العلم ومسؤولية العالِم في المجتمع

زر بن حبيش.. علمٌ يُصلح الناس وينصح الحاكم

تصوير لعالم كبير في السن وهو يرفع الاذان في مسجد من المساجد القديمة التي كانت بتبنى بالنخل والسعف وهو يرفع يديه الى اذنيه وهو يؤذن وبجانبه رجل يبدوا عليه الدهشه

زر بن حبيش العالم المصلح ومسؤولية العلماء في المجتمع

يذكر الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، في سيرة زر بن حبيش(1) خبراً يقول: وروى زكريا بن حكيم الحبطي عن الشعبي؛ أن زرًا كتب إلى عبدالملك بن مروان كتابًا يعظه.

قال قيس بن الربيع: عن عاصم، عن زر، قال: مر رجل على زر وهو يؤذن، فقال: يا أبا مريم، قد كنت أكرمك عن ذا، قال: إذا لا أكلمك كلمة حتى تلحق بالله(2).

تكشف هذه الأخبار جانبين متكاملين من شخصية زر بن حبيش؛ جانب العالم الذي يرى أن العلم مسؤولية أخلاقية تفرض عليه النصح والتذكير، وجانب العابد الذي لا يقبل أن تُقاس شعائر الدين بمقاييس الجاه الاجتماعي.

فزر الذي عرفته الكوفة قارئًا ولغويًا وملازمًا لكبار الصحابة لم يكن عالمًا منعزلًا عن واقع الناس، بل كان يرى أن العالم يحمل أمانة البيان، سواء كان المخاطَب خليفة على رأس الدولة، أو فردًا من عامة الناس يسيء فهم قيمة عبادة من العبادات.

لماذا كتب زر بن حبيش لعبدالملك؟

تنتمي المأثورات المروية عن كتابة التابعي الجليل زر بن حبيش إلى الخليفة عبد الملك بن مروان يعظه وينصحه -مع ما يُذكر في سندها من ضعف- إلى نمطٍ أصيل ومطرد في تاريخ التابعين والأعلام؛ إذ لم يكن دور العالم في التصور الإسلامي المبكر محصوراً في أروقة المساجد أو زوايا التلقي الفردي، بل كان شريكاً أصيلاً في صيانة منظومة الإصلاح العام، لقد أدرك علماء الصدر الأول أن السلطة، مهما بلغت قوتها ورسوخها، تظل في حاجة ماسة إلى من يذكرها بحدود مسؤوليتها العظمى ورعاية أمانة الرعية، وهنا يظهر الفارق المنهجي بين النقد الخالص الذي يستهدف الإصلاح وتقويم المسار، وبين المسالك التي تبتغي التشهير وإثارة الخصومات؛ فالنصيحة الصادقة الموجهة بأدبٍ وحكمة تحقق مقصد البيان الشفاف، وتغلق في الوقت ذاته أبواب الفتنة والنزاع العلني.

ويتجلى هذا الشرف المعرفي والاستشعار العميق لثقل المسؤولية في سيرة التابعي الزاهد أبي مسلم الخولاني رحمه الله؛ حين دخل على الخليفة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه فناداه بأعلى صوت: «السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الأَجِيرُ»(3)، فلما أنكر عليه الحاضرون أسلوبه، قال معاوية متفهماً ورِعاً: «دَعُوهُ؛ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُ»، فوعظه أبو مسلم وذكّره بأن الملك أمانة ورعاية للرعية لا استعلاء فيها، ومثل ذلك ما أثره الفقه الراشد في مواجهة التابعي سلمة بن دينار (أبي حازم) للخليفة سليمان بن عبدالملك بموعظةٍ جليلة هزت وجدانه، موضحاً له أن أخذ الميثاق على العلماء ببيان الحق وعدم كتمانه هو الذي يدفعهم للقيام بمسؤولية النصح بكل تجرد وشجاعة.

إن هذه المواقف المضيئة تؤكد حقيقة إصلاحية خالدة؛ أن نصيحة أولي الأمر في الفكر الإسلامي لم تكن معارضة صاخبة لشق العصا، ولا مهادنة نفعية تلغي أمانة العلم، بل كانت خُلُقاً إيمانياً وواجباً شرعياً يقوم على الحكمة والجرأة الصادقة، فمتى ما قام العلماء بمسؤوليتهم في البيان والوعظ الحكيم، وتقبل الأمراء النصيحة بوعيٍ وتواضع، استقامت أركان العدل، وحُفظت هيبة الدولة، واستقرت الشريعة في واقع التطبيق حياةً وأماناً للأمة.

مفهوم المرجعية الأخلاقية في ضبط القرار السياسي

تكشف مكاتبات العلماء ومواقفهم أمام الأمراء عن توازن دقيق بين قوتين في الحضارة الإسلامية: قوة تنفيذية تملك الإدارة والجيش والقرار، وقوة علمية وأخلاقية تستمد نفوذها من رسوخ المعرفة والائتمان المجتمعي، ولم يكن حضور الفقهاء في هذه الساحات سعياً خلف سلطة إدارية أو منافسة على مقاليد الحكم، بل ممارسة لدور مختلف يُعنى بتذكير أصحاب القرار بالمعايير الشرعية التي تتجاوز مصالح اللحظة وحسابات السياسة المجردة، وبهذا الاستقلال المنهجي استطاع العالم أن يخاطب الحاكم بلغةٍ ناصحة مؤثرة؛ لأنه ينطلق من موقع النصح والبيان والتجرد لله، لا من موقع الخصومة السياسية أو مزاحمة النفوذ.

ويتجلى هذا الاستقلال الشامخ للمرجعية العلمية والترفع عن أطماع السلطة في سيرة الإمام سعيد بن المسيب رحمه الله؛ إذ أبى المداهنة أو التنازل عن معاييره الفقهية أمام ضغوط السلطة التنفيذية في عصره، وتحمّل في سبيل ذلك الجلد والتشهير والدخول إلى السجن دون أن يساوم على رأيه الشرعي أو يضع علمه في خدمة التوجيهات السياسية، ومثل ذلك ما أثره الفقه الزاهد لدى الإمام أبي حازم سلمة بن دينار؛ حين وعظ الخليفة سليمان بن عبد الملك موعظةً هزت وجدانه، فلما عرض عليه صرةً من المال أباها برفعةٍ قائلاً: «والله ما أرضاها لك فكيف أرضاها لنفسي، إني أعيذك بالله أن يكون سؤالُك إياي هزلا ، وردي عليك بذلاً»(4)، حافظاً للعلم مهابته واستقلاله عن نفوذ المال والسلطان.

إن هذا التمايز بين مقام النصح ومقام الحكم يقرر حقيقة حضارية خالدة؛ أن قوة الشريعة وهيمنتها الأخلاقية تستمد بقاءها من استقلال مرجعيتها العلمية وعفتها عن مطامع السلطة التنفيذية، فمتى ما احتفظ العلماء بنزاهتهم وتجردهم في البيان، وظلوا ناصحين للأمراء دون منافسةٍ على الحكم ولا مداهنةٍ للباطل، استقامت العقول، وحُفظت حقوق الأمة، وظلت المعرفة المعيار الراعي لعدل الدولة واستقرارها عبر العصور.

أغراض مكاتبة الحكام بين أداء الواجب والإصلاح

تتنوع القراءات حول دوافع علماء الصدر الأول في مناصحة الحكام بين من يراها كبحاً لجموح السلطة السياسية ومنعاً لاستبدادها، ومن يراها محض أداء لواجب ديني يهدف إلى التذكير والوعظ، والواقع أن هذين البُعدين يتداخلان بصورة كاملة؛ فالعالم حين يقف ناصحاً إنما ينطلق من واجب شرعي يبتغي أداء الأمانة وإقامة الحجة، وينتج عن هذا الواجب أثرٌ إداري وسياسي بالغ متى ما صادف آذاناً واعية وقلوباً منقادة للحق، غير أن القيمة الشرعية والأخلاقية للنصيحة لا تُقاس دوماً بحجم التغيير المادي المباشر؛ إذ تبقى غايتها الأولى والأساسية هي براءة الذمة، ورفع الجهل، وإقامة حجة الله في أرضه دون التفاتٍ إلى حسابات الربح والخسارة العاجلة.

ويتجلى هذا الفهم المنهجي الذي يزن بين شجاعة البيان وحكمة المقصد في مسلك الصحابي الجليل أسامة بن زيد رضي الله عنه؛ فعندما قيل له: «أَلاَ تَدْخُلُ عَلَى فُلاَنٍ فَتَنصَحَهُ؟»، أوضح حقيقة المنهج الإصلاحي المترفع عن الاستعراض العلني بقوله: «أَتَظُنُّونَ أَنِّي لاَ أَنْصَحُهُ إِلاَّ إِذَا أَسْمَعْتُكُمْ؟ إِنِّي لأَنْصَحُهُ سِرّاً دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابَ شَرٍّ»(5).

وفي المقابل، تجسد صرامة البيان في إقامة الحجة والصدق عند السؤال في موقف الإمام الحسن البصري رحمه الله حين سأله والي العراق عمر بن هبيرة عن كُتب الخلافة التي يأتيه فيها ما يخشى فيه الحيف والجور، فقال له البصري بلسان اليقين: «يَا ابْنَ هُبَيْرَةَ، خَفِ اللَّهَ فِي يَزِيدَ، وَلاَ تَخَفْ يَزِيدَ فِي اللَّهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَمْنَعُكَ مِنْ يَزِيدَ، وَإِنَّ يَزِيدَ لاَ يَمْنَعُكَ مِنَ اللَّهِ»(6)، فبين حكمة أسامة في إغلاق أبواب الفتنة بالنصح السري، وشجاعة الحسن البصري في بذل الحق عند السؤال، تتضح المعالم الحقيقية للنصح باعتباره مساراً إصلاحياً خالصاً.

إن هذه الرؤية المتوازنة تقرر حقيقة تربوية وسياسية خالدة؛ أنه لم يكن النصح لولاة الأمور في مدرسة السلف مواجهة صاغرة تبتغي التشهير وإثارة الجماهير، ولا ممالأة جبانة تلغي أمانة البيان؛ بل كان خطاً إصلاحياً أصيلاً يبتغي وجه الله وصيانة المجتمع، فمتى ما تجرد الناصح من أهواء الظهور وسعى لإقامة الحجة بالرفق والحكمة، أثمرت النصيحة أكلها، وحُفظت للأمة هيبتها، وغدا العلماء صمام أمان يربط السلطة بالعدل والمشروعية الأخلاقية.

لماذا غضب زر بن حبيش بسبب الأذان؟

تقدم الرواية موقفاً شخصياً حاسماً للتابعي الجليل زر بن حبيش؛ إذ مر به رجل وهو يؤذن للصلاة فقال له: «يَا أَبَا مَرْيَمَ، قَدْ كُنْتُ أَكْرَمُكَ عَنْ ذَا»، فكان رد زر صارماً وقاطعاً: «إِذاً لاَ أُكَلِّمُكَ كَلِمَةً حَتَّى تَلْحَقَ بِاللَّهِ»، إن مقولة الرجل تكشف عن تصورٍ اجتماعي قاصر يرى أن مكانة العالم الشامخة قد ترفعه عن بعض الأعمال التعبدية الظاهرة التي يؤديها عامة الناس، غير أن زرًا زجر هذا الفهم وأبان عن خللٍ عميق في معيار التقدير والوجاهة؛ فالعبادة في الفلسفة الإيمانية لا تصبح أقل شرفاً لأنها مشاعة بين الناس، وليس في طاعة الله عملٌ ينقص من قدر صاحبه، بل إن رفع الصوت بالنداء للصلاة شرفٌ ومكرمة لا يزهد فيها إلا من جهل عظمة الشعيرة.

ويتجلى هذا التعظيم الشديد لشعيرة الأذان والتجرد التام فيها لله تعالى دون نظرٍ إلى الوجاهة الاجتماعية في مسلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ إذ لم يمنعه جاه الخلافة وعلو قدره في الأمة من تمني أداء هذه الشعيرة بنفسه، متجرداً من أوهام الترأس والرفعة الدنيوية حين قال: «لَوْ أُطِيقُ الأَذَانَ مَعَ الخِلاَفَةِ لأَذَّنْتُ»(7)؛ مبصراً الناس بأن الأذان مقام شرفٍ تعبدي لا يزهد فيه عظماء الرجال، ومثل ذلك ما ثبت في سيرة الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه -وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة وسيد من سادات قريش- إذ كان يباشر الأذان بنفسه في أرضه بالعقيق احتساباً لله وتعبداً(8)، غير مبالين بالمفاهيم الطبقية التي تحصر القربات في أطر المظاهر والوجاهات.

إن موقف زر بن حبيش يقرر حقيقة إيمانية خالدة؛ أن قيمة الأعمال في الإسلام تُقاس بمدى القرب من الله وتعظيم شعائره، لا بالمقاييس الطبقية العرفية؛ فليس في عبادة الله عملٌ دون عمل، ولا ينحط قدر العالم بمباشرة القربات كالأذان والخدمة العامة، فمتى ما زُكِّيت النفوس بالعبادة الخالصة وسقطت عنها أوهام الاستعلاء الاجتماعي، غدت الشريعة روحاً تحيي القلوب، وتساوت الأعمال الصالحة في كونها أبواباً لابتغاء مرضاة الله والرفعة في درجات الآخرة.

مواجهة المعايير الطبقية بالقيم الإيمانية للشعائر

تكشف حادثة التابعي الجليل زر بن حبيش عن صراعٍ أعمق بين ميزانين في تقييم السلوك الإنساني؛ ميزان اجتماعي قاصر يربط الأعمال بالطبقات والوجاهات، ويرى في بعض الشعائر والمهام التعبدية مبتذلاً لا يليق بمكانة الأعيان، وميزان إيماني أصيل يجعل قيمة العمل الصالح ومكانة فاعله مقترنتين بحسن الاتصال بالله والاحتساب لديه، لم يكن زر بن حبيش يدافع عن حظ نفسه أو ينفي عن شخصه نقيصة؛ لأنه لم يرَ في رفع الأذان وإعلام الناس بالصلاة نقصاً يستوجب الاعتذار أصلاً، بل كان يذود عن مبدأ إسلامي كلي يقضي بأن الشعائر العبادية والطاعات فوق التقسيمات الطبقية والأعراف الجاهلية، إنها رسالة خالدة تتجدد في كل عصر؛ إذ كثيراً ما تتسلل الأعراف إلى العقول فتجعل بعض أعمال الخُلق والخدمة العامة أقل شأناً لأنها لا تمنح صاحبها زيف الوجاهة، غافلةً عن أن الشرف الحقيقي ينبع من امتثال أمر الله والتذلل له.

ويتجلى هذا الهدم النبوي والمؤسسي للمفاهيم الطبقية في الميزان الذي أرساه القرآن الكريم والهدى النبوي الشريف؛ حيث أنزل الله تعالى زجراً حاسماً لمن استنكفوا عن مجالسة ضعفاء المؤمنين: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) (الأنعام: 52)، ليتأكد للناس أن الكرامة تُنال بالتقوى لا بالسيادة والمال، وقد تجسد هذا المعنى جلياً في تقييم النبي صلى الله عليه وسلم حين مر رجلٌ ذو ثراء وجاه، ثم مر رجلٌ من فقراء المسلمين، فقال صلى الله عليه وسلم مبصراً أصحابه بحقيقة القيم: «هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِنْ مِثْلِ هَذَا»(9).

وعلى هذا المنهج القويم سار الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ إذ قدم بلال بن رباح، وعمار بن ياسر، وعبدالله بن مسعود، رضي الله عنهم، على سادات قريش وأصحاب الأنساب في العطاء والشورى والمنزلة، مرسخاً أن السبق في الإسلام والعبادة هو المعيار الوحيد للرفعة.

إن الموقف الصلب الذي وقفه زر بن حبيش يقرر حقيقة إيمانية وتربوية فارقة؛ أن الشرف الإنساني لا يُستمد من الألقاب والمظاهر، بل يتخلق في رحاب العبودية لله والعمل الصالح؛ فمتى ما احتكمت المجتمعات إلى المعيار الإلهي وسقطت عنها أوهام الطبقية والاستعلاء، تحررت العقول من استعباد الجاه، وصارت الطاعات والخدمات العامة مظاهر شرف واعتزاز، واستقامت حركة الحياة على قواعد العدل والتواضع والأخوة الإيمانية الجامعة.

البُعد التربوي في شدة رد زر بن حبيش

قد يُحمل موقف التابعي الجليل زر بن حبيش وقطيعته الحاسمة للرجل الذي استكثر عليه رفع الأذان على أنه حدةٌ في الطبع أو فورة غضب عابرة، غير أن الفحص التأملي يكشف عن مسلكٍ تربوي متقن يستهدف إصلاح الرؤية وتصحيح الموازين، فلم يكن زر -وهو العالم الإمام الذي أخذ عن جيل الصحابة وعَظُم في صدره قدر الشعائر- ينتصر لنفسه أو يستشيط لتعليقٍ مجرد، بل كان يواجه الفكرة الكامنة خلف العبارة؛ تلك الفكرة التي اختزلت الكرامة في الابتعاد عن العبادات الظاهرة، وتوهمت أن أستاذية العلم تنأى بصاحبها عن القربات العامة، ومن هنا لم تكن صرامته موجهة لخصمٍ شخصي، بل كانت زجراً حاسماً لنزعة الطبقية وتشويه مقاصد التعبد.

ويتجلى هذا الشاخص المنهجي في استخدام الصرامة حماية للقيم وتصحيحاً للمفاهيم في الحزم المشهود للصحابي الجليل عبدالله بن عمر رضي الله عنهما؛ إذ كان يشتد اشتداداً بالغاً وينكر بحسمٍ على كل من يتساهل في تعظيم النصوص الشرعية أو يتكلم بعباراتٍ تمس هيبة الدين، حتى رُوي عنه الهجر الصارم حين توهم في كلام المخاطَب تساهلاً أو اعتراضاً على حديثٍ نبوي، لقد كان أعيان ذلك الجيل يدركون أن بعض الخلل الفكري لا يُعالج بالملاينة التي قد تُميت القضايا الكبرى، بل يحتاج إلى موقفٍ صلب يزجر المخاطَب، ويُوقظ وجدانه لخطأ التصور، ليحميه ويحمي المجتمع من الانحراف عن تعظيم شعائر الله.

إن الموقف التربوي الحاسم الذي وقفه زر بن حبيش يقرر حقيقةً إصلاحية خالدة: ليس كل إنكارٍ شديد غضباً ذاتياً أو ضيق صدر، بل قد يكون الرد الصارم أعظم أشكال الرحمة والتربية متى ما استهدف حراسة الدين وتطهير الموازين الأخلاقية؛ فالعالم المربي لا يقف عند ظاهر اللفظ، بل ينفذ إلى الفكرة المائلة خلفه ليقيمها بالحق، فمتى ما اقترن العلم بالحزم التربوي الراشد، حُفظت للشعائر هيبتها، وتربت النفوس على استشعار العبودية الخالصة، وسقطت أوهام الجاه والطبقية أمام جلال الشريعة وعظمتها.

المسؤولية الاجتماعية للعالم في معالجة الانحراف الفكري

تقدم سيرة التابعي الجليل زر بن حبيش منظومةً قيادية وتربوية متكاملة تصوغ دور العالم وتحدد معالم رسالته؛ فالمعرفة في الفهم الإسلامي الأصيل ليست استعراضاً مجرداً أو مجرد تحصيل للروايات، بل هي مسؤولية أخلاقية واجتماعية ينهض بها العالم تجاه الفرد والسلطة والمجتمع على حدٍّ سواء، وتكشف سيرته أن النصيحة الناجحة تحكمها الحكمة في اختيار الأسلوب والوسيلة؛ إذ ليس المقصود الاستعراض وإعلان المواقف الصارخة، بل النفاذ إلى جوهر الإصلاح ومعالجة موطن الخلل، كما تُقرر أن رفعة الإنسان ومكانته المرموقة لا تتأتيان بالترفع عن بساطة العبادة ومباشرة القربات، بل تنبعان من الصدق والاحتساب في أدائها، والتجرد التام لله في شتى مجالات السلوك.

ويتجلى هذا المفهوم القيادي الشامل الذي يجمع بين الشجاعة في أداء الأمانة والحكمة في التوجيه في النهج التربوي للإمام الحسن البصري رحمه الله؛ إذ كان يمثل المرجعية الجامعة التي تتعبد لله بتواضعٍ وخضوعٍ في المحراب والخدمة العامة، وتتحمل في الوقت ذاته مسؤولية الكلمة بالنصح الحكيم للحكام والتوجيه المباشر لأفراد المجتمع دون خوف أو مداهنة، ومثل ذلك ما أثره الفقه الراشد لدى الإمام عامر بن شراحيل الشعبي رحمه الله، حيث كان يستعمل الحكمة والفصاحة النافذة لتصحيح المفاهيم الاجتماعية المغلوطة لدى الناس، معتزلاً التكلف ومحتسباً علمه وعمله في سبيل الخدمة والإصلاح.

إن المعالم التربوية والقيادية التي خطتها سيرة زر بن حبيش تُرسخ حقيقةً إيمانية خالدة: إن القيادة العلمية الحقيقية ليست وجاهةً تُمنح أو منصباً يُعتلى، بل هي أمانة يُسأل عنها العبد بين يدي الله؛ فمتى ما اقترن العلم بوعي المسؤولية، واقترنت النصيحة بالحكمة والرفق، وسقطت عن النفوس حظوظ الاستعلاء، استقامت مسيرة التربية، وغدا العلماء صمام أمانٍ يصون دين الأمة ويرسخ قواعد عدلها وتماسكها.

تكامل العلم والعمل في شخصية التابعي الكوفي

تتكامل هذه الأخبار لترسم الصورة المكتملة التي عُرف بها التابعي الجليل زر بن حبيش؛ فهو القارئ المتقن الذي لازم كبار الصحابة، واللغوي الثبت الذي كان يرجع إليه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود في دقائق اللسان، والعالم الذي حمل همّ الإصلاح العام، والعابد الذي لم تجعله مكانته العلمية الشامخة يستنكف عن مباشرة الشعائر بنفسه، لقد جسد زر النموذج الأعدل للرسوخ الإيماني بالجمع بين العلم والعمل، وهيبة العالم وتواضع العابد؛ فكتب إلى الحاكم يعظه حين رأى بواجب الوقت ضرورة النصح، ووقف حازماً في وجه التصور الاجتماعي الخاطئ حين تعلق الأمر بتعظيم الشعائر وحفظ قدر العبادة، وتلك هي الخصوصية الفارقة للعلماء الراسخين: أن علمهم لا يظل حبيس الكتب أو سجين أروقة التدريس، بل يتحول إلى موقفٍ حاد وسلوكٍ يتألق في واقع الحياة.

ويتجلى هذا الاقتران التام بين فهم التنزيل وترجمته إلى مواقف حية في سيرة سيد القراء أُبيّ بن كعب رضي الله عنه، والنعمة التي صاغها الإمام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ إذ لم يكتفِ بالتضلع بالقرآن الكريم والعربية، بل جعل من هدي التنزيل منهجاً عملياً يضبط حركة الشارع الكوفي، ويرعى مصالح المسلمين، وينصح لخاصتهم وعامتهم، وتصل هذه المرجعية التطبيقية ذروتها في النموذج الإصلاحي للخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز رحمه الله؛ إذ كان يترنم بآيات القرآن ويقوم بها ليله، ثم يترجم تلك المعاني نهاراً في رد المظالم، والاستماع لنصح العلماء، وحفظ أمانة الرعية بالعدل والبر حتى وفاته.

إن تجربة زر بن حبيش تقرر حقيقةً حضارية خالدة: إن العلم الشريف لا يُحرز معناه الكامل حتى يستحيل نوراً يضيء العقول، وسلوكاً يزكي النفوس، وموقفاً يُصلح المجتمع؛ فمتى ما اقترن الفهم الشرعي بالعمل الصالح، وتحول القرآن من نصٍّ يُستظهر إلى منهج حياة يراعي حقوق العبودية وأمانة الإصلاح، أثمر العلم أُكُله، وتخرجت أجيالٌ تحمل الرسالة بصدق الفهم وعمق الأثر.

الهوامش
  • 1 زر بن حبيش بن حباشة الأسدي، أبو مريم، ولد في الجاهلية وهو من كبار التابعين والمخضرمين، اشتهر بالقرآن والقراءات ورواية الحديث، وكان من كبار أصحاب عبدالله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، سكن الكوفة وتوفي بها سنة 82هـ، وقد ناهز 127 سنة.
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 167).
  • 3 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (2/ 126).
  • 4 المرجع السابق (3/ 235).
  • 5 أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (7/ 164)، والذهبي في «سير أعلام النبلاء» (4/ 576).
  • 6 أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (1/477)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (1/432).
  • 7 أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (1/ 204)، والذهبي في «سير أعلام النبلاء» (1/ 124).
  • 8 أخرجه البخاري (5091) بلفظه، وأخرجه ابن ماجه (4120)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (9998) مطولًا باختلاف يسير.
  • 9 أخرجه البخاري (6447).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة