; لا يكفي أن أقول إني مسلم | مجلة المجتمع

العنوان لا يكفي أن أقول إني مسلم

الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري

تاريخ النشر الثلاثاء 10-نوفمبر-1992

مشاهدات 50

نشر في العدد 1024

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 10-نوفمبر-1992

نشرت إحدى الصحف العربية مقالًا لأحد کتابها بتاريخ 17/4/1413هـ الموافق 13/10/1992م بعنوان «المعارضة: لماذا إسلامية؟».. ونظرا إلى أن المقال مليء بالأخطاء الفكرية والتاريخية والسياسية، فقد رأيت لزامًا علىّ أن أعقب عليه بما يعيد إلى الحقيقة نصاعتها، غير أني سأقتصر على بعض ما جاء في المقال، وسأترك الكثير من الأخطاء لحصافة القارئ وذكائه، لأنها من الوضوح بحيث يتبينها بمجرد قراءتها فلم أر أن أشغله بتحصيل الحاصل، قال الكاتب: «رحم الله أيامًا كانت كلمة معارضة فيها تنصرف فورًا إلى الشيوعيين والماركسيين والاشتراكيين، هؤلاء الذين كانوا يتهمون الحكومات بالرجعية وإعمال منطق وفكر العصور الوسطى، وكان من رجال الدين من نافق هذه المعارضة بمقولة انتشرت في ذلك الوقت، وهي أن الإسلام اشتراكية، وأن عمر بن الخطاب كان يساريًا وهو أول من طبق الاشتراكية، ينافقونهم لأنهم كانوا أقوياء تنظيميًا وإعلاميًا...إلخ».

لا أدري إذا كان الأخ هنا يريد أن يغالط أو يجهل الحقيقة، فهو يتجاهل أن الحكومات الثورية هي التي تصف الآخرين بالرجعية، وأن الشيوعيين واليساريين قد تسللوا إلى مؤسسات الحكم وأجهزة الإعلام في تلك الحكومات حتى سيطروا عليها، وأن من نافق من رجال الدين إنما كان ينافق الحكومات، وأن الذين قالوا إن الإسلام اشتراكي وإن عمر بن الخطاب يساري وأبو ذر زعيم اليسار المتطرف، وإن الصحابة كان منهم اليساري الثوري واليساري المعتدل واليميني المحافظ ليسوا رجال الدين، ولكنهم الماركسيون المسيطرون على أجهزة الإعلام ليضللوا الناس ويسيطروا على عقول السذج.. انظر مثلًا أعداد مجلة «الكاتب» المصرية التي كان يرأس تحريرها أحمد عباس صالح وما فيها من مقالات بعنوان «الصراع بين اليمين واليسار في الإسلام»، وانظر كتابات عبدالرحمن الشرقاوي وكتبه المختلفة تجدها كلها تصب في هذا المجال؛ وذلك حتى يبرروا ما كانت تقوم به الحكومات الثورية من مصادرات لأموال الناس وأملاكهم باسم التأميم والقضاء على الطبقية؛ حتى افتقر الأغنياء وازداد الفقراء فقرًا.

أما علماء الدين المخلصون فقد عارضوا هذه الممارسات ودعوا إلى العدالة الاجتماعية التي أتى بها الإسلام؛ لأن فيها الخلاص من كل الأمراض الاجتماعية، وناشدوا الشباب المخدوعين والمفتونين بالاشتراكية بأن يدرسوا إسلامهم على حقيقته وسيرون فيه طموحاتهم من غير كفر ومن غير نهب لأموال الناس، ففيه خير ما في الاشتراكية وليس فيه سيئاتها، وفيه خير ما في الرأسمالية وليس فيه سلبياتها.

وإذا كان قد عبر بعضهم بـ«اشتراكية الإسلام» فإنه نظر إلى الجانب الصالح في الاشتراكية، ورأي أنه لا مشاحة في الاصطلاح وذلك على غرار ما قاله الشاعر أحمد شوقي في قصيدته الهمزية التي مدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الاشتراكيون أنت إمامهم        

لولا دعاوى القوم والغلواء

 وقد قال ذلك أحمد شوقي قبل أن ترفع شعارات الاشتراكية وتأتي الأنظمة الثورية في العالم الثالث، كما أن هناك اشتراكيات في الغرب لم تكن فيها مصادرات لأملاك الناس ولا كبت لحرياتهم، وذلك الظلم الذي ساد في اشتراكيات الاتحاد السوفيتي والدول الشرقية ومن تابعهم من دول العالم الثالث، فهناك الاشتراكية الغابية کاشتراكية حزب العمال البريطاني واشتراكية دول إسكندنافيا، ولكن نحن المسلمين ربنا أغنانا بالإسلام عن كل ذلك، فلماذا نذهب نتسول المبادئ؟ فعدالة الإسلام إذا طبقت على يد المخلصين من أبنائه، فإنها ستحقق للمواطنين الحياة الحرة الكريمة، فيعيش المواطن في ظل عدالة الإسلام حرًا كريمًا، إذ على الدولة أن توفر له العمل المناسب، والعاجز عن العمل تتكفل به إن لم يكن له أقارب أغنياء، ولا مكان في المجتمع الإسلامي للكسالى وتنابلة السلطان، وما نراه اليوم في العالم الثالث من سوء الأحوال الاقتصادية ومعاناة الناس من الفقر والمرض لم يعهد في التاريخ الإسلامي، عندما كان الإسلام مطبقًا في حياة المسلمين، فبلاد مثل اليمن بعد وقت قصير من تطبيق حكم الإسلام فيها لم يجد عاملها معاذ بن جبل واحدًا يأخذ منه الزكاة، فاضطر أن يرسلها إلى خليفة المسلمين عمر بن الخطاب في عاصمة الخلافة (المدينة)، وفي أيام عمر بن عبدالعزيز لم يجدوا فقيرًا واحدًا يحتاج إلى الزكاة في أرض الخلافة.. ألا نعتبر هذه تجربة تثبت صلاحيتها؟

أين هذا مما نحن فيه الآن في كل أنحاء العالم؟ أليس في أمريكا اليوم وهي أغني دولة في العالم أعداد كبيرة من البشر يطحنهم الفقر؟ أليست في روسيا اليوم سوقًا رائجة في بيع الأطفال بسبب الفقر؟ فيباع الطفل بألف وخمسمائة روبل في بعض الأحيان، حتى إن الرائد فيكتور سوخوف من وزارة الداخلية الروسية صرح أن عدد الأطفال الذين يتم تهريبهم للخارج سيبلغ عشرين ألف طفل كل سنة في نهاية العقد الحالي، وأصبحت تجارة الأطفال في روسيا تنافس تجارة السلاح[1]».

هل هذه هي الجنة التي يعد بها الشيوعيون شعبهم؟ وفي البرازيل يقتل الأطفال المشردون بالرصاص من قبل رجال الشرطة المأجورين من جهة التجار الذين ضاقوا ذرعًا بأولئك الأطفال ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَة ضَنكا وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَعْمَىٰ﴾ (طه:124) ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا﴾ (الجن:16).

يقول الكاتب: «باجتهادي الشخصي الذي أحاول من خلاله الإجابة عن سؤالي الحائر: لماذا أصبحت المعارضة إسلامية؟ يقول لي إن المعارضة الحالية معارضة فقط وكفى، ولا يجب وصفها بالإسلامية، فكلنا مسلمون.. الحكام والمعارضة والمتفرجون، وليس من حق أحد أن يدعى وحده أنه المسلم وأن الباقي كفار أو مرتدون...إلخ».

صحيح أنه ليس لأحد أن يدعي أنه المسلم وحده، وأن الآخرين غير مسلمين، ولكن لا يكفى أن أقول إني مسلم وأترك القيام بواجبي نحو الإسلام، فهناك من يقوم بواجبه وهناك من لا يهمه أمر الإسلام في شيء، فالذي يقوم بواجبه يدعو إلى الإسلام ويدافع عنه ويكشف أعداءه وينصح الغافلين من المسلمين بمختلف الوسائل ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:104) وقال عليه الصلاة والسلام: «مَن رَأَى مِنكُم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيَدِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذلكَ أضْعَفُ الإيمانِ» (مسلم)، أما المتفرجون فليس لهم حق في أن يلوموا من قاموا بواجبهم نحو دينهم، بل عليهم أن يشكروهم ويقولوا لهم جزاكم الله عنا خيرًا، ومن أوجب الواجبات على المسلم أن يدعو إلى تحكيم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياة المسلمين، وليعلم كل أحد أن مما علم من الدين بالضرورة أن من وقف في وجه تطبيق شريعة الإسلام في المجتمعات أو دعا إلى إلغائها أو زعم أن هناك شرائع وقوانين خير منها وأفضل وجديرة بالتطبيق دونها فهو غير مسلم وإن ادعى الإسلام، وليس له أن يقول بعد ذلك لماذا تُكفّرون من اعتنق هذا المذهب؟ فلا يلوم من كفره وإنما عليه أن يلوم نفسه؛ لأن هناك نصوصًا قطعية في وجوب تطبيق شريعة الله على المسلمين لا تحتمل تأويلًا ولا تفسيرًا آخر.

ونورد هنا بعض تلك النصوص من آيات القرآن العظيم، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء:65)، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب:36) وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (النساء:60)، وقال: ﴿وَإِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحكُمَ بَينهُم إِذَا فَرِيق مِّنهُم مُّعرِضُونَ. وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلحَقُّ يَأتُوٓاْ إِلَيهِ مُذعِنِينَ. أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرتَابُوٓاْ أَم يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيهِم وَرَسُولُهُۥۚ بَل أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ. إِنَّمَا كَانَ قَؤلَ ٱلمُؤمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحكُمَ بَينَهُم أَن يَقُولُواْ سَمِعنَا وَأَطَعنَا وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلمُفلِحُونَ﴾ (النور:48-51)، وقال ﴿وَأَنِ ٱحكُم بَينَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِع أَهوَآءَهُم وَٱحذَرۡهُم أَن يَفتِنُوكَ عَنۢ بَعضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيك فَإِن تَوَلَّواْ فَٱعلَم أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعضِ ذُنُوبِهِم وَإِنَّ كَثِيرا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ. أَفَحُكمَ ٱلجَٰهِلِيَّةِ يَبغُونَۚ وَمَن أَحسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكما لِّقَومٖ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: 49-50).

وقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم تَعَالَواْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيتَ ٱلمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودا. فَكَيفَ إِذَآ أَصَٰبَتهُم مُّصِيبَة بِمَا قَدَّمَت أَيدِيهِم ثُمَّ جَآءُوكَ يَحلِفُونَ بِٱللَّهِ إِن أَرَذنَآ إِلَّآ إِحسَٰنا وَتَوفِيقًا. أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِم فَأَعرِض عَنهُم وَعِظهُم وَقُل لَّهُم فِيٓ أَنفُسِهِم قَولا بَلِيغا﴾ (النساء: 61-63).

وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:44) ﴿وَمَن لَّم يَحكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ (المائدة:45)، وقال: ﴿وَمَن لَّم يَحكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلفَٰسِقُونَ﴾ (المائدة:47).

هذه نصوص قطعية لا مجال لتأويلها ولا تجاهلها، فهي ملزمة للمسلمين بأن يقيموا حياتهم على أساس الإسلام، وأن يطبقوا شريعة الله في مجتمعاتهم، خاصة وهم في أمس الحاجة إلى أن ينقذوا مجتمعاتهم من الذل والهوان والفقر والظلم، فليس هناك طريق للتخلص من هذه الحال إلا طريق عدالة الإسلام.

يعيش في الغرب الآن أعداد كبيرة من المهاجرين من العالم الثالث وأكثرهم من المسلمين، شردتهم الأوضاع السيئة في بلدانهم، ويلاقون في الغرب الذل والهوان والتفرقة العنصرية، فبعضهم يُقتل في الشوارع للتخلص منهم بحجة تطهير مجتمعات الغرب من الطفيليات الاجتماعية، فما يحدث في فرنسا للجزائريين والمغاربة والإفريقيين، وما يحدث في ألمانيا للأتراك وغيرهم لا يخفى على أحد، وفي كثير من بلدان العالم الثالث تروج تجارة بيع الأطفال والرقيق الأبيض، وتزييف عقود وهمية للعمل في الخارج وهي في الواقع دعارة ونصب واحتيال.

قامت في دول العالم الثالث أنظمة تتسول المساعدات، ويذهب أكثرها إلى جيوب الجنرالات الذين يحكمون من وراء الستار أو يباشرون الحكم، فهم الوحيدون المنعمون في بلدانهم، يملكون الفلل والقصور والعمارات والأرصدة في البنوك في الداخل والخارج، بينما أفراد شعوبهم لا يكادون يجدون لقمة العيش، وقد تجسدت الكارثة في الصومال حيث قَتل زياد بري وعصابته هناك علماء الدين وأحرقوا وصفوا كل من يقوم بتوجيه النشء ويربيهم التربية الإسلامية، ونشر الإلحاد حتى أوجد جيلًا من الشباب بلا قيم ولا أخلاق، ولا يعرفون غير شهوة البطن والفرج، وهم الذين يتقاتلون الآن فيما بينهم، بينما شعبهم يموت جوعًا، وحتى مؤن الإغاثة استولوا عليها ومنعوها عن شعبهم، ومما يثير الضحك والسخرية أن يتخوف بعض العلمانيين والصليبيين من سيطرة الأصوليين الإسلاميين على الصومال، وينشرون الأكاذيب ويدسون الأخبار المزيفة مما يفضح حقدهم وعداوتهم لكل ما يمت للإسلام بصلة.

تعرض الأخ الكاتب لما يجرى في الجزائر ومصر بين الإسلاميين والحكومات، والواقع أن كل هذه الأحداث مؤسفة لا يرضاها مسلم، لكن يجب أن نكون منصفين وألا ندين أحدًا بمجرد الاستماع إلى وسائل الإعلام المنحازة لطرف من الأطراف، فلابد أن نتحرى الحقيقة امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُم فَاسِق بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡما بِجَهَٰلَةٖ فَتُصبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلتُم نَٰدِمِينَ﴾ (الحجرات:6).

ومن الإنصاف أيضًا ألا ندين المعارضة لمجرد أنها إسلامية كما فعل الأخ وكثير من الكتاب في الوقت الذي تراهم يناصرون المعارضة السودانية؛ لأنها غير إسلامية، ولأنها تطالب بعدم تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، فإذا كنا منصفين حقًا فعلينا أن نذكر أن الوضع في السودان الآن أحسن من الأوضاع التي سبقته، وقد تواترت الأخبار عن حكام السودان اليوم بأنهم من أخلص الحكام لشعبهم، يعملون ليل نهار في أوساط الشعب لحل مشاكله، ومع ذلك يتعرضون للهجوم من جانب الإعلام الغربي ومن بعض الصحف العالمية والعربية، وكل ذنبهم أنهم منعوا الخمور والدعارة وأقاموا حدود الله في بلادهم، وحاربوا المتمردين في الجنوب بجدية وإخلاص، وطردوا الذين يخلقون الفتن من الرهبان وعملاء المخابرات الأجنبية، ولا نقول هذا دفاعًا عنهم، ولكن هذه هي الحقيقة التي سمعناها من الثقات من السودانيين، ومن العرب أهل الصدق والثقة الذين ذهبوا إلى السودان ورأوا الأوضاع بأعينهم، ولا شك أن أخبار أهل الصدق والدين ليست كأخبار أهل الفسق والفجور، كما يلاحظ أن عدم الإنصاف ومحاولة طمس الحقائق هو السمة الغالبة عند المثقفين والصحافيين العرب وإلا فما بالهم يتجاهلون بطلًا عربيًا يعيش في سجون إسرائيل، وهو أحمد ياسين زعيم حماس، رجل مشلول ومقعد، وقد أصابه العمى الآن في السجن، فلا تكاد تقرأ عنه شيئًا في الصحف إلا عرضًا، ذلك لأنه إسلامي ويتزعم منظمة إسلامية، ولو كان علمانيًا أو شيوعيًا لرأيت الصحف والوكالات في كل صباح ومساء تتحدث عنه، ولرأيت منظمات حقوق الإنسان واتحاد المحامين العرب لن ينفكوا عن إصدار البيان تلو البيان بخصوصه.

مع الأسف إن الجحود ونكران الجميل قد أصبح صفة وخلقًا لأكثر المثقفين في هذا الجيل.

ما يشكر عليه الأخ في مقاله هو أنه لم ينس أن يذكر المستشفيات الإسلامية الخيرية، والمدارس الإسلامية التي تقوم بخدمات جليلة في المجتمع في مجالها واعترافه بذلك، ولعل الأخ لا يعرف أن هذه المشاريع إنما قام بها أفراد ومنظمات إسلامية، وإلى عهد قريب كانت المستوصفات والمدارس الإسلامية منتشرة أكثر مما هي الآن، وكانت تقام بجهود ذاتية لا دخل للحكومات فيها، ولما جاءت الأنظمة الشمولية قضت على كل المبادرات الشعبية، وانتشرت في الناس روح الاتكالية، كما انتشر الفساد والتسيب، وانعدمت روح المسؤولية.

ولا يفوتني هنا أن أذكر أن التاريخ الإسلامي قد بين لنا كيف أنه قد كانت هناك أوقاف لكل جهة نفع عام للتعليم وللفقراء وللمرضى وحتى للحيوانات الضالة.

إن في إسلامنا كل ما نريد من خير لهذه الأمة وفيه عزتنا وكرامتنا، وإن تخلينا عنه وتنكرنا له هو الذي جعلنا نتخبط في كل مجال، تخبطنا في اقتصادنا فأثقلتنا الديون، وأذلتنا المساعدات التي نطلبها في كل وقت وحين، وتخطبنا في سياستنا فأقمنا في وقت ما سميناه بجبهة الصمود والتصدي وسرعان ما انقلبت إلى جبهة الخنوع والتردي، وها نحن الآن في حالة تثير الرثاء والألم ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 ___________

 [1]) انظر: جريدة الحياة العدد (1018) بتاريخ 12/ 10/ 1992م.

الرابط المختصر :