العنوان منظمة التحرير: على مفترق الطرق
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يناير-1983
مشاهدات 73
نشر في العدد 603
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 11-يناير-1983
بين فترة وأخرى تعقد القيادة الفلسطينية اجتماعات لتنسيق عملها وتقييم المرحلة السابقة ووضع منهج للمرحلة المقبلة. وقد اجتمعت اللجنة المركزية لحركة «فتح» بالكويت يومي 6- 7/ 1/ 1983 برئاسة ياسر عرفات رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والقائد العام لقوات الثورة الفلسطينية، وحضر إلى الكويت لهذا الغرض كل من خليل الوزير «أبو جهاد» نائب القائد العام لقوات الثورة الفلسطينية وفاروق قدومي «أبو اللطف» مسئول الدائرة السياسية، وهايل عبد الحميد «أبو الهول» مسئول الأمن، ومحمود عباس «أبو مازن» وصخر أمين سر المجلس المركزي لحركة فتح، ومن المعروف أن سليم الزعنون «أبو الأديب» نائب رئيس المجلس الوطني الفلسطيني وصلاح خلف «أبو إياد» تواجدًا بالكويت قبل وصول «أبو جهاد» ورفاقه.
مرحلة دقيقة:
ولعل المرحلة التي تعيشها المقاومة الفلسطينية من أدق المراحل التي عاشتها منذ ثمانية عشر عامًا، فعلى الرغم من المحاولات الكثيرة التي جرت لتصفيتها عسكريًا إلا أنها استطاعت بعد كل محنة أن تخرج أقوى مما كانت وأصلب عودًا رغم انتقالها من موقع إلى موقع. ولكن هذه المرة، وبعد محنة المحن في لبنان وبيروت، وبعد مذبحة المذابح في صبرا وشاتيلا ورغم الصعود الأسطوري والقتال البطولي للفلسطينيين أمام أكثر من ثماني فرق عسكرية "إسرائيلية" مدججة بأفتك ما أخرجته الترسانة الأمريكية فإنهم أجبروا على التشتت في ثماني دول عربية بعد أن خذلوا وخدعتهم أمريكا وتخلت عنهم روسيا التي كانت تدعي زورًا وكذبًا التعاطف معهم.
بداية مستقلة :
والمقاومة الفلسطينية التي شقت طريقها وسط المصاعب لم تكن قد بدأت نشاطها التنظيمي في الخمسينات بإذن من أي نظام عربي أو غير عربي أو موافقته، بل.. بالعكس، عملت في الظلام ومن تحت الأرض وهي تعلم أنها الحركة الوحيدة في التاريخ التي لم تجد لها ظهرًا- في مرحلة التأسيس- تستند إليه، وأنها ستسير على رمال متحركة. وقد بدأت مصاعبها في الوقت الذي بدأت فيه الأنظمة العربية المحيطة "بإسرائيل" تعلم عن نشاطها، وبالرغم من أنها رفعت شعار «عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية» إلا أن بعض هذه الأنظمة تدخلت في شؤون هذه الحركة منذ البداية تدخلًا يستهدف القمع والإحباط بينما كانت تتظاهر بأنها أكثر حرصًا على القضية الفلسطينية من الحركة الفلسطينية نفسها.
وعندما عجزت هذه الأنظمة عن إجهاض الحركة الفلسطينية التي أخذت تنمو بسرية وبسرعة بين أوساط الجماهير من كافة الأوساط والفئات كان لا بد من استخدام أسلوب آخر غير القمع والعنف، فكان أن ولدت في رحاب الجامعة العربية وبتعليمات من- جمال عبد الناصر الذي أراد أن يقضي على منظمة «فتح»- ولدت منظمة التحرير الفلسطينية التي رفعت شعار «الوحدة الوطنية» ودعت تلك الحركة السرية النشطة «فتح» إلى الالتحاق بها ومن ثم الخضوع للأنظمة العربية مجتمعة بقيادة عبد الناصر الذي كان يجري اتصالات سرية مع اليهود لعقد صلح معهم، وقد نشرت الصحف الغربية والعربية تفاصيل هذه الاتصالات مؤخرًا.
«فتح» هي العمود الفقري :
ألا إن قيادة «فتح» التي قررت دخول منظمة التحرير استطاعت أن تكون هي المهيمنة على المنظمة بدل أن تذوب فيها وذلك خلافًا لما خطط عبد الناصر وغيره وظلت تحتفظ بشخصيتها المتميزة تحسبًا للطوارئ. ورغم ظهور منظمات كثيرة ماركسية في مجملها إلا أن منظمة فتح ظلت تمثل العمود الفقري داخل منظمة التحرير الفلسطينية، ورغم أن الفكر الماركسي لا يرفض الوجود الاستيطاني اليهودي في فلسطين- أي لا يعترض على وجود "إسرائيل"- وإنما يعترض على النظام الرأسمالي للكيان العنصري المرتبط بالغرب، إلا أن الماركسيين داخل الحركة الفلسطينية هم الذين جروها إلى رفع شعار الدولة الديمقراطية وصنفوا أنفسهم جبهة للرفض وهم في الحقيقة لا يختلفون عن جبهة القبول أتباع أمريكا إلا في الشكل، فأتباع روسيا يريدون أن يتعايشوا مع «إسرائيل» في سلام وضمن علاقات حسن جوار.
علاقة مصيرية بين الحركة الفلسطينية والحركة الإسلامية:
وأما الغالبية العظمى من أبناء فلسطين الذين قاتلوا ويقاتلون لتحرير وطنهم فهم المستهدفون بالترويض والتسييس والإذلال لأنهم في المبدأ وفي المنتهى مسلمون، وهناك علاقة مصيرية بين الحركة الإسلامية والحركة الفلسطينية فانتعاش أي منهما انتعاش للأخرى وضرب أي منهما ضرب للأخرى، ولذلك كانت الهجمة الشرسة على جميع الحركات الإسلامية في العالم ومن ضمنها الحركة الفلسطينية باعتبارها حركة إسلامية بأشخاصها وبضميرها.
ونحن في الحقيقة عندما ندعو الحركة الفلسطينية وعلى رأسها «فتح» إلى تبني الإسلام عقيدة ومنهجًا ندعو في نفس الوقت الحركة الإسلامية العالمية إلى احتضان العمل الفلسطيني ومد يد العون له ورفده بالمال والرجال وكل ما يلزمه لمواصلة الجهاد، ولا يكفي أن نقف موقف المتفرج ونحن نرى الأبطال من أبناء فلسطين يذبحون ويشردون ويدفعون دفعًا إلى التسليم لعدوهم بوطنهم وهم يتشبثون بالورقة الأخيرة لعل وعسى أن يمتد بركان بيروت فيصبح زلزالًا يصل إلى القدس كما يقول ياسر عرفات.
إن المؤامرة على القضية الفلسطينية هي ذات المؤامرة على الإسلام والمسلمين والشواهد على ذلك كثيرة :
فالخلافة العثمانية هي التي وقفت حجر عثرة في سبيل هجرة اليهود إلى فلسطين والحركة الكمالية الماسونية اليهودية في تركيا عندما أودت بالخلافة الإسلامية وضعت الحجر الأساسي في تكوين الدولة اليهودية في فلسطين.
إن الحركات العلمانية واللادينية في الوطن العربي بل في العالم الإسلامي والتي استطاع بعضها أن يصل إلى سدة الحكم افتضح أمرها وبان زيف الشعارات التي ترفعها وتبين أنها تسير في خط متواز مع الحركة الصهيونية بل في خط متعاون في كثير من الأحيان رغم التناقض الظاهر والمفتعل.
لا يوجد حركة إسلامية تستحق هذا الاسم وتقبل بالاعتراف "بإسرائيل" أو تقر باغتصاب اليهود لفلسطين، وكل الحركات الإسلامية الحقيقية التي اضطهدت واعتقلت إنما كان ذلك بسبب معاداتها "لإسرائيل" واستعدادها للجهاد من أجل تحرير فلسطين، ولعل هذه الحركات لو غمضت النظر عن "إسرائيل" لما تعرض لها أحد لأنها بذلك تكون قد فقدت حيثية وجودها ويبدو ذلك واضحًا فيما يجري حولنا من ديار الإسلام.
إن قادة اليهود والمبشرين يربطون دائمًا بين بقاء "إسرائيل" وغياب الإسلام من حياة المسلمين، ولذلك نجد أن أحد قادة اليهود «بن غوريون» يقول إن أخشى ما يخشاه هو أن يستيقظ الإسلام في نفوس المسلمين، ونجد حاخامات اليهود يهتفون على أبواب المسجد الأقصى «محمد مات خلف بنات» وتجد قادة الكتائب في لبنان يردون على إحدى المكالمات اللاسلكية- على مسمع من قادة الصهاينة- عما يفعلونه في المدنيين في صبرا وشاتيلا فيكون الجواب: افعلوا ما يأمركم به الرب!! الرب الذي وصفوه بأنه «محبة» يأمر بقتل المسلمين جميعًا نساءً وأطفالًا وشيوخًا!! إن يقولون إلا كذبًا، وتعالى الله عما يفترون.
القضية إذن واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار فنحن لا نحمل الفلسطينيين فوق ما يطيقون ولكننا في نفس الوقت لا نريد لهم أن ينجرفوا إلى ما لا يريدون، ونحن نعلم حجم المؤامرة التي تحاك ضد قضيتهم ولكننا نقول لهم إن هناك بصيصًا من أمل بل الأمل كله بإذن الله في أن يضعوا يدهم بيد الحركة الإسلامية ونحن لا نعفي الحركات الإسلامية من المسئولية بل نطلب منها أن تبادر والظروف كلها مواتية فقد سقطت كل الشعارات غير الإسلامية وتبين زيفها ومطلوب من الإسلاميين أن يترجموا عقيدتهم إلى واقع وإلا فإن غضب الله سيشتد وستتكالب علينا الأمم أكثر وأكثر كما تتكالب الأكلة على قصعتها ونحن كثر فلا نكن غثاء كغثاء السيل.
إن أشبال الـ«أر بي جي» كانوا يهتفون مع كل قذيفة «الله أكبر» وكانت قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها معهم ولكن زمام أمرهم كان في يد أعدائهم وأموالهم كانت تستثمر لصالح من عاداهم وإرادتهم كانت مشلولة.
معالم الطريق :
وحتى لا نتوه في ثنايا الكلمات لا بد لنا من أن نحدد معالم الطريق للمسلمين جميعًا سواء كانوا فلسطينيين أو غير فلسطينيين، مقاتلين أو سياسيين، مفكرين أو رجال أعمال أو مربين أو عمال أو طلاب حكامًا ومحكومين.. لا بد أن نحدد معالم الطريق العزة والنصر فيما يلي :
إن الكفاح المسلح- ونعني الجهاد- هو وسيلة التحرير وهذا يستلزم القوة ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (سورة الأنفال: 60) ويستلزم الإيمان ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الروم: 47) ويستلزم الاعتماد على الله ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (سورة الطلاق: 3) ويستلزم الاعتقاد أن النصر في النهاية ليس بعدد ولا عتاد وإنما هو من عند الله ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ (سورة الأنفال: 10).
إن الجهود السياسية لن تؤتي ثمارها مع غياب القوة العسكرية والعقيدة الإيمانية ومع استبعاد الخيار العسكري وإفراغ الجهاد من مضمونه المسلح وطلب النصرة من أعداء الله أنصار العدو بل بالعكس ستؤدي هذه الجهود إلى التفريط في الحقوق والاكتفاء من الغنيمة بالسلامة التي لن تتحقق وبالندامة التي لا تجدي وخير لنا ألف مرة أن نموت ونحن نرفض العار على أن نعيش ونحن نقبل الدنية.
إن كل المكتسبات السياسية التي حققتها المقاومة الفلسطينية تصبح أثرًا بعد عين حين تعترف منظمة التحرير "بإسرائيل" وتقبل التعايش معها وإذا كان الوجود العسكري للمنظمة قد تشتت والبقية الباقية من قواتها تتعرض الآن للإبادة أو الشتات فإن الوجود السياسي للمنظمة يصبح شكلًا بلا مضمون وينتهي عمليًا بانتهاء الوجود العسكري ويصبح أشبه «بحكومة عموم فلسطين».
إن الحركة الفلسطينية يوم كانت تحت الأرض تؤدي واجبها ضد العدو الصهيوني كانت ترهب الأعداء وتثلج صدور الأصدقاء ولذلك ظلت المحاولات الخبيثة تسعى دون كلل حتى استطاعت أن تجعل للحركة الفلسطينية تواجدًا ثابتًا متميزًا خارج فلسطين مما سهل عملية ضربها وتصفيتها.
إن أخشى ما تخشاه القوى المعادية لفلسطين- وبالتالي للإسلام والمسلمين- هو أن تنتقل هذه الحركة للعمل تحت الأرض وبسرية تامة مطلقة بلا قوات ظاهرة ومكاتب معلنة، ورغم صعوبة هذا الأمر فإنه الأنجع والأكثر فعالية ضد اليهود في فلسطين وضد المؤسسات الصهيونية خارج فلسطين.كما أنه الأكثر أمنًا وأمانًا من الطعن من الخلف كما حدث ويحدث من الأوصياء غير الشرعيين الذين قصموا ظهر المقاومة في تل الزعتر وغيره.
إن رصاصة تنطلق على جندي "إسرائيلي"، أو لغمًا أسفل حافلة عسكرية، أو قذيفة تنطلق إلى دبابة، أو عبوة ناسفة تهدم ركنًا يقبع فيه أبناء صهيون أفضل من كل المباحثات والتصريحات والمناورات التي أثبتت أنها لا تجرنا إلا من تنازل إلى تنازل وإذا كان ثمن هذا العمل الجهادي المسلح هو إلغاء المكتسبات السياسية الوهمية فستحل بدلًا منها مكتسبات سياسية حقيقية وهي زعزعة الكيان اليهودي في فلسطين وإذا لم يقرر لهذا الجيل أن يحقق النصر فيكفيه أنه لم يفرط في الحقوق وأنه سلم الراية للجيل الذي يليه وهو مرتاح الضمير سليم الوجدان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل