بين صيام الطاعة وصبر الابتلاء..

رمضان في مناطق الحروب

أسامة الهتيمي

27 فبراير 2026

204

بينما يستقبل المسلمون في البلدان العربية والإسلامية أيام شهر رمضان الكريم بالفرحة والبهجة، نجد الملايين من المسلمين في مناطق النزاعات والحروب يستقبلون الشهر الكريم بصورة مغايرة تماماً.

ففي الدول المستقرة، يبادر الناس إلى الإعداد للشهر على المستوى المادي من خلال تزيين الشوارع وشراء الاحتياجات الخاصة بموائد الإفطار، والتجهيز لدعوة الأقارب والأصدقاء للمشاركة في إفطارات عائلية، وكذلك على المستوى الروحي بالإعداد النفسي للتفرغ للعبادة من صلاة وصيام وقراءة للقرآن فضلاً عن المستوى الاجتماعي برفع معدلات العطاء والتكافل.

أما في مناطق النزاعات والحروب، فإن رمضان يأتي محملاً بالقلق والوجع حيث تتراجع مظاهر البهجة أمام واقع يومي قاس تفرضه ظروف الحرب والحصار والنزوح، فضلاً عن رائحة الموت التي تنتشر في كل مكان لتصبح أيام رمضان اختباراً مريراً للصبر والقدرة على التحمل.

رمضان.. والحروب الأولى

على الرغم من أن الصيام لم يُفرض قبل السنة الثانية للهجرة، فإن المسلمين الأوائل شهدوا شهر رمضان وهم يعانون الجوع والاضطهاد قبل الهجرة عندما حاصرهم المشركون لنحو ثلاثة أعوام في شِعب أبي طالب، وقد أصروا على أن يقيموا شعائر الله من صلاة وقراءة للقرآن، بل وصيام جزئي كان يقوم به بعضهم تطوعاً.

كذلك وبعد أن فرض الله صيام رمضان وفقاً لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 183)، فإن صيام المسلمين للشهر الكريم لم يمنعهم من أن يواصلوا الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، فشاركوا في الغزوات التي كان يقودها النبي صلى الله عليه وسلم ومنها غزوة «بدر» التي وقعت في 17 رمضان 2هـ، وكذلك «فتح مكة» الذي وقع في رمضان 8هـ، بالإضافة للسرايا التي كان يرسلها النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض المناطق.

والشاهد أن رمضان وما فرضه الله فيه من صيام بالإضافة إلى توجيه القرآن والسُّنة بتكثيف الطاعة والعبادة خلاله لم يكن حائلاً بين المسلمين والجهاد في سبيل الله، كون أن الجهاد في ذاته أحد أهم أشكال التعبد والتقرب إلى الله ليكون رمضان في ظل هذه الأجواء اختباراً متميزاً لصبر وإيمان المقاتلين، حيث كان الصائم يقاتل ويصوم ويُقيم الصلاة متحدياً الجوع والخطر في سبيل الثبات على الدين والرسالة.

في مقابل ذلك، فقد كان من يتخلف من المسلمين وغير القادرين على القتال وبقية أبناء المجتمع المسلم يمثلون سندًا مهماً للمقاتلين، فلم يوقفهم قلة الطعام والموارد عن أداء الصلوات والذكر والتصدق بالمستطاع، فضلاً عن الدعاء بإخلاص حتى ينتصر إخوانهم وهو ما منح بالطبع المقاتلين قوة معنوية لمواصلة أداء رسالتهم.

رمضان.. والصراعات الراهنة

ربما تختلف الصورة التي عليها المسلمون الذين يعانون صراعات وحروباً في الوقت الحالي عن تلك التي عاشها المسلمون زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أو زمن الحروب الأولى، ففي الغالب كان المسلمون يجاهدون دفاعاً عن عقيدتهم أو من أجل رفع راية الإسلام في مواجهة الكفار والمشركين؛ وعليه فقد كانت هذه الحروب واضحة الأهداف ومحدودة النطاق.

أما أغلب الحروب والصراعات التي يعيشها المسلمون اليوم فهي غالباً –عدا حرب غزة– ملتبسة لا يتضح فيها الحق من الباطل بسهولة، فضلًا عن كونها واسعة النطاق يتعرض خلالها المدنيون لظروف معيشية قاسية وأزمات نفسية واجتماعية مركبة نتيجة الاستخدام المفرط لأسلحة حديثة ومتعددة؛ الأمر الذي يجعل من رمضان في هذه الظروف شهراً مزدوجاً بين الصبر على الشدائد والتمسك بالعبادة والروحانية.

وعليه، فإنه في ظل هذا الواقع المضطرب لا يعود رمضان مجرد موسم للعبادة كما هي الحال في البلدان المستقرة، بل يصبح شهراً تتداخل فيه المشاعر وتتشابك فيه الأولويات، فالجوع هنا ليس اختياراً تعبدياً فحسب، وإنما واقع مفروض بفعل الحصار وارتفاع الأسعار وشح الموارد، والخوف ليس مجرد هاجس عابر، وإنما شعور دائم يرافق الناس في تفاصيل يومهم من لحظة البحث عن قوت الإفطار إلى لحظة انتظار النجاة من الموت مع كل ليلة جديدة.

تغيب بلا شك الكثير من مظاهر الشهر الكريم التي اعتاد المسلمون في بقاع الأرض الاحتفاء بها في رمضان، مثل صلاة التراويح في المساجد والمشاركة في موائد الإفطار الجماعية، فيما تضحى لمة العائلة أو الجيران أو الأصدقاء على الإفطار أو السحور حلماً مستحيلاً أو محاولة ناقصة أو تجمعاً محفوفا بالأخطار، فتكون مشاعر رمضان لدى هؤلاء خليطاً مؤلماً من التعلق بالعبادة والرجاء في رحمة الله يقابله إحساس دائم بالفقد والقلق والانكسار حيث يختلط صوت الأذان بأصوات القصف وتتجاور لحظة الإفطار مع خبر ضحية جديدة أو بيت تهدم أو أسرة نزحت.

ولعل المشاهد الإنسانية التي طالعها العالم كله على مدار السنوات الفائتة في بعض الدول العربية والإسلامية التي عانت الحروب كغزة واليمن والعراق وسورية وليبيا والسودان وغيرها كشفت عن مدى المعاناة التي عاشتها شعوب هذه الدول –ولا يزال بعضها– خلال رمضان الذي لم يكن مناسبة للترف أو الموائد العامرة، وإنما اختبار للحياة وصمود الإنسان وتحدٍّ مستمر لقسوة الحرب.

ففي غزة كان حلم الكثيرين كسرة خبز وقليلاً من الماء، فذلك مما لا يتحصل عليه كثيرون، فإذا ما كان معهما بعض الفول أو العدس فهذا ترف لا يحققه إلا القليلون، فيما لا تكون إضاءة الغرفة إلا بضوء الهاتف –إن وجد– بعد الانقطاع المستمر للكهرباء.

وفي اليمن، يكون الصيام في مواجهة الجوع المزمن ونقص الوقود والماء والأمراض التي تفتك بالأطفال والنساء وكبار السن، فيما يكون الإفطار أو السحور وجبات بسيطة جداً تعتمد في أغلبها أو جلها على منظمات الإغاثة الإقليمية والدولية بعد أن تم تصنيف الوضع في اليمن بأنه أسوأ كارثة إنسانية.

ولم يكن يختلف الأمر كثيراً في سورية، فقد عاش لاجئوها في المخيمات تجربة صعبة حيث صيام الجوع المادي مقترناً بالبعد عن الوطن وفقد الأهل والأحباب.

التراحم واللجوء إلى الله

مع كل ما سبق كان الأغرب أن رمضان في مناطق الحروب لم يفقد روحه بالكامل، بل كان فرصة للكشف عن حقيقة الإيمان بالله عز وجل، وامتحان للقدرة على الصبر على الابتلاء، ودفعاً لالتماس كل السبل من صلاة ودعاء للتقرب إلى الله تعالى، وبروزاً لقيم التكافل والتراحم والإيثار في مواجهة الواقع الأليم.

ففي ظل الحرب وما يتبعها من خراب وانهيار لكل مقومات الحياة اليومية، لا يجد الكثير من الناس الأمن الحقيقي إلا في العودة إلى الله والقرب منه، فيلجأ بعضهم إلى المساجد –إن وُجدت– في حين يصنع البعض خلوة روحية يختلي فيها مع ربه، فالأصل في الشهر الكريم الطاعة والعبادة.

كذلك، وفي كثير من الأحيان تتحول صلاة التراويح من مجرد عبادة موسمية إلى إعلان جماعي عن التمسك بالحياة والرفض الداخلي للاستسلام مهما اشتدت المأساة.

وعلى المستوى الاجتماعي، تختفي الأنانية وتتقزم المشكلات الاجتماعية التي كانت في وقت ما سبباً للقطيعة فتصبح لقمة الخبز التي كانت لا تكفي فرداً واحداً طعام إفطار يُقسم بين أكثر من بيت.



اقرأ أيضاً:

رمضان غزة الثالث.. الأول بعد «طوفان الأقصى» دون أكل أوراق الشجر!

رمضان في دارفور.. الصائمون أمام «التكايا» والمصلون في مرمى القذائف!

رمضان يعيد ترميم النسيج الاجتماعي في اليمن

 

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة