضية لم تكن سهولة التضحية بما لا قيمة له، بل القدرة على تقديم ما له قيمة مع بقاء القلب مطمئناً.

لقد أعاد تعريف الثروة؛ فالثروة عنده ليست مقدار ما يبقى في الخزانة، وإنما مقدار الخير الذي يتحقق بهذا المال.

ولقد تجلّى هذا المعنى في صنيع زينب بنت جحش رضي الله عنها حين جاءها عطاؤها من عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فأمرت بصبّه وطرح ثوب عليه، ثم أخذت توزّعه على ذوي رحمها والمحتاجين، حتى لم يبق منه إلا خمسة وثمانون درهمًا(6)، لقد كان بين يديها مالٌ تستطيع ادّخاره، لكنها آثرت أن يتحول إلى نفع يصل إلى الآخرين؛ تمامًا كما كان مورّق العجلي يبذل الأربعمائة والخمسمائة، فالثروة في هذين الموقفين لم تُقَس بما احتفظ به صاحبها، بل بما أحدثته في حياة من وصل إليهم عطاؤه.

وهذا المفهوم يفتح باباً مهماً في الاقتصاد الاجتماعي المعاصر؛ فالأموال التي تتحرك في التعليم، وتمكين المحتاجين، وبناء المشاريع النافعة، تتحول من أرقام جامدة إلى آثار ممتدة.

لماذا لا يتعارض الزهد مع امتلاك القوة الاقتصادية؟

قد يُفهم الزهد أحياناً على أنه ابتعاد عن أسباب القوة، لكن سيرة مورق تقدم صورة أخرى؛ فالإنسان يمكن أن يكون منتجاً وفاعلاً في الاقتصاد، وفي الوقت نفسه شديد التحرر من التعلق بالمادة.

وهذا التوازن هو ما تحتاجه المجتمعات؛ فلا يكون المال غاية تبتلع القيم، ولا تكون الروحانية ذريعة لترك الإعمار والعمل، فالإسلام جمع بين عمارة الأرض وتزكية النفس.

وتقدّم سيرة الزبير بن العوام رضي الله عنه صورة عملية لهذا التوازن؛ فقد خلّف عقارات وأموالًا كثيرة، وذكر ابنه عبد الله أنه كان يقضي ديون أبيه من أثمان أملاكه، ومنها أرض الغابة التي بيعت بأثمان كبيرة(7)، ومع هذا الثراء، كان الزبير من السابقين إلى الإسلام، ومن العشرة المبشَّرين بالجنة، وبذل نفسه وماله في نصرة الدين، فاجتماع الثروة والمكانة الإيمانية في سيرته يبيّن أن امتلاك أسباب القوة الاقتصادية لا يناقض تزكية النفس؛ وهو المعنى الذي تكشفه تجارة مورّق العجلي وسخاؤه، إذ لم يكن الزهد عنده تركًا للكسب، بل تحررًا من التعلق بما يكسب.

يقول الله تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) (القصص: 77)، فجعل للإنسان نصيباً في الدنيا، لكنه ربط ذلك بالمقصد الأعلى.

حين تختصر العبارات القصيرة فلسفة التحرر من المال

تظل عبارة مورق: «شأنك بها، لا حاجة لي فيها» من أكثر العبارات دلالة على صفاء النفس، فهي لا تحمل استعراضاً بالعطاء، ولا انتظاراً للشكر، وإنما فيها انسحاب هادئ من التعلق.

إنها جملة تختصر فلسفة كاملة: أن المال إذا خرج من يد الإنسان في موضعه الصحيح لم يشعر بأنه فقد شيئاً، بل شعر بأنه أدى وظيفة النعمة.

وبلغ هذا التحرر من التعلق بالمال منزلةً عظيمة في موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ فحين دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصدقة، جاء عمر رضي الله عنه بنصف ماله، وجاء أبو بكر بماله كله، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟» فقال: «أبقيت لهم الله ورسوله»(8).

لقد بذل ما يملك مطمئنًا إلى الله، دون أن يجعل المال مصدر أمنه الوحيد؛ وهو المعنى الذي عبّر عنه مورّق العجلي حين ترك المال لأخيه قائلًا: «شأنك بها، لا حاجة لي فيها»، فكلٌّ منهما قدّم العطاء على الاحتفاظ بالمال، وإن اختلف مقدار البذل وظرفه، وجعل ثقته بالله أوسع من تعلقه بما في يده.

وهذا ما يجعل أخبار الصالحين ليست مجرد حكايات للماضي، بل مرايا تكشف للإنسان المعاصر علاقته بما يملك، وبمن حوله، وبالمعنى الذي يبحث عنه وراء الأشياء.

يكشف نموذج مورق العجلي أن أعظم المعارك التي يخوضها الإنسان ليست دائماً مع الفقر أو الغنى، وإنما مع موقع المال في قلبه، فقد يكون الإنسان غنياً ولا تستعبده الثروة، وقد يكون قليل المال لكنه أسير له.

لقد جمع مورق بين التجارة والزهد، وبين القوة الاقتصادية والرحمة الاجتماعية، فقدم نموذجاً يقول إن قيمة المال ليست فيما يحتجزه الإنسان لنفسه، بل فيما يصنعه من خير حين يتحول إلى أداة بناء وإحسان.

الهوامش
  • 1 مورق العجلي، الإمام، أبو المعتمر البصري، قال ابن سعد: كان ثقة، عابداً، توفي في ولاية عمر بن هبيرة على العراق.
  • 2 سير أعلام النبلاء، ج4، ص354.
  • 3 اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون، ج1، ص107.
  • 4 صفة الصفوة، ج2، ص96.
  • 5 المرجع السابق، ج2، ص10-12.
  • 6 المرجع السابق، ج2، ص48-49.
  • 7 البداية والنهاية، ج8، ص322 (ترجمة الزبير بن العوام وتجارته وإنفاقه).
  • 8 رواه أبو داود، والترمذي، وحسنه الألباني.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة