د. أحمد عطاونة: «إسرائيل» تتحرك وفق إستراتيجية متكاملة لمحو الوجود الفلسطيني

د. أحمد عطاونة: «إسرائيل» تتحرك وفق إستراتيجية متكاملة لمحو الوجود الفلسطيني

لا تبدو السياسات «الإسرائيلية» تجاه الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية والقدس مسارات منفصلة، بقدر ما تكشف عن إستراتيجية متكاملة تتعدد أدواتها باختلاف الجغرافيا، بينما تلتقي في هدف؛ إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني سياسيًا وديموغرافيًا وميدانيًا.

ففي غزة، يتواصل الدمار والحصار، وفي الضفة الغربية يتسارع الاستيطان ومصادرة الأراضي وتقطيع الأوصال، بينما تشهد القدس سياسات تستهدف تغيير واقعها الديموغرافي والعمراني وفرض مزيد من السيطرة «الإسرائيلية» عليها.

وفي هذا الحوار، يتناول مدير مركز رؤية للتنمية السياسية المحلل السياسي د. أحمد عطاونة خطط «إسرائيل» تجاه غزة والضفة والقدس، وتصريحات وزير الدفاع يسرائيل كاتس بشأن تهجير الفلسطينيين، وطبيعة التباينات بين الأحزاب والمعسكرات «الإسرائيلية»، وما يمكن أن يحدث في حال خروج بنيامين نتنياهو من الحكم.

  • إذا نظرنا إلى ما يجري في غزة والضفة والقدس، هل نحن أمام سياسات منفصلة أم إستراتيجية «إسرائيلية» بهدف تغيير الواقع الفلسطيني ومحو القضية تدريجيًا؟

- من خلال متابعة إستراتيجية الحكومات «الإسرائيلية» المتعاقبة، وخاصة هذه الحكومة اليمينية المتطرفة، نجد أنها إستراتيجية متكاملة، بُنيت على نظرية صاغها سموتريتش وتبنتها الحكومة، وهي قائمة على فكرة الحسم، بمعنى حسم الصراع مع الفلسطينيين، وإنجاز ما لم ينجز عام 1948م، والمقصود إنهاء الوجود الفلسطيني على كامل فلسطين التاريخية.

الكيان يتعامل مع غزة والضفة والقدس ضمن إستراتيجية واحدة.. تختلف أدواتها باختلاف الجغرافيا

وقد استغلت هذه الحكومة ما يجري في فلسطين لإنجاز ذلك، فعمدت إلى تدمير قطاع غزة بشكل كامل أو شبه كامل، ما يقرب من 85% من القطاع مدمر كليًا، مع استمرار أهداف التهجير، وفي الضفة الغربية تم تقويض الوجود السياسي الفلسطيني والسلطة الفلسطينية، وإلغاء تصنيفات مناطق «أ» و«ب» و«ج»، بينما يسير الضم الفعلي لمناطق «ج» بوتيرة متسارعة، مع التوسع الاستيطاني والحواجز وجدار الفصل، بحيث أصبحت الضفة عبارة عن فسيفساء مجزأة.

وهذه السياسة أيضًا في القدس، من خلال الاستمرار في التهويد والهدم وبناء المستوطنات والتضييق على الفلسطينيين، وبالتالي نحن أمام استراتيجية تُنفذ بسياسات مختلفة وفقًا للجغرافيا؛ في غزة إبادة جماعية، وفي الضفة استيطان وضم ومحو للوجود الفلسطيني، وفي القدس تهويد وضغط على السكان من أجل الهجرة.

  • في ضوء تصريحات وزير الدفاع كاتس بأن هناك خططًا جاهزة لإخراج الفلسطينيين، إلى أي مدى تعكس هذه التصريحات توجهًا «إسرائيليًا» ثابتًا؟

- بالنسبة لتصريحات كاتس، فمن الواضح أن هذه الحكومة والسابقة أيضًا لم تتخلَّ عن فكرة تهجير الفلسطينيين، بشكل هادئ وتدريجي عبر سياسات القتل والاعتقال والاستيطان والضغط المعيشي والمادي والجسدي، دفعًا للسكان نحو الهجرة.

وعندما وجدت فرصة في قطاع غزة الآن فإنها تطمح إلى إحداث هجرة جماعية من القطاع باتجاه الخارج، وأنا أعتقد أن ما حال بينها وبين تهجير عدد كبير من الفلسطينيين الموقف الإقليمي، وبالذات العربي الرسمي، وبشكل أكثر خصوصية موقف مصر التي رفضت فكرة التهجير.

كما أن من المعيقات عدم وجود دول توافق على استقبال الفلسطينيين بأعداد كبيرة، لكن «إسرائيل» لا تزال تأمل أن تتغير الظروف، لذلك ترفض إحداث تغيير في البيئة في قطاع غزة، سواء في الإغاثة أو الإعمار أو إدخال المساكن المؤقتة، وتريد إبقاء الحياة قاسية وغير مناسبة للوجود البشري، على أمل أن تتهيأ فرصة لتهجير الفلسطينيين.

وبالتالي، فإن التهجير من قطاع غزة ومن الضفة الغربية قائم ومتبنٍّ كإستراتيجية لدى حكومات متعاقبة، ولكنه أكثر وضوحًا وأكثر جدية لدى هذه الحكومة.

  • إذا انتقلنا إلى الضفة الغربية، وما فيها من التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي، هل يعمل الكيان على خلق وقائع تجعل قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة أمرًا مستحيلاً؟

- الإجراءات «الإسرائيلية»، سواء البناء الاستيطاني المتزايد، أو الحواجز العسكرية، وتقطيع أوصال الضفة الغربية، ومشروع «E1»، والتوسع الاستيطاني في القدس، كلها سياسات تقوض تمامًا فكرة إقامة دولة فلسطينية.

«إسرائيل» ترفض إعمار غزة لإبقاء الحياة قاسية غير مناسبة للوجود البشري على أمل أن تتهيأ فرصة للتهجير

ويكفي أن نشير إلى أن الكنيست «الإسرائيلي» صوت، بأغلبية كبيرة، على رفض إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وصوتت غالبية الأحزاب الصهيونية، يمينية أو وسط، على ذلك.

إذًا لا يوجد طرف «إسرائيلي» في هذه الأيام يقبل بفكرة وجود دولة فلسطينية، وبالتالي يمكن أن يكون شريكًا للفلسطينيين أو للمجتمع الدولي في إقامتها.

وعليه، فإن فكرة إقامة دولة فلسطينية استنادًا إلى مفاوضات أو عملية تسوية سياسية مع «إسرائيل» أصبحت أمرًا منتهيًا وغير وارد، وبالتالي على الفلسطينيين أن يفكروا في صياغة برنامج وطني مختلف، ويبحثوا خياراتهم بشكل مختلف عما كان خلال العقود الماضية.

  • وماذا عن القدس وما يجري فيها من تغيير ديموغرافي وعمراني ومحاولات لترسيخ السيادة «الإسرائيلية»؟

- جوهر الصراع، والادعاءات التاريخية والدينية والأكاذيب التاريخية والدينية «الإسرائيلية»، مركزها القدس، وبالذات فيما يتعلق بموضوع «الهيكل»، وإن كانت الدراسات التاريخية ودراسات الآثار التي قام بها خبراء ومؤرخون وعلماء آثار «إسرائيليون» حتى، أو ما باتوا يُعرفون بالمؤرخين الجدد، ينفون نفياً قاطعاً وجود أي أثر يدلل على وجود يهودي تاريخي في القدس، وحتى اللحظة لم يعثروا على أي أثر يدل على ذلك، ولكن الصراع في القدس محتدم، الصراع على كل منزل وعلى كل غرفة.

الفلسطينيون يقاومون بالبقاء والصمود والثبات في بيوتهم، وأحيانًا يتعرضون لإجراءات قاسية جدًا، من قبيل أن يهدموا بيوتهم بأيديهم حتى لا يدفعوا أموالًا طائلة بدل الهدم.

والسياسات «الإسرائيلية» هناك كثيفة؛ هنالك تمويل ضخم لشراء المنازل، وسياسات بعدم إعطاء الفلسطينيين تراخيص بناء، فإذا بنى الفلسطيني منزلًا يتم تغريمه بمبالغ طائلة، وإما أن يهدمه بيده أو تقوم السلطات بهدمه، ثم يدفع أيضًا تكاليف الهدم.

كما تشمل السياسات فرض المناهج «الإسرائيلية» على التعليم، ومحاولة السيطرة أو تقسيم «الأقصى»، وكلها إجراءات لمحاولة السيطرة على القدس وتهويدها وطمس الهوية العربية والإسلامية فيها.

  • «إسرائيل» مقبلة على انتخابات في 27 أكتوبر المقبل، وفي ظل وجود خلافات بين الأحزاب والمعسكرات، هل يوجد تباين جوهري في رؤيتها للقضية الفلسطينية؟

- المشهد السياسي «الإسرائيلي» خلال العقود الأخيرة انزاح بشكل كامل إلى اليمين واليمين المتطرف، وبالتالي فنحن أمام إما حكومة يمين متطرف يقودها نتنياهو، أو حكومة يمين أيضًا متطرف يقودها أيزنكوت.

الحكومة القادمة، حتى لو كانت حكومة أيزنكوت، لن تقبل بدولة فلسطينية، ولن تحدث تغييرًا جديًا في الواقع في قطاع غزة، وستستمر في سياسات الاستيطان والتهجير في الضفة الغربية.

حتى لو خرج نتنياهو من الحكم لن يحدث تغيير جوهري في السياسات «الإسرائيلية» تجاه الفلسطينيين

والفارق، إن حدث، أن هذه الحكومة ستكون أكثر سياسة في محاولة لتغيير صورة «إسرائيل» السيئة على مستوى العالم -التي ارتبطت بالإبادة الجماعية والتمييز العنصري والتوحش- وذلك من خلال الحديث عن مسارات سياسية ومفاوضات مع العالم العربي، ولكنه سيكون نوعًا من شراء الوقت لإعادة تحسين صورة الكيان بعد أن تضررت صورته في أوساط الشعوب الغربية الأوروبية والأمريكية، واستطلاعات الرأي هناك تشير إلى تحولات هائلة في النظرة إلى «إسرائيل»، وفي المقابل دعم الفلسطينيين والحقوق الفلسطينية.

  • إذا أسفرت الانتخابات عن حكومة جديدة وخروج نتنياهو، هل يمكن أن نشهد تحولًا حقيقيًا في السياسات تجاه غزة والضفة والقدس؟

- الحقيقة، نحن أمام احتمالين؛ الأول: أن يفوز نتنياهو ومعسكره اليميني المتطرف، وهذا يعني استمرار السياسات السابقة، بل زيادة الوتيرة في القتل والتدمير والتهجير والضم، ومحاولة إلغاء أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية.

والثاني: أن يسقط نتنياهو وتحالفه، ويكون هناك تحالف جديد، والحديث يدور هنا عن أيزنكوت وغيره من قوى اليمين، ولكن المهم أن ندرك أن هذا التحالف هو أيضًا تحالف يميني، اليسار في «إسرائيل» انتهى، والقوى التي كانت تتحدث، مجرد حديث، عن فكرة التعايش مع الفلسطينيين وإمكانية إقامة كيان سياسي فلسطيني لم يعد لها وجود حقيقي ومؤثر.

فلو حدث تغيير وجاءت حكومة جديدة، فإن تغييرًا جوهريًا وجذريًا لن يحدث في المشهد، تاريخيًا، كل حكومة «إسرائيلية» تبني على ما أنجزته الحكومة السابقة ولا تقوم بتغييره جذريًا.

لذلك، حتى لو تم تغيير الحكومة، فإن التغيير تجاه قطاع غزة لن يحدث؛ ستبقى السياسة «الإسرائيلية» قائمة على عدم الإعمار والرغبة في التهجير والضغط على السكان، لكن قد يختلف الخطاب وبعض الإجراءات بهدف تغيير صورة «إسرائيل» وليس تغيير الواقع الفلسطيني.

وفي الضفة الغربية، سيستمر الاستيطان وتقويض إمكانية إقامة دولة فلسطينية، وأقصى ما يمكن أن تفكر فيه حكومة قادمة هو أن يبقى لدى الفلسطينيين سلطة على شكل بلديات موسعة تقوم بالعبء المدني؛ الصحة والتعليم والبلديات والنظافة وتنظيم شؤون الناس، وأيضًا تقديم خدمة أمنية للاحتلال.

أكثر من ذلك لن يكون، لن تكون هناك سيادة ولا دولة فلسطينية استنادًا إلى اتفاق مع حكومات «إسرائيلية»، وبالذات حكومات اليمين كما هو متوقع من الحكومة القادمة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة