التطوير المؤسسي يبدأ بتشخيص المشكلة
دعتني إحدى
المؤسسات الخيرية لتقديم الاستشارة لتطوير أعمالها، ضمن خطة التطوير المؤسسي لديها، وخاصة تنمية مواردها بما يسمح
باستمرار أنشطتها وبرامجها، وبعد جلسة استماع إلى عضو مجلس الإدارة المكلّف، قدمت
تصوراً لآلية العمل ومنهجية التطوير اللازمة.
وأثناء مناقشة
ورقة العرض الاستشاري، ردّ عضو مجلس الإدارة قائلاً: «أنا حللت وخلصت، وبقول لك
اللي إحنا عايزينه: تشكيل فريق عمل جديد وإنشاء قسم للموارد، ولا أحتاج إلى تحليل؛
أنا حللت وخلصت».
وهنا أغلقت
جهازي، ووضعت القلم في جيبي؛ لأني أدركت أين الخطأ وأين موضع الخلل الحقيقي، وتوقفت
عن تقديم العرض الاستشاري، وحولت بقية الجلسة إلى ورشة تدريبية للزميل العضو؛ فالمشكلة
في عقلية الإدارة، وليست في غياب قسم أو شخص.
إن القفز إلى
الحلول مباشرة قد تكون دوافعه اختصار الوقت للوصول إلى نتائج سريعة تنقذ الموقف
مؤقتاً، وهي بمثابة مسكنات وليست حلولاً جذرية للواقع المؤسسي، أو دافع ثانٍ؛ وهو
توفير المال الاستشاري؛ فالبعض يعتقد أنه يدفع مالاً مقابل كلام لا يستطيع قياسه، وهنا
سيظل يجرب عدة مرات، ويستهلك شهوراً، بل سنوات، ليتعلم بالتجربة والخطأ، ويكون قد
أضاع الوقت وأنفق أضعاف ما يقدمه للخبير الاستشاري.
فالاستشارة تقلل
التكلفة، من خلال تقليل الوقوع في الخطأ المكلف، أو دافع آخر؛ غلبة الحلول الشائعة
الخاطئة.
مثال لذلك في
عالم الأعمال يتردد مقولة: «أسعارنا غالية، لذلك الناس لا تشتري منا»، وفي
الحقيقة، أن السعر قد يكون تصوراً خاطئاً، وليس السبب الحقيقي وراء انخفاض
المبيعات؛ فقد تكون المشكلة في عاملين رئيسين؛ الأول: الموارد المادية، من سلاسل
الإمداد، أو عمليات الإنتاج، أو عمليات التخزين، أو خدمات ما بعد البيع، أو
الخدمات الإدارية، والثاني: الكوادر البشرية، من حيث تخصصاتها، وتدريبها، وخبرتها،
ووضعها الإنساني والاجتماعي.
وهذا المبدأ
ينطبق أيضاً على المؤسسات الخيرية والإنسانية غير الربحية؛ فقد تكون المشكلة في
الصورة الذهنية عن المؤسسة، أو في إدارة برامجها وأنشطتها، أو في سياساتها
وإجراءاتها وغيرها..
إن قواعد
ومنهجيات التغيير والتطوير تبني لك مساراً، ولا تجمع لك مالاً، ولكي نفهم ذلك يجب
أن نفرق ببساطة بين المقصود بالتطوير أو التغيير؛ ونقصد بالتطوير نمواً وارتقاءً
في أعمال المؤسسة الناجحة، أما التغيير فهو معالجة أوضاع سلبية أو أخطاء، وكلاهما
يتطلب الإجابة عن ثلاثة أسئلة مهمة كمنهجية للتطوير والتغيير:
ونبدأ بلماذا التطوير المؤسسي/التغيير؟ والمسؤول عن الإجابة عن هذا السؤال هم أعضاء مجلس الإدارة، ولا بد أن يكون هناك توافق على التغيير والتطوير، وإيمان بأهميتهما، وأن يكون مسؤول التطوير ذا رؤية بعيدة، ومرونة، وقدرة على التحليل، وقادراً على اتخاذ القرارات والإجابة عن أسئلة تفيد وتدعم دور استشاري التطوير/التغيير.
أما السؤال
الثاني: كيف يتم التطوير/التغيير؟ فيجيب عنه استشاري التطوير/التغيير بوضع
المنهجية التي تتناسب مع نشاط المؤسسة، وحجم أعمالها، وقدرتها في مواردها المادية
وكوادرها البشرية، وتاريخ المؤسسة، وخبرة إدارتها التنفيذية.
أما السؤال
الثالث: متى يحدث التطوير/التغيير؟ يتم ذلك كمرحلة أخيرة، قبل بدء عملية
التطوير/التغيير، بالتوافق مع المستشار ومجلس الإدارة، ومن هنا تتم عملية التطوير
بمنهجية، دون القفز إلى الحلول المسبقة، في جو مؤسسي يمنح فرصة كبيرة لإحداث
التطوير اللازم، بما يتوافق مع رؤية مجلس الإدارة.
ولنتوقف بصراحة
أمام نتائج الورشة، فقد أديت الورشة كما ينبغي؛ شرحت، ووضّحت، وقدّمت الأمثلة، لكن
الحقيقة التي لا يقولها كثير من الاستشاريين: لم يقتنع العضو، بقي متمسكاً برأيه
أن الحل جاهز وواضح، وأن كل ما سبق «كلام نظري».
وهنا الدرس
الأهم في هذه القصة: ليست كل مقاومة للتحليل تُكسر بجلسة واحدة، أو بحجة واحدة،
مهما كانت منطقية، فبعض عقليات الإدارة تحتاج تراكماً من التجربة، أو قراراً من
مجلس الإدارة ككل لا من عضو منفرد، أو حتى وقوع النتيجة السلبية بالفعل ليقتنع
صاحبها بضرورة التحليل الدقيق قبل الحل.
ومهمة المستشار
هنا ليست أن «يقنع» كل فرد في الغرفة، بل أن يضع الحقيقة على الطاولة بوضوح كافٍ،
ويترك للمؤسسة مسؤولية اختيار طريقها؛ فالاستشارة توجّه القرار، ولا تفرضه.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً