«مجلس السلام».. هندسة ترمب للشرق الأوسط

محمد القيق

21 يناير 2026

187

يعزز الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من معادلاته الإستراتيجية في المنطقة بعدة زوايا، ولعل الأساس في ذلك كله هو «الشرق الأوسط الجديد» الذي تحدث عنه مراراً وتكراراً في خطاباته ومؤتمراته حتى وفي خططه، ونسقها جيداً مع رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو.

وبالتالي، ما يقوم به ترمب حالياً يرتكز على 3 عناصر؛ أبرزها القوة بحجة السلام، وثانيها: السيطرة بحجة إخضاع المجموعات المتطرفة وغيرهاً، وثالثاً: الهيمنة والتوسع بحجة الأمن القومي، هذا ما يحدث في ملف فنزويلا، وما يحدث في جرينلاند، وما يحدث مع الاتحاد الأوروبي بشكل عام، كذلك مع إيران، وفي المنطقة سواء في دعم المجموعات المسلحة، أو في الضربات العسكرية المباشرة، أو الضم، أو اعتراف بأقلية على أنها دول كما حدث بأرض الصومال ومناطق جغرافية أخرى.

سلاح السلام

في الآونة الأخيرة، قرر الرئيس ترمب أن يشكل «مجلس السلام» بحجة الدفاع عن الحقوق وغيرها، ووقف إطلاق النار في غزة، وأن لديه خطة للمنطقة لجلب السلام.

السلام عند ترمب سلاح إستراتيجي يرتكز على القوة والبطش لإخضاع المنطقة

لكن حقيقة الأمر، ما يحدث الآن من تصنيفات يقودها ترمب في المنطقة ومن خريطة لـ«مجلس السلام»، الذي لا يضم إلا من ارتكب المجازر والإبادة في الدول العربية والإسلامية، ووضع حالة الوسطاء في إطار مجلس تنفيذي وكأنه وسيط فقط ما بين «مجلس السلام» هذا الذي يعتبر كمجلس أمناء للمؤسسات والدول، وما بين اللجنة الوطنية في غزة التي هي عبارة عن بلدية باتت في نزع الصلاحيات حتى السيادية.

إذن، ترمب نصَّب نفسه رئيساً لهذا المجلس، وواضح أن المشهد الذي يريده هو إعادة رسم وشكل وهيئة المنطقة مستخدماً السلام كسلاح، والسلام في عقلية ترمب هو القوة والبطش والحرب.

وعلى نظرية السلام التي يريدها الآن يذهب باتجاه مسارين؛ الأول الاستيلاء على الأموال التي هي للشعوب في المنطقة، وأيضاً يذهب باتجاه المعادلة الثانية وهي أخذ بدل ورسوم عضوية لـ«مجلس السلام» بأخذ المليارات من هذه الدول، وحتى لو دفعت مليارات لن يكون لديها القرار.

إذن، هو بهذا القرار وبسلاح السلام يأخذ 3 عناصر؛ الأول: يشرعن هندسة الشرق الأوسط على طريقته؛ لأن القرار بيده في «مجلس السلام» بوجود دول إسلامية وعربية في المجلس، وبالتالي تريح الناس من التفكير؛ هل هذا ضد المصلحة الإسلامية والعربية أم لا؟ لأن وجود هذه الدول يشرعن ويغطي على الجريمة.

«مجلس السلام» غطاء لشرعنة الجرائم ونهب الثروات وفرض السيطرة الجغرافية

ثانياً: استخدام الجغرافيا (سيناء) فيه مؤشر سياسي جغرافي مرتبط بغزة، ومرتبط بالسودان وليبيا وباليمن وصولاً إلى مرحلة الاستيلاء على سيناء، ولاحقاً على منطقة جنوب سورية.

ما يقوم به ترمب هو بهيئة سلاح السلام يذهب إلى الجغرافيا والسيطرة الجغرافية، وهذا يعتبر من أهم أحلامه هو ونتنياهو في دراسة وهندسة الشرق الأوسط.

ثالثاً: يمنع ويعبئ فراغاً في الساحة الدولية، أن منطقة الشرق الأوسط والمنطقة العربية والإسلامية ليست إلا حكراً على الأمريكي، هو الذي يقرر والذي يضع «مجلس السلام» والذي يقرر أين تذهب الأمور وما سيحدث فيها.

هذه النظرية التي سار عليها بالعناصر الثلاثة استطاع من خلالها أن يثبت نظرية وجود الدول العربية والإسلامية ويدفعون الأموال له ويشرعنون ذلك، وأيضاً تحت إطار «مجلس السلام» من الممكن أن يتم نشر القوات في سيناء، ومن الممكن أن يتم نشر القوات في كل منطقة عربية دون أن يكون هناك أي دور أو أي اعتراض دولي بحجة أن هناك قرارات دولية، وهذا الذي تحدث عنه ترمب عن «الشرق الأوسط الجديد» وعن «صفقة القرن»، وهذا يقودنا إلى ما يتحدث به نتنياهو.

الخلافات «الإسرائيلية» الأمريكية الآن على هذه النقطة شكلية كالعادة، فالأمريكي و«الإسرائيلي» يمارسان التضليل كما دوماً، والهدف أن يشعر الناس أن هناك خلافاً «إسرائيلياً» أمريكياً، أما سلاح السلام الذي يستخدمه ترمب حتى اللحظة في المنطقة وفي غيرها ما زال قائماً حتى في تعاطيه مع فنزويلا وجرينلاند، وهذا مؤشر على أن الهندسة الجغرافية من الشرق الأوسط على أسس سياسية وأسس أمنية تأخذ منحى أكثر خطورة في المرحلة المقبلة.

وجود دول عربية وإسلامية بـ«المجلس» يمنح شرعية للقرارات الأمريكية و«الإسرائيلية»

بالتالي، الآن الأمريكي يضع كل ثقله بالحشد العسكري في المنطقة بالتوازي مع الحديث عن «مجلس السلام»؛ لإعطاء تجربة -وهي التجربة الإيرانية- كي تكون نموذجاً إما لتقسيم جغرافي وإما لتغيير النظام بشكل عام في كل إيران، وإما أن تكون هناك لديه حسابات أخرى تختلف عن الحسابات التي يريدها محور المقاومة، وهذا سينعكس على دول أخرى في المنطقة، وبالتالي هذه التجربة بالنسبة لديهم مهمة جداً في سلاحين عسكري وسياسي، والعنوان الأبرز «خطة غزة»، فتصبح غزة شماعة تُعلق عليها كل ملفات ترمب.

البديل الممنوع

تستمد أمريكا هذه العنجهية التي تحاول فيها رسم وهندسة «الشرق الأوسط الجديد» من خلال 3 عناصر؛ أولها: الفرقة العربية الإسلامية، هناك حالة من الفرقة والتغييب للوحدة العربية والإسلامية، وهذا في إطار «فرِّق تسُد» تستطيع أمريكا أن ترسم ما تريد، وأن تستميل ما تريد من المنطقة العربية وتُضعف وتقوّي من تريد.

المسار الثاني: مسار القوة والتكنولوجيا العسكرية التي عملت عليها كثيراً في الوقت الذي لم تعمل الدول العربية والإسلامية عليه، بعض الدول الإسلامية حاولت ولكن ليس بالقوة التي لدى أمريكا، وبالتالي ما يجري من الأمريكي محاولة إضعاف مَن قَوِيَ في المنطقة العربية والإسلامية، وهذا يعطي إشارة إلى أن إيران وتركيا وكذلك مصر والسعودية تحت الضربة النارية التي تريدها أمريكا في المنطقة.

المسار الثالث: هو مهم جداً بالنسبة للأمريكيين، مسار الثروات الطبيعية والغاز والنفط، المهم لديهم أخذ كل شيء على حساب الفلسطينيين وعلى حساب المنطقة العربية، وهذا ما رأيناه في التعامل مع الدول كأنها معادلة الثروات.

استخدام ملف غزة كشماعة لتمرير مشاريع السيطرة على سيناء ومواقع عربية إستراتيجية

إذن، الثروات وانعدام الوحدة وقوة التكنولوجيا كلها مسارات تجعل البديل ممنوعاً، والبديل هو أن تكون هناك أرضية وسيادة عربية وإسلامية، وألا ترسم المنطقة بقرارات «مجلس السلام»، ولكن في هذا الغياب للعناصر الثلاثة يبدو أنه بالفعل «الإسرائيلي» والأمريكي سيجعلون «مجلس السلام» محطة مهمة ومرتكزاً في الهندسة الجغرافية، ليس فقط في غزة، وليس حتى استناداً لـ«صفقة القرن»، يبدو أن المخطط سيكون أكثر توسعاً إن لم يكن هناك رادع إقليمي وحالة من الوحدة العربية والإسلامية للجم هذا المشهد.

اليوم، السياسة تُرسم في أروقة الأمريكي و«الإسرائيلي»، ولكن الظروف الدولية ومعركة «طوفان الأقصى» ذهبت بالمنطقة بعيداً سواء الحرب الأوكرانية الروسية أو التوتر مع الصينيين أو الكلام الأخير مع الأوروبيين أو حالة الميزانية الدفاعية التي يتم صرفها الآن في أوروبا على حساب العلاقات الخارجية.

كل ذلك ممكن أن يغير في حسابات «إسرائيل» وأمريكا التي كانت دائماً تخطط وتنفذ وتنجح، ولكن بالمعطيات الأخيرة وبما أجرته «طوفان الأقصى» من زلزال إستراتيجي في الأمن القومي العالمي؛ نعتقد أن الأمور لن تكون كما أرادت أمريكا دائماً في التخطيط والتنفيذ، أما النجاح فهذا يبدو أنه سيلاقي عقبات كثيرة إن لم يفشل، بل وينقلب على عكس ما تريده، خاصة في ظل معطيات التحالفات وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية والدولية التي باتت الآن منطقة ساخنة في كل زاوية من زاوية العالم.


اقرأ أيضاً:

الرؤية الصهيوأمريكية لـ«الشرق الأوسط الجديد».. سيناريوهات النجاح والفشل

«الانتداب الأمريكي» على غزة.. فصل جديد من الاستعمار!

السقوط المدبَّر.. هندسة التفتيت من التقسيم إلى خرائط الدم

هل بدأت التحولات الكبرى في الشرق الأوسط باعتراف واشنطن؟

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة