عملية الخليل.. نموذج «إسرائيلي» جديد لضم الضفة وتهجير أهلها
شكلت معركة «طوفان الأقصى» تحولاً جذرياً في العقيدة الأمنية «الإسرائيلية» بعد انهيار مبادئها
الرئيسة في بداية المعركة، ولا سيما تلك المتعلقة بقدرة «إسرائيل» على ردع
أعدائها، وتحقيق إنذار استخباراتي مبكر لرصد التهديدات ومنعها قبل حدوثها، وكان من
الواضح أن الأجهزة الأمنية دفعت بمعايير جديدة تقوم على المبادرة والكثافة النارية
وإطالة أمد المعارك في مختلف جبهات القتال.
على الصعيد
السياسي، أصبح اليمين الحاكم أكثر توحشاً ورغبة في الانتقام، ودفع شرائح المجتمع
الكبرى نحو تشجيع الحروب الطويلة، وقد التقت هذه الروح الوحشية مع النزعة العسكرية
الجديدة لتتشكل بذلك الصورة النهائية لـ«إسرائيل» ككيان تعرضي مبادر ويسعى لحسم
صراعاته باستخدام أقصى حد للقوة.
في ضوء ذلك،
مثلت الضفة الغربية النموذج الأكثر وضوحاً وغموضاً في ذات الوقت، غموضاً لأنها
ليست جبهة قتال تقليدية يمكن إسقاط المبادئ العسكرية عليها، فرغم وجود مقاومين
بالضفة وأرقام متباينة من الأسلحة الخفيفة، فإنه لا يوجد بناء عسكري متكامل (جيش،
أو تنظيم عسكري شبه جيش)، ومع ذلك فقد ظلت الساحة الأكثر حساسية نظراً لكونها مركز
النشاط السياسي لليمين المتطرف.
عملية الخليل.. تحول في العقيدة الأمنية
ينظر اليمين
للضفة كعقدة صراع إستراتيجية، ففيها يستثمر بمليارات الدولارات في الاستيطان، وهي
مركز جذب وتعبئة دينية لجمهور المستوطنين، والأهم أن إطباق الهيمنة على الضفة
سيعني حسم الصراع على القضية الفلسطينية وتهويد القدس والوصول لذروة الحلم
الصهيوني.
كل ذلك التقى في
لحظة تاريخية فارقة مع التحولات في العقيدة الأمنية للجيش، فعلى مدار السنوات
الماضية كان الجيش يقوم بمهام دورية لحفظ أمن المستوطنات، وما بين حين وآخر يقوم
بعمليات عسكرية بقوات المشاة والقوات الخاصة دون إشراك قوات نظامية كبيرة.
لكن عملية
الخليل حملت تحولاً واضحاً في نمط العمليات، إذ باشر جيش الاحتلال بعملية عسكرية
في مدينة الخليل، قال: إنها سوف تستمر لعدة أيام، إثر عملية إطلاق نار أسفرت عن
مقتل اثنين من جنود الجيش وإصابة 3 آخرين، واستشهاد منفذي العملية.
وقد بدأ
الاحتلال بإخلاء فلسطينيين من منازلهم في عدة أحياء بالخليل وفرض طوق أمني في
منطقتي الخليل وحلحول، وإغلاق طرق، وتنفيذ عمليات اقتحام للأحياء والمخيمات في قرى
المنطقة، بالتوازي مع ذلك طالب الجيش وأجهزة الأمن «الإسرائيلية» الفلسطينيين في
مدينة الخليل بالخروج من بيوتهم؛ ما أدى إلى موجة نزوح غير مسبوقة في الضفة
الغربية، تشبه على مستوى الصورة موجات النزوح التي وقعت في قطاع غزة خلال الحرب
الجارية على القطاع.
ووفق بيان رسمي
لجيش الاحتلال، فإن العملية تشمل أيضاً جهوداً لإعادة تشكيل الواقع الأمني في
المنطقة، من خلال إزالة البنى التحتية غير القانونية التي قد تشكل خطراً أمنياً في
محيط الاشتباك، قوات الأمن تعمل ضد عشرات الأهداف في مختلف أنحاء منطقة يهودا
والسامرة (الضفة الغربية المحتلة)، وستواصل عملياتها الهجومية والاستباقية بمبادرة
وحزم بهدف حماية المواطنين وإزالة التهديدات التي تستهدف أمن مواطني دولة «إسرائيل».
الإخلاء وتدمير الأحياء.. نموذج غزة ينتقل إلى الضفة الغربية
وفي ضوء بيان
الجيش، يمكن ملاحظة أن الجيش بدأ يطبق سياسة الأرض المحروقة على نطاق محدد؛ بمعنى
أنه ينوي هدم منازل الفلسطينيين وتسويتها بالأرض ليتسنى له القيام بمهامه
العملياتية بشكل آمن، وذلك على غرار نموذج إبادة المدن التي نفذها في غزة، وهي
سياسة غير مسبوقة في الضفة الغربية، إذ كان يكتفي سابقاً بهدم بيت منفذ العملية
كعقاب له ولعائلته، لكنه الآن يتجه لصيغة عقاب جماعي تشمل البلدة التي ينحدر منها
المنفذ بالكامل.
كما يلاحظ عبارة
إعادة تشكيل الواقع الأمني، وهو مستوى عملياتي متقدم يتجاوز فكرة مواجهة منفذي
العمليات الفدائية إلى مستوى القيام بتغيير الوضع السياسي والأمني والحضري في
مناطق الضفة الغربية، وهو نهج يشير إلى تصعيد وكثافة عملياتية من ناحية حجم
التحشيد العسكري ونشر القوات، وكذلك من ناحية كثافة النيران وحيز الدمار.
وتحقيقاً لهذه
الرؤية، فقد صدر بيان لاحق لجيش الاحتلال في إطار تقييم الوضع، وتضمن البيان:
«وافق رئيس الأركان على تجهيز الكتيبة السابعة من الجيش لحصار شامل لمدينة الخليل
والقرى المجاورة، إلى جانب تكثيف الجهود لاعتقال المزيد من الأشخاص وتعزيز
العمليات الاستخباراتية في المنطقة».
وأصدر رئيس
أركان الجيش إيال زامير تعليماته بتجهيز تعزيزات إضافية للقوات التابعة للقيادة
الوسطى، عند الطلب، وبحسب الضرورة العملياتية.
أما على الصعيد
السياسي، فقد اتجه اليمين الحاكم نحو موقف لا يقل تطرفاً وتصعيداً، فقد أعلن رئيس
الحكومة بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن يسرائيل كاتس، خلال زيارة ميدانية لموقع
عملية إطلاق النار قرب مدينة الخليل، عن عزم حكومتهما تطبيق «نموذج المخيمات
الهجومي»، داخل أحياء سكنية في المدينة عبر إخلاء السكان، واقتحام وتفتيش المنازل،
وتدمير ما وصفاه بـ«البنية التحتية للإرهاب»، مشددين على الجاهزية لتنفيذ عملية
عسكرية واسعة النطاق في الضفة الغربية.
ومما قاله
نتنياهو: سنطبّق النموذج الهجومي والناجح الذي نفذناه في مخيمات اللاجئين داخل
المدن، وسيدخل الجيش الأحياء التي خرج منها (منفذا العملية)، وسيجلي السكان،
ويقتحم بيتاً بيتاً، سنعمل أولاً وقبل كل شيء على تدمير هذا المكان، وتغييره
بالكامل، ولكن سنقوم بأمر لم يُفعل حتى الآن؛ نحن بصدد تطبيق النموذج الناجح
والهجومي الذي نفذناه في مخيمات اللاجئين التي تُعدّ عملياً معاقل للإرهاب، هذا
بالضبط ما سنفعله هنا داخل حيّ في الخليل.
وأضاف: نحن
نتعهّد بأمر آخر أيضاً؛ لقد رأينا وزير الأمن وأنا عملية واسعة النطاق للجيش في
يهودا والسامرة (الضفة الغربية) لم يُنفَّذ مثلها منذ حرب الأيام السبعة (يونيو
1967م)، الجيش في حالة جاهزية لتنفيذها، ونحن من سيحدد التوقيت، لكنها آتية.
وفي ضوء هذه
التوجهات، يمكن قراءة الوعيد الذي يكنه اليمين للضفة الغربية، وأن هناك استعداداً
وتخطيطاً مسبقاً لتغيير الوضع تماماً في الضفة الغربية عبر العمل العسكري، بما
يشمل ترحيل السكان وتدمير الأحياء والسيطرة العسكرية على الضفة.
أخيراً، تنوعت
وسائل اليمين للقضاء على الوجود الفلسطيني بالضفة، سواء بتوسيع رقعة الاستيطان، أو
دعم إرهاب المستوطنين، لكنها الآن تتجه للطور الأكثر خطورة، وهو استثمار التوجهات
الجديدة في قيادة الجيش للانتقال نحو سياسة جديدة تقتضي بالتعامل مع الضفة كجبهة
حربية، وفي هذا الإطار القيام بإجراءات الحرب التي استخدمت في قطاع غزة ومختلف
جبهات القتال، وقد شكلت عملية الخليل نموذجاً أولياً لهذا الاتجاه الذي يتوقع أن
يتكرر في مختلف مناطق ومدن الضفة وتحت ذرائع مختلفة، وذلك لتحقيق هدف مركزي واحد
وهو المسارعة في طرد الفلسطينيين وضم الضفة وإعلان السيادة «الإسرائيلية» عليها
للوصول لنقطة حسم الصراع بشكل نهائي.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً