حين يختبر القربُ العدالةَ

الخوف من الله يضبط النفوذ.. قصة هرم بن حيان مع قومه

رسم توضيحي يعبر عن موقف هرم بن حيان حين وقف أمام نار مشتعلة بين قومه في مشهد يرمز إلى الخوف من الله ومحاسبة النفس.

أورد الذهبي عَنْ مَالِكِ بنِ دِيْنَارٍ، قَالَ: أَوْقَدَ هَرِمٌ بن حَيَّان نَاراً، فَجَاءَ قَوْمُهُ، فَسَلَّمُوا مِنْ بَعِيْدٍ، قَالَ: ادْنُوا، قَالُوا: مَا نَقْدِرُ مِنَ النَّارِ، قَالَ: فَتُرِيْدُوْنَ أَنْ تُلْقُوْنِي فِي نَارٍ أَعْظَمَ مِنْهَا(1).

ليست كل المواقف العظيمة تُقاس بطول الكلام أو كثرة المواعظ، فبعض الشخصيات التاريخية تركت أثرها بمشهد قصير اختزل رؤية كاملة للحياة والإنسان والمسؤولية، ومن هذه المشاهد ما رُوي عن التابعي الجليل هَرِم بن حَيَّان العبدي، حين جعل من نارٍ أوقدها بيديه رسالةً تربوية لقومه، فنقلهم من إدراك حرارة النار المحسوسة إلى استحضار خطر النار الأخروية.

وتكشف هذه الحكاية عن شخصية لم تكن زاهدة منعزلة عن واقع الناس، بل رجلاً له مكانة ووجاهة بين قومه، جمع بين المسؤولية الاجتماعية والخوف من الله تعالى، والقراءة العلمية لهذا الموقف لا تقف عند الحدث الظاهر، بل تتأمل كيف يصنع الإيمان إنساناً يرى السلطة أمانة، والقرب الاجتماعي تكليفاً، والمكانة باباً للسؤال قبل أن تكون باباً للامتياز.

لماذا خاف هرم بن حيان من النفوذ؟

كان عصر التابعين مرحلة تشكل حضاري كبير؛ فقد انتشر الإسلام في أمصار واسعة، وبرزت أدوار جديدة للقيادة والإدارة، وأصبح أصحاب المكانة الاجتماعية أمام اختبار مختلف؛ كيف يحافظ الإنسان على قلبه وقيمه وهو يعيش في دائرة النفوذ والتأثير؟

في هذا السياق يظهر هَرِم بن حَيَّان بوصفه نموذجاً للإنسان الذي لم يرَ السيادة تشريفاً مجرداً، بل رأى فيها حساباً ثقيلاً، فكلما اقترب الإنسان من الناس، ازدادت مسؤوليته عن آثار أفعاله، وكلما ارتفع مقامه بينهم، أصبح خطر الظلم أو المحاباة أعظم.

وهنا تتضح دلالة موقفه مع قومه؛ فلم يكن يريد قطع العلاقة بهم، ولا رفض محبتهم، وإنما أراد أن يعيد بناء هذه العلاقة على أساس مختلف: ليس القرب من القائد سبباً للامتياز، وليس الانتماء سبباً لتجاوز الحق.

وهذا المعنى ينسجم مع الأصل القرآني في تذكير أصحاب المسؤولية بعظم الأمانة، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (النساء: 58)، فالمكانة في المنظور الإسلامي ليست مجرد نفوذ، بل أمانة يؤدي الإنسان فيها ما عليه قبل أن يطالب بما له، قال تعالى: (‌وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ) (الصافات: 24).

ومن هنا نفسر سبب حرص عمر بن عبدالعزيز الشديد على الخروج من تبعات وأمانات الرعية فور توليه؛ فعن عمر بن ذر قال: قال مولى لعمر بن عبد العزيز حين رجع من جنازة سليمان: ما لي أراك مهتمًا؟ قال: لمثل ما أنا فيه يغتم، إنه ليس من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ‌أحد ‌في ‌شرق ‌الأرض ‌وغربها إلا وأنا أريد أن أؤدي إليه حقه، غير كاتب إلي فيه ولا طالبه مني.

وعن بعض خاصة عمر بن عبدالعزيز أنه حين أفضت إليه الخلافة سمعوا في منزله بكاء عالياً فسئل عن البكاء، فقيل: إن عمر بن عبدالعزيز خير جوارية، فقال: إنه قد نزل لي أمر قد شغلني عنكن فمن أحب أن أعتقه أعتقته، ومن أراد أن أمسكه أمسكته ولم يكن مني إليها شيء فبكين يأسا منه(2).

التربية بالتجربة عند هرم بن حيان

يتأثر الإنسان بما يراه أكثر مما يتأثر بما يسمعه مجرداً، ولهذا جاءت طريقة هرم بن حيان قائمة على تحويل المعنى الغيبي إلى تجربة حسية، لم يبدأ بخطبة طويلة، ولم يدخل في جدل، وإنما صنع موقفاً جعل قومه يعيشون لحظة إدراك مباشر، فعندما قال لهم: «ادْنُوا»، ثم اعتذروا بأنهم لا يستطيعون الاقتراب من النار، فتح أمامهم باب المقارنة: إذا كانت نار الدنيا، وهي جزء من التجربة البشرية اليومية، تمنع الإنسان من الاقتراب، فكيف يستهين الإنسان بما هو أعظم خطراً؟

وهذا الأسلوب من التربية يُشبه ما يسمى اليوم بالتعلم عبر التجربة؛ حيث لا يبقى المعنى فكرة ذهنية، بل يتحول إلى إحساس يربط العقل بالعاطفة.

وقد استخدم القرآن الكريم كثيراً من صور المحسوسات لتقريب المعاني الكبرى، ومن ذلك قوله تعالى في وصف نار الآخرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) (التحريم: 6).

فالمؤمن الذي يستحضر هذه الحقيقة لا يتعامل مع الذنب أو الظلم باعتباره أمراً عابراً، بل يراه طريقاً له تبعات أخلاقية وأخروية.

وقد استخدم النبي صلى الله عليه وسلم المشهد الحسّي الواقعي لتأكيد معنى أخروي؛ فعندما رأى امرأة من السبي تبحث عن ولدها فلما وجدته ألصقته ببطنها وأرضعته، قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟»، قَالُوا: لَا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: «لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا»(3).

ومن نفس المنطلق كَانَ الأحنف بن قيس يَضَعُ الْمِصْبَاحَ قَرِيبًا مِنْهُ، ثم يَضَعُ إِصْبَعَهُ عَلَى الْمِصْبَاحِ، ويَقُولُ: «حَسْ»، ثُمَّ يَقُولُ: «يَا أَحْنَفُ، مَا حَمَلَكَ ‌عَلَى ‌أَنْ ‌صَنَعْتَ ‌كَذَا ‌يَوْمَ ‌كَذَا»(4)؛ إنه يخوف نفسه بالنار المحسوسة والتجربة الملموسة.

استخدام التذكير بحرارة النار وعذابها لزجر النفس وتخويفها؛ فعن ابن أبي مليكة أو غيره وهذا عمر بن عبدالعزيز لَمَّا وَلِيَ مَنَعَ قَرَابَتَهُ مَا كَانَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ، وَأَخَذَ مِنْهُمُ الْقَطَائِعَ الَّتِي كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمْ، قَالَ: فَشَكَوْهُ إِلَى عَمَّتِهِ أُمِّ عُمَرَ، قَالَ: فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: إِنَّ قَرَابَتَكَ يَشْكُونَكَ وَيَزْعُمُونَ وَيَذْكُرُونَ أَنَّكَ أَخَذْتَ مِنْهُمْ خَيْرَ غَيْرِكَ، قَالَ: مَا مَنَعْتُهُمْ حَقًّا أَوْ شَيْئًا كَانَ لَهُمْ، وَلَا أَخَذْتُ مِنْهُمْ حَقًّا أَوْ شَيْئًا كَانَ لَهُمْ، فَقَالَتْ: إِنِّي رَأَيْتُهُمْ يَتَكَلَّمُونَ، وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُهَيِّجُوا عَلَيْكَ يَوْمًا عَصِيبًا، فَقَالَ: كُلَّ يَوْمٍ أَخَافَهُ دُونَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا وَقَانِي اللَّهُ شَرَّهُ، قَالَ: فَدَعَا بِدِينَارٍ وَجَنْبٍ وَمِجْمَرَةٍ فَأَلْقَى ذَلِكَ الدِّينَارَ فِي النَّارِ وَجَعَلَ يَنْفُخُ عَلَى الدِّينَارِ حَتَّى إِذَا احْمَرَّ تَنَاوَلَهُ بِشَيْءٍ، فَأَلْقَاهُ عَلَى الْجَنْبِ، فَنَشَّ وَقَتَرَ، فَقَالَ: أَيْ عَمَّةِ، أَمَا تَأْوِينَ ‌لِابْنِ ‌أَخِيكَ ‌مِنْ ‌مِثْلِ ‌هَذَا(5)؟

كيف يتحول الخوف من الله إلى دافع للانضباط؟

قد يُفهم الخوف أحياناً على أنه ضعف أو تردد، لكن الخوف عند أهل الإيمان ليس دائماً عائقاً، بل قد يكون قوة تدفع الإنسان إلى الانضباط، فالخوف من الله عند الصالحين لم يمنعهم من العمل، وإنما منعهم من الغرور.

كان هرم بن حيان يخشى شيئاً أكبر من نار الدنيا؛ كان يخشى أن تكون مكانته بين قومه سبباً في انحراف الميزان، فالإنسان حين يصبح محبوباً أو مطاعاً قد يتعرض لضغط الرغبات المحيطة به، وقد يجد من يطلب منه استثناءات بحكم القرابة أو الصداقة أو الانتماء.

ومن هنا جاءت رسالته العميقة: لا تجعلوني سبباً في هلاكي بطلباتكم، ولا تجعلوا محبتكم لي طريقاً يحملني إلى ما أخافه.

وهذا معنى يتكرر في حياة أصحاب البصيرة؛ فالقيادة الحقيقية ليست القدرة على إرضاء الجميع، وإنما القدرة على حفظ الحق ولو خالف بعض الرغبات، فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وخوفه وتأثره في عام الرمادة، حيث شحب لونه وتغير جسمه خشية أن يفرط في حق رعيته أو يقصر في القوت، فدفعه هذا الخوف إلى العمل الدؤوب والمتابعة والكتابة للأمصار حتى فرّج الله عن المسلمين(6).

حين ترفض القيادة الأخلاقية مجاملة الأقارب والمعارف

من أبرز الدلالات القيادية في موقف هَرِم أنه وضع حدوداً واضحة بين المحبة الشخصية والعدل، فالقائد الذي يسمح للعلاقات الخاصة أن تؤثر في قراراته قد يبدأ بخطوات صغيرة، لكنها مع الزمن تصنع خللاً كبيراً، ولهذا كانت العدالة من أعظم القيم التي أكد عليها الإسلام، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: 90).

وليس المقصود من العدل أن يفقد الإنسان الرحمة أو المودة، وإنما أن تبقى القيم الحاكمة فوق ضغط العلاقات.

وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم أن القُرب منه هو شخصياً لا يغني عن العبد شيئاً إلا أن يرضى الله عنه، فكان يقف منادياً: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، ‌لَا ‌أُغْنِي ‌عَنْكَ ‌مِنَ ‌اللهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ، ‌لَا ‌أُغْنِي ‌عَنْكِ ‌مِنَ ‌اللهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ، سَلِينِي بِمَا شِئْتِ ‌لَا ‌أُغْنِي ‌عَنْكِ ‌مِنَ ‌اللهِ شَيْئًا»(7).

وقد أقر ذلك أيضاً في الحياة الاجتماعية حين سرقت المرأة المخزومية فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟»، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللهِ، ‌لَوْ ‌أَنَّ ‌فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا»(8).

وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرسخ في الناس عدم فائدة القرب من الحاكم، ويربي أهله على ذلك، فقد دخل السُّوقَ فَرَأَى إِبِلًا سِمَانًا فَقَالَ: لِمَنْ هَذِهِ الْإِبِلُ؟ قِيلَ: لِعَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: فَجَعَلَ يَقُولُ: يَا عَبْدَاللهِ بْنَ عُمَرَ، بَخٍ بَخٍ ابْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: فَجِئْتُهُ أَسْعَى فَقُلْتُ: مَا لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: مَا هَذِهِ الْإِبِلُ؟ قَالَ: قُلْتُ: إِبِلٌ أَنْضَاءُ اشْتَرَيْتُهَا وَبَعَثَتُ بِهَا إِلَى الْحِمَى أَبْتَغِي مَا يَبْتَغِي الْمُسْلِمُونَ، قَالَ: فَقَالَ عُمَر: يَقُولُ النَّاسُ: ‌ارْعَوْا ‌إِبِلَ ‌ابنِ ‌أَمِيرِ ‌الْمُؤْمِنِينَ، اسْقُوا إِبِلَ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، يَا عَبْدَاللهِ بْنَ عُمَرَ، اغْدُ عَلَى رَأْسِ مَالِكَ وَاجْعَلْ بَاقِيَهُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ»(9).

وفي واقع المؤسسات اليوم، تظهر هذه القضية بوضوح؛ فالمسؤول الذي يفرق بين الموظفين بسبب القرب الشخصي، أو المدير الذي يجعل الصداقة معياراً للفرص، قد لا يشعر أنه تجاوز، لكنه يفتح باباً من الظلم الإداري الذي يؤثر في الجميع.

أما القائد الذي يضع قواعد واضحة، فإنه يحمي نفسه ويحمي من حوله.

كيف تحولت النار المادية إلى مرآة للضمير؟

تميز موقف هَرِم أيضاً بقوة الرمز، فالنار هنا لم تعد مجرد لهب مادي، بل أصبحت لغة صامتة للضمير، لقد جعل منها مرآة يرى الإنسان فيها حقيقة أفعاله، فالإنسان قد يستهين بخطأ صغير لأنه لا يرى أثره المباشر، لكن حين يربط الفعل بعاقبته الكبرى تتغير نظرته إليه، وهذه إحدى وظائف التربية الإيمانية: نقل الإنسان من سؤال: «هل أستطيع فعل ذلك؟»، إلى سؤال: «هل يرضى الله عن ذلك؟».

ومما يدل على أثر الضمير الناتج عن الخوف من العذاب ما كان من موقف طلحة بن عبيد الله حين أتاه مال من حضرموت سبعمائة ألف، فبات ليلته يتململ وقال: ما ظن رجل بربه يبيت وهذا المال في بيته؟ وما زال على هذا حتى أصبح فقسمه(10).

فالقدرة ليست معيار الصواب، والمصلحة العاجلة ليست دائماً دليلاً على الخير، بل قد يكون الامتناع عن بعض المكاسب حمايةً للإنسان من خسارة أعظم.

كيف تصنع الكلمات القليلة تحولاً في السلوك؟

من جمال العبارة المنقولة عن هَرِم أنها جمعت بين قلة الألفاظ واتساع الدلالة، فقوله: «فَتُرِيدُونَ أَنْ تُلْقُونِي فِي نَارٍ أَعْظَمَ مِنْهَا» ليس مجرد جواب، بل هو بناء فكري كامل.

فهو يبدأ من حقيقة يقر بها الجميع؛ النار مؤلمة ومخيفة، ثم ينتقل إلى حقيقة أعظم؛ هناك نار أخرى أشد خطراً، ثم يربط الأمر بمسؤولية الإنسان عن قراراته.

ومن جميل العبارات البليغة مع قصرها ما جاء في قول أبي عبيدة بن الجراح للناس وهو يسير في العسكر: ألا رب مبيض لثيابه مدنس لدينه! ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين! بادروا السيئات القديمات بالحسنات الحديثات(11).

وهذه البلاغة هي بلاغة المربي الذي لا يكتفي بإعطاء المعلومة، بل يصنع التحول في طريقة التفكير.

تطبيقات معاصرة لموقف هرم بن حيان القيادي

  • في الأسرة، يذكرنا هذا الموقف بأن التربية ليست كثرة الأوامر، بل صناعة الوعي بالنتائج،
  • وفي التعليم، يبين أن المربي الناجح لا يقدم المعرفة مجردة، بل يربطها بالسلوك والمسؤولية.
  • وفي مجال العمل والإدارة، يعلمنا أن صاحب السلطة يحتاج إلى محاسبة نفسه أكثر من حاجته إلى مطالبة الآخرين بالطاعة، فالنفوذ إذا لم يصحبه خوف من الله قد يتحول من وسيلة للإصلاح إلى باب للانحراف.
  • وفي المجال الدعوي والإعلامي، يلفت النظر إلى قيمة القدوة العملية؛ فالناس قد ينسون الكلمات، لكنهم يتذكرون المواقف التي تكشف حقيقة المبادئ.

لقد لم يكن هَرِم بن حَيَّان في ذلك الموقف يهرب من قومه، بل كان يحمي العلاقة معهم من أن تتحول إلى علاقة مصالح، أراد أن يكون قربهم منه سبباً في الخير، لا سبباً في حمل الأوزار.

وهكذا بقي ذلك المشهد القصير شاهداً على أن أعظم القادة ليسوا الذين يملكون أكبر قدر من النفوذ، وإنما الذين يخافون من إساءة استخدامه، وأن الإنسان كلما ارتفع مقامه بين الناس احتاج إلى أن يزداد تواضعاً وخشيةً بين يدي الله.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء (5/ 13).
  • 2 صفة الصفوة: ابن الجوزي (1/ 367).
  • 3 متفق عليه، رواه البخاري (5999)، ومسلم (2754).
  • 4 الطبقات الكبرى: ابن سعد (7/ 95).
  • 5 المرجع السابق (5/ 373).
  • 6 البداية والنهاية: ابن كثير (5/ 101).
  • 7 متفق عليه، رواه البخاري (4771)، ومسلم (206).
  • 8 متفق عليه، رواه البخاري (3475)، ومسلم (1688).
  • 9 السنن الكبرى: البيهقي (11811).
  • 10 تاريخ دمشق: ابن عساكر (25/ 99).
  • 11 حلية الأولياء: الأصفهاني (1/ 102).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة