; رضا الله وسخط الناس | مجلة المجتمع

العنوان رضا الله وسخط الناس

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 09-فبراير-1982

مشاهدات 85

نشر في العدد 560

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 09-فبراير-1982

إن المؤمن الحق هو الذي يعبد الله مخلصا له الدين يأتمر بأوامره وينتهي بنواهيه، يلتمس رضا الله فيما يقول ويعمل ولو أغضب الناس جميعا، لا يباري في الحق أو يحيد عنه التماسا لرضا في هوى أقوى منه أو مجاملة قريب أو صديق، ومثل هذا الإنسان المؤمن يكون دائما في رعاية الله وحمايته وإن سخط عليه الناس وتوعدوه فهو غني بالله عن خلقه، عزيز بجاهه الذي لا يطاوله جاه، أقوى بسلطانه الذي يقهر كل سلطان.. 

هذا واعلم أخي فقهك الله.. أن رضا الله إنما يكون بالتزام حدوده وأداء فرائضه والجهاد في سبيله بالتقربإليه بالعمل الصالح وهذه كلها وسائل تحتاج إلى إرادة قوية، وبصيرة واعية، ونفس زكية، لأنها وسائل تقوم على المجاهدة والعزم والبذل، واعلم أن هذه الصفات لا يطبقها إلا من وإلا روضي نفسه على احتمال أعبائها أن هؤلاء قد يكونون قلة في المجتمع بين سواد الناس، ولكنهم قلة قوية نادرة تثبت على الحق فلا تضعف لها إرادة عن طلب المعالي، ولا تميل مع الأهواء حيث يميل الناس. ولقد اثنى الرسول الله- صلى الله عليه وسلم- على أمثال هؤلاء فقال: طوبى للغرباء. قيلومن الغرباء يا رسول الله: قال «الذين يصلحون حين فسد الناس». ومن هنا كان هؤلاء الملتزمون عرضة للسخرية في للمجتمعات التي لا تدين بمبادئهم أو لا تلتزم بما تفرضه هذه المبادئ من حدود وقيود بل قد يتعرضون لما هو أشد من ذلك. يتعرضون للمطاردة، والإيذاء كما الله تعرض الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، والأنبياء من قبله وأصحاب المبادئ الإنسانية في سبيل أداء رسالاتهم لكثير من الأذى الذي وصل في حالات كثيرة إلى حد الموت.

قال تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُم فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱستَكَانُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ (سورة آل عمران: 146)

وما من داع إلى الحق أو مستمسك به إلا لقي في سبيل دعوته واستمساكه بالحق كثيرا من المعارضة والمناواة والإيذاء، إنها ضريبة الإيمان بالحق والثبات عليه يؤديها المؤمن طيبة بها نفسه، ليكون جديرا بالمستوى الذي بلغه والذي يمتاز به على سائر الناس.

فإذا بلغ المسلم في جهاده مرتبة الشهادة فتلك أسمى المراتب، إنه لامتحان كبير الذي أعده الله لصفوة عباده حيث قال: ﴿وَلِيَعلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُم شُهَدَاءَ﴾  (سورة آل عمران: 140) هذا واعلم أخي.. أن الإنسان في حياته قد يتعرض لمواقف تجعله في حيرة بين التزام جانب الحق ولو أغضب الناس، وبين مجاراتهم في الباطل ولو أغضب ربه وتنكر لمبادئه أن الرسول صلى الله عليه وسلم ينقذك من هذه الحيرة حيث يقول: «من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله تعالى مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله تعالى إلى الناس». 

وحين تكون المقابلة والاختيار بين رضا الله بسخط الناس وبين رضا الناس بسخط الله، فإنها تكون صفقة رابحة لمن يختار رضا الله عزوجل ولو سخط عليه الناس جميعا إنه بذلك يكون في جانب الحق فلا يضيره أن يكون غيره على باطل وأن الله ليغنيه عن الناس ويكفيه شرهم وأذاهم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ﴾ (سورة الحج: 38) وأما اختيار رضا الناس بسخط الله فتلك هي الصفقة الخاسرة وذلك هو الخسران المبين، ذلك لأن الإنسان لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا إلاما قدر الله أن يكون.

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «....واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعت على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله..... عليك».

وأنت حين تلتمس أحدًا منأصحاب الجاه أو ذوي القربى بسخط الله فتحاربه في الباطل، وتؤدي له شهادة الزور، وتشاركه فيما يقترفه من الآثام والمذكرات، طمعا في جاهه أو ماله أم مجاملة له واستحياء منه إنما تكون بذلك قد قطعت صلتك بالله، وبعت نفسك لإنسان مثلك لا يملك لك النفع ولا الضر، فإذا أعطاك فهو يمن عليك العطاء ويستقل به كرامتك وأما إذا حرمك فتكون قد خسرت نفسك وخسرت ما كنت تطمع فيه من أعراض زائلة. ثم اعلم أنه حين تركن إلى أمثال هؤلاء فتقع معهم بسخط الله التماسا لرضاهم. ثم تميز ساعة الحساب في الدنيا والآخرة لن نجد من هؤلاء أحدا إلى جوارك ليحميك. أو يدافع عنه مهما كان جاه وسلطان ومال بل إنهم سرعان ما يبتعدون عنك ويتبرأون منك ويقطعون ما بينك وبينهم من روابط وأسباب.

﴿وَلَو يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذ يَرَونَ ٱلعَذَابَ أَنَّ ٱلقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلعَذَابِ  إِذ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلعَذَابَ وَتَقَطَّعَت بِهِمُ ٱلأَسبَابُ﴾ (سورة البقرة: 165) وقال تعالى في أمثال هؤلاء الأخلاء:﴿بَعضُهُم لِبَعضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلمُتَّقِينَ﴾  ﴿ (سورة الزخرف: 67) اعلم أخي ثبتك الله على طريق الحق أن الله قد بين حدود الطاعة لمن لهم الحق في الطاعة مثل الوالدين مثلا، فلم يجعله حقا مطلقا في كل أمر من الأمور حتى يغضب الله، بل قيد هذا الحق بقيوده وربطه بحدوده قال تعالى: ﴿وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشرِكَ بِي مَا لَيسَ لَكَ بِهِۦ عِلم فَلَا تُطِعهُمَا وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنيَا مَعرُوفا﴾﴿ (سورة لقمان: 15) نعم.. لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لأن الله أولى بالطاعة وأحق بأن تلتزم حدوده وتتجنب محارمه وتلتمس رضاه.

هذا ولقد فهم الصحابة رضوانالله عليهم هذه المسألة فأعطوهاحقها في التنفيذ، فمثلاً نجد أول داعية في الإسلام، والسفير الدائم مصعب بن عمير وكيف واجه بثبات طريق الحق وصبره عليه، وكذلك سعد بن معاذ الذي أمرته أمه أن يترك هذا الدين دين محمد، فقال قولته المشهورة: أماه اعلمي لو أن لك مائة نفس وتخرج نفسًا نفسًا، على أن أترك هذا الدين، ما تركته.. ثم انظر إلى مقالة خليفة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين تولى الخلافة: أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم.. 

إن المبادئ التي بينها الله ورسوله، وسار عليها الخلفاء الراشدون والأئمة وأصحاب كل دعوة إلى الحق هي في الواقع تكريم لكرامة الإنسان وتحرير لإرادته من أن تضعف أمام الشهوات والمغريات التي تخطف سيرتها القلوب والأبصار، وتنجذب إليها ضعاف النفوس خوفا أوطمعا كما أنها تحفظ للإنسان من نفسه أن تميل بالباطل وإلى قريب أو صديق فإذا ما التزم الإنسان بهذه المبادئ، وأرضا الله على رضا الناس فقد استمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، وكان في حمى الله القوي الغني، قويا بالله غنيا عن الناس، أما إذا آثر رضا الناس بسخط الله، فإن الله يتخلى عنه ويدعه حيث أراد عالة على الناس أعطوه أو منعوه أكرموه أو أهانوه. هذا ومن وكله الله للناس قامت حياته على أساس واه.. لا يلبث أن ينهار، وارتبط مصيره بمستقبل غير مضمون ولا مضمون لأن أصحاب الجاه قد يذهبون عنه أو يذهب عنه جاهه «وتلك الأيام نداولها بين الناس»... ولأن صاحب المال قد يضيع ماله أو يبخل به بعد سخاء، ولأن القوي قد تضعف قواه، ولأن الصديق قد ينقلب إلى عدو.. وعندئذ يفقد الإنسان إسناده وتخيب آماله لأنه انصرف عن الخالق إلى المخلوق آثر رضا الناس على رضا الله فكان من الخاسرين..

أسأل الله لي ولكم الثبات على دينه.

أخوكم

بو يوسف- الهند- بوفا

أسس قواعد الدعوة

إن الدعوة إلى سبيل الله لا لشخص الداعي ولا لقومه إذا غلب على الداعي في دعوته إلا أنه يؤدي واجبه لله ولا فضل له فيحدث بهوأجره بعد ذلك على الله.

1- الحكمة والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم واستعدادهم النفسي للدعوة. 

٢- الموعظة الحسنة التي تهدي القلوب الشاردة وتؤلف القلوب النافرة.

3- الجدل بالتي هي أحسن ولب القلب هو الهدف من الجدل وكل الامتناع.

والوصول للحق، إن الداعي لا يقصد إلا كشف الحقيقة في ذاتها والاهتداء إليها في سبيل الله لا في سبيل نظر رأيه أو ذاته وهزيمة الآخرين في رأيهم لأن الله هو أعلم بمن أضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين إذ لا حاجة إلى العجاجة في الجدل إنما هو البيان والأمر بعد ذلكلله.

هذا هو منهج الدعوة ودستورها ما دام الأمر دائرة اللسان والجدل أما وقع الاعتداء فهذا أمر عادي يدفع بمثله إعزاز لكرامة الحق ودفعا لغلبة الباطل إن الدفع عن الدعوة في حدود العدل والقصد يحفظ لها كرامتها وعزتها وأن تهون في نفوس الناس لأن الدعوة الهينة لا يعتنقها أحد. إن القرآن يدعو إلى العفو والصبر في حالات ومواقف مثل:

 ١- حين يكون المسلمون قادرين على دفع العدوان ووقف الشر.

 ٢- حين يكون العفو والصبر أعمق أثرا في نفوس الناس.

 ٣- حين تكون العادة أكثر للدعوة.

هذا ولأن الصبر يحتاج إلى مقاومة الانفعال وضبط العواطف وكبت الفطرة فإن القرآن يصله بالله ويزين عقباه- عدم الحزن إذا رأى الناس لا يهتدون فإنما عليه واجب يؤديه والهدى والضلال بيد الله، وأن لا يضيق صدره بمكرهم فالله حافظه متى أخلص دعوته لا يبقى وراءها شيءلنفسه. 

ولقد يقع به الأذى لامتحان صبره ويبطئعليه النصر لابتلاء ثقته بالله ولكن العاقبةمضمونة ومعروفة.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم محسِنُونَ﴾ (سورة النحل: 128)

والنصر مرهون بثباته. 

مراتب الدعوة

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: الآية 135)

لقد جعل الله سبحانه وتعالى مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق.

1- فالمستجيب القابل الذكي الذي لا يعاند الحق ولا يأباه يدعى بطريقة الحكمة.

٢- القابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر يدعى بالموعظة الحسنة وهي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب. 

3- والمعاند الجاحد يجادل بالتي هي أحسن.

التفسير القيم.. لابن القيم صفحة ٣٤٤.

وإذا كانت الدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، بل لا بد من كمال الدعوة من بلوغ العلم إلى حد أقصى ما يمكن.

التفسير القيم.. لابن القيم س ۳۱۹.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 25

87

الثلاثاء 01-سبتمبر-1970

مواكب الشهداء (25)

نشر في العدد 36

99

الثلاثاء 17-نوفمبر-1970

مِن ذِكرَى بَدر..!