«الإستراتيجية الأمريكية» تقفز على الحقائق.. غزة والشرق الأوسط مثالاً

أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية، مؤخرًا، «إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي»، التي ترسم ملامح وأسس السياسة الأمريكية في عالم متغير، وللسنوات القادمة، وقد وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب هذه الإستراتيجية، في تقديمه لها، بأنها خريطة طريق لضمان بقاء الولايات المتحدة أعظم وأنجح دولة في تاريخ البشرية، وموطن الحرية على وجه الأرض.

وإذا كانت هذه الإستراتيجية تحاول أن تعيد النظر في سياسات الولايات المتحدة التي سلكتها خلال العقود الماضية، فإنها في الوقت نفسه تحاول أن تعيد تشكيل العالم خلال العقود القادمة؛ وذلك لضمان بقاء النفوذ الأمريكي قوة عظمى وقطبًا أوحد.

ولهذا تطرقت الإستراتيجية الأمريكية إلى شكل العالم الذي تتصوره؛ سواء في نصف الكرة الغربي بتطبيق ملحق ترمب على «مبدأ مونور» لمنع القوى الخارجية من التغلغل بأمريكا اللاتينية، أو في المحيطين الهندي والهادئ للحفاظ على حرية الملاحة ومنع الصين من مد نفوذها في دول هذه المنطقة، أو في أوروبا التي ترصد الإستراتيجيةُ ضعفَها الاقتصادي والديمغرافي، وتطالبها بإعادة النظر في سياساتها وزيادة الإنفاق العسكري على حمايتها، أو في أفريقيا التي تنظر لها أمريكا كمصدر رخيص للطاقة والمعادن النادرة.

ويهمنا هنا أن نقف على أبعاد هذه الإستراتيجية الأمريكية فيما يخص دولنا العربية والإسلامية، وقضيتها المركزية فلسطين التي بات عنوانها الآن غزة، وهو ما جاء في الإستراتيجية تحت عنوان «الشرق الأوسط.. نقل الأعباء وبناء السلام».

الشرق الأوسط في الإستراتيجية الأمريكية

في مقارنتها لوضع الشرق الأوسط في السياسة الأمريكية بين الأمس واليوم، تشير الإستراتيجية الأمريكية إلى أنه وعلى مدى نصف قرن على الأقل، كانت السياسة الخارجية الأمريكية تعطي الأولوية للشرق الأوسط فوق أي منطقة أخرى، والأسباب واضحة؛ فقد كان الشرق الأوسط لعقود أهم مورد للطاقة في العالم، وكان ساحة رئيسة للتنافس بين القوى العظمى، وكان مليئًا بالصراعات التي كانت تهدد بالامتداد إلى العالم الأوسع بل وحتى إلى سواحلنا.

وتبيِّن الإستراتيجية أن عاملين اثنين على الأقل من هذه العوامل لم يعودا قائمين؛ فقد أصبحت مصادر الطاقة أكثر تنوعًا بكثير، وأصبحت الولايات المتحدة مُصدِّرًا صافيًا للطاقة مرة أخرى، كما أن التنافس بين القوى العظمى قد تحول إلى تزاحم بين القوى الكبرى، تحتل فيه الولايات المتحدة الموقع الأكثر إثارة للإعجاب، مدعومًا بنجاح الرئيس ترمب في إحياء تحالفاتنا في الخليج، ومع شركائنا العرب الآخرين، ومع «إسرائيل».

ومع اعتراف الإستراتيجية بأن الصراع لا يزال الجانب الأكثر إزعاجًا في الشرق الأوسط، فإنها ترى أن حجمه اليوم أقل مما توحي به العناوين الإعلامية، خاصة بعد الضربات التي أضعفت إيران، وقلّصت برنامجها النووي، أما الصراع «الإسرائيلي»- الفلسطيني، فما زال معقدًا؛ لكن وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن الذي تفاوض عليه الرئيس ترمب قد مهَّد الطريق لتقدمٍ باتجاه سلام أكثر ديمومة، وقد تم إضعاف الداعمين الرئيسين لـ«حماس» أو ابتعدوا عن المشهد، إضافة إلى أن سورية تظل مصدر قلق محتمل، لكنها مع الدعم قد تتمكن من الاستقرار واستعادة دورها الطبيعي والإيجابي كلاعب محوري بالمنطقة.

وأوضحت الإستراتيجية أن الولايات المتحدة ستظل لديها مصالح أساسية في ضمان ألا تقع إمدادات الطاقة في الخليج في أيدي عدو مباشر، وأن يبقى مضيق هرمز مفتوحًا، وأن يظل البحر الأحمر صالحًا للملاحة، وألا يتحول الشرق الأوسط إلى حاضنة أو مصدر لتصدير الإرهاب ضد المصالح الأمريكية، وأن تبقى «إسرائيل» آمنة، مع توسيع اتفاقيات «أبراهام» لتشمل مزيدًا من الدول في المنطقة وكذلك دولاً أخرى في العالم الإسلامي.

وتنتهي الإستراتيجية الأمريكية إلى أن الأيام التي كان الشرق الأوسط فيها يهيمن على السياسة الخارجية الأمريكية، سواء في التخطيط بعيد المدى أو في التنفيذ اليومي، قد انتهت؛ ليس لأن الشرق الأوسط لم يعد مهمًا، بل لأنه لم يعد ذلك المسبب الدائم للاضطراب والمصدر المحتمل لكارثة وشيكة كما كان في السابق، بل إنه اليوم يبرز كمنطقة شراكة وصداقة واستثمار، وهو اتجاه يجب الترحيب به وتشجيعه، في الواقع فإن قدرة الرئيس ترمب على توحيد العالم العربي في شرم الشيخ سعيًا إلى السلام والتطبيع ستُتيح للولايات المتحدة أن تعطي الأولوية أخيرًا للمصالح الأمريكية.

إذن، وباختصار تنظر الإستراتيجية الأمريكية للشرق الأوسط باعتباره أصبح مؤهلاً أكثر للاستقرار، وأقل خطرًا بالنسبة للسياسة الأمريكية، ومن ثم، ستتعامل معه كمنطقة شراكة وصداقة واستثمار، مضافًا إليها توسيع قاعدة التطبيع.

تساؤلات مشروعة

بغض النظر عن اتفاق الإستراتيجية الأمريكية فيما انتهت إليه من خلاصات، مع رؤية الكيان الصهيوني الذي يريد أن يقفز في علاقاته بدول المنطقة إلى ما يسميه السلام الاقتصادي، متجاوزًا أي وضع للفلسطينيين في هذا الإطار؛ فإن لنا أن نتساءل:

1- لماذا ذكرت الإستراتيجية الأمريكية أن من مصالحها الأساسية أن تبقى «إسرائيل» آمنة، بينما غاب عنها أي حديث عن حقوق الفلسطينيين؟ وهل ذلك يؤسس حقًّا لـسلام أكثر ديمومة؟

2- هل فعلاً استطاع الرئيس ترمب توحيد العالم العربي في شرم الشيخ سعيًا إلى السلام والتطبيع، أم كان ذلك حشدًا أقرب إلى الإعلام منه إلى السياسة، وإلى حضور الصورة أكثر من وجود خطوات تنفيذية متفق عليها؟

3- هل الكيان الصهيوني راغب في الانتقال إلى المرحلة الثانية من رؤية الرئيس ترمب لغزة -رغم وجود تحفظات جوهرية عليها- أم إنه اكتفى بالمرحلة الأولى التي ضمن بها استعادة أسراه، وهو ما يعني تهديد السلام؟

4- هل حقًّا ستتمكن الولايات المتحدة من تنفيذ خططها بالشرق الأوسط، التي جعلت عنوانها بـ«الإستراتيجية.. نقل الأعباء وبناء السلام»؛ أي تسليم المنطقة للكيان الصهيوني مع تفرغ أمريكا للمواجهة القادمة مع الصين؟ هل ستتمكن من ذلك، بينما يواصل الكيان الصهيوني سياساته العدوانية التوسعية في غزة والضفة وفي الاشتباك مع لبنان وسورية؛ ما يعني بقاء المنطقة متوترة لا هادئة؟

وماذا لو حدث انفجار كبير من نوعية انفجار السابع من أكتوبر- أو قريب منه- الذي أجبر الولايات المتحدة على العودة بكامل ثقلها وأساطيلها للمنطقة بعد أن كانت تستعد للتخفف منها؟ فهل حينئذ ستعود الولايات المتحدة للمنطقة كما عادت بعد السابع، أم تترك الكيان لمواجهات ثبت أنه فشل وحده في التصدي لها؟

الحقيقة، أن أهمية منطقة الشرق الأوسط لم تكن في جوهرها مرتبطة بالبترول، وإن زاد ظهوره من أهميتها، وأن الحديث عن السلام لا يستقيم مع سياسات الكيان الصهيوني العدوانية التوسعية ولا مع الإستراتيجية الأمريكية التي يهمها فقط بقاء «إسرائيل» آمنة، وأن خطة السلام الاقتصادي لا معنى لها دون ضمان الحق الفلسطيني الذي لا يمكن القفز عليه، وأن جذوة المقاومة بالمنطقة ستبقى متقدة -مهما خَفتت أو أُضعفت- لأنها مرتبطة ارتباطًا متلازمًا بوجود الاحتلال.

والأمر هكذا، فإن لنا أن نتساءل، تعليقًا على الإستراتيجية الأمريكية فيما يخص الشرق الأوسط وفلسطين: هل هي رؤية غائمة لا تدرك طبائع الأمور ولا تفهم المنطقة جيدًا، أم رؤية حالمة تريد أن تقفز على الحقائق وتتجاهل حتى التاريخ القريب، أم الاثنان معًا؟!


اقرأ أيضاً:

إستراتيجيات ترمب.. والشرق الأوسط

إستراتيجية ترمب الجديدة للأمن القومي.. هل تغادر أمريكا الشرق الأوسط؟

 

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة