; يتطلب تحقيق العدل والمساواة بين المواطنين على اختلاف انتماءاتهم الثقافية والحضارية.. المشروع الأوروبي المتعطل.. ومحاولات ترتيب البيت من الداخل | مجلة المجتمع

العنوان يتطلب تحقيق العدل والمساواة بين المواطنين على اختلاف انتماءاتهم الثقافية والحضارية.. المشروع الأوروبي المتعطل.. ومحاولات ترتيب البيت من الداخل

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر السبت 18-يونيو-2005

مشاهدات 59

نشر في العدد 1656

نشر في الصفحة 38

السبت 18-يونيو-2005

لواختار شيراك الخيار البرلماني لكان التصويت لصالح الدستور بنسبة تفوق ٨٠%

بعد الاستفتاء.. البرلمان الفرنسي بتشكيلته الحالية لا يمثل الصورة الصادقة لإرادة الشعب 

 

لم يكن متوقعًا أن مشروع الدستور الأوروبي سيصاب بنكسة كبيرة وأن يكون المتسبب في عطل المشروع أحد الأقطاب المحركة، حين عبر غالبية الفرنسيين بنسبة ٥٤,٨٧% في استفتاء يوم ٢٩ مايو الماضي عن رفضهم، تبعه استفتاء هولندي في الأول من يونيو الجاري انتهى برفض بنسبة أكبر من (٦٢%)، تبعه القرار البريطاني بتجميد الاستفتاء تخوفًا من النتيجة.

تبع ذلك دعوة وزير الإصلاح في الحكومة الإيطالية روبارتو كالديرولي إلى التراجع عن عملة اليورو واقتراح ربط عملة تسمى ليرة بالدولار مما زاد الأمر تعقيدًا والمستقبل غموضًا والموقف الرسمي حيرة. فأين الخلل؟ ولماذا وصل الأمر إلى هذه النتيجة؟ وما الإشكاليات التي تثيرها مثل هذه التطورات على المستوى الأوروبي؟

الخوف من المستقبل

يبدو أن الخلل الكبير يتمثل في سوء تقدير صناع القرار الأوروبي لهاجس الخوف الذي تعيشه مجتمعاتهم، فقد مرت سنوات الرفاه وبحبوحة العيش التي كانت تفخر بها أوروبا الغربية خاصة، ومنذ سقوط جدار برلين والتقارب بين شطري أوروبا الشرقي والغربي بدأت تتكشف الثغرات على خلفية أزمة اقتصادية أفرزت أزمة اجتماعية أخلاقية، نتج عنهما تراجع مصداقية السياسيين بمختلف انتماءاتهم الأيديولوجية، في الوقت الذي برزت تيارات سياسية متشددة تدعو إلى الانكماش على الذات وعدم قبول الآخر، خاصة المهاجرين وبالتحديد الأقليات من ذوي أصول إسلامية، وتعقد الوضع بدخول معطى جديد تمثل في هجمة العولمة على النمط الأمريكي، وشعور الأوروبيين بتراجع الوزن الأوروبي في العالم واضطرارهم لمسايرة الإرادة الأمريكية.

وكانت ردة فعل صناع القرار.. الاندفاع نحو

ترسيخ الكيان الأوروبي من الداخل في عصر التكتلات والمنافسة القوية من الشرق والغرب. وبدأت ملامح المشروع الأوروبي تتشكل يومًا بعد يوم بداية من فتح الحدود بين دول الاتحاد الأوروبي لحرية تنقل الأشخاص في ظل معاهدة تشينجن، إلى اعتماد اليورو عملة موحدة، ثم توسيع الاتحاد الأوروبي ليصبح ٢٥ دولة، إلى إقرار مشروع دستور أوروبي، والاستعداد لفتح مفاوضات مع تركيا حول انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، ولكن هذه الأشواط كانت تقطع بقرارات سياسية تحت ضغوط التطورات العالمية، في حين أن الرأي العام لم يواكب هذه التحولات بل كان يعيش تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية على حياته اليومية بشكل مختلف عن منظور صناع القرار الاستراتيجي.

فقد تسبب اعتماد اليورو في نقص المقدرة الشرائية نتيجة غلاء الأسعار بشكل غير متوقع ولم تتراجع نسبة البطالة في البلاد الأوروبية الجاذبة لهجرة العمالة، ففي هولندا مثل فرنسا كانت مسألة البطالة- المرتبطة في الذهنية الأوروبية باكتساح المهاجرين فرص العمل- من المواضيع التي ركزت عليها العديد من الأطراف المعارضة للدستور. وإذا كانت الأنظار تتجه سابقًا إلى العمال من أصل عربي- مسلم، فإن الخوف اليوم من فتح الأبواب على مصراعيه للعمالة القادمة من أوروبا الشرقية، أو المنافسة بشكل غير مباشر للعمالة في عقر دارها، وذلك بعدما تبين أن بعض الشركات الأوروبية الغربية قررت تحويل مراكز إنتاجها إلى أوروبا الشرقية للاستفادة من العمالة الرخيصة.

الهاجس الإسلامي

إلى جانب البعد الاقتصادي الاجتماعي في الخوف من المستقبل، لا يمكن إغفال الخلفية الإسلامية في الاستفتاء الحاصل في كل من فرنسا وهولندا، وذلك في الاتجاهين والمقصود بذلك نظرة الرأي العام الأوروبي لعلاقة الكيان الأوروبي بالمسألة الإسلامية من ناحية، وتفاعل الأقليات المسلمة- أو ما يمكن تسميته بالمجتمع المسلم في أوروبا- مع طبيعة تعامل السياسة الأوروبية بشأن الملف الإسلامي من ناحية أخرى. إن مسألة الهاجس الإسلامي أو الخوف من الحضور الإسلامي كان جليًا في الحملة الانتخابية بشأن الاستفتاء. ويعتبر موضوع الهوية من القضايا الحساسة التي تبني عليه بعض الأطراف موقفها من كل التحولات في أوروبا، ولعل النقاش الطويل حول هذه المسألة خلال كتابة الميثاق الأوروبي برئاسة الرئيس الفرنس السابق فاليري جيسكار ديستان- دليل على وجود هاجس وتخوف من تنامي الحضور الإسلامي في أوروبا الذي يرى فيه البعض تهديداً للهوية المسيحية لأوروبا، وتزعم الموقف المتشبث بالهوية الدينية المسيحية كل من بولندا والبابا الراحل بولس الثاني ورئيس الحكومة الإيطالية برلوسكوني، وفي الأخير انتصر الموقف المعارض لهذا التوجه، حيث جاء في أول فقرة لمقدمة الدستور أنه تم الاستلهام من أصناف الإرث الثقافي والديني والإنساني لأوروبا التي انطلقت منها وتنامت القيم الكونية، وهذا يعنى الاعتراف ضمنياً بالعطاء الحضاري الإسلامي في أوروبا ضمن جملة العطاءات الثقافية والحضارية الأخرى.

وخلال الحملة الانتخابية للاستفتاء على الدستور في هولندا، ارتفعت لدى بعض الجهات العنصرية نبرة التخويف من الإسلام والمسلمين الإسلاموفوبيا عبر استغلال حادث اغتيال المخرج السينمائي الهولندي فان جوخ من قبل أحد أبناء الجالية المسلمة يوم ٢٠٠٤/١١/٢م. 

وفي فرنسا، أصرت بعض الجهات الحزبية مثل فيليب دو فيليه على ربط معارضة الدستور الأوروبي بمعارضة التحاق تركيا المسلمة بالكيان الأوروبي، تجدر الإشارة إلى أن هذا الموقف ليس جديدًا بل طرح في السابق في العديد من المناسبات آخرها توسيع الاتحاد الأوروبي من ١٥ إلى ٢٥ دولة في الوقت الذي صعد فيه نجم تركيا وزادت العلاقة التركية الأوروبية على المستوى الرسمي، وما صحب ذلك من ردود فعل وإثارة بعض الأطراف السياسية للتخوفات من أخطار انضمام دولة مسلمة ذات وزن سكاني «ديمجرافي» ثقيل (۷۰) مليونًا إلى الكيان الأوروبي، وإحياء الذاكرة الأوروبية وبالتحديد هاجس الخوف التاريخي من الإمبراطورية العثمانية التي وصلت جيوشها الفاتحة إلى أسوار فيينا ومنطقة البلقان.

سوء التقدير

ونتيجة ذلك لم يعد الخطاب الرسمي حول المشروع الأوروبي في بعض البلاد الأوروبية مثل فرنسا مقنعاً للرأي العام، وكان الاستفتاء فرصةلهذا الأخير للتعبير عن موقفه الرافض لمشروع دستور أوروبي لم يستوعب تعقيداته وخلفياته  وأبعاده.

وبالنسبة للحالة الفرنسية، فإن سوء التقدير جاء منذ اللحظة التي اتخذت فيها جهة القرار خيار الاستفتاء الشعبي بدلًا من خيار المصادقة البرلمانية، وذلك لأن قرار الاستفتاء يستوجب توافر ضمانات كافية لقبول شعبي بالدستور. لكن هناك العديد من المؤشرات لوجود أخطار في حال المغامرة بقرار الاستفتاء، وعلى رأسها استغلال أطراف سياسية ونقابية هذه الفرصة الذهبية لمعاقبة حكومة الوزير الأول السابق رافاران، وربط الاستياء السائد من سياسة الحكومة بالتطورات الأوروبية مع التركيز على التوجهات الليبرالية للدستور الأوروبي.

ثم إن الرأي العام الفرنسي ارتبكت مواقفه نتيجة وجود انقسامات داخل الأحزاب الكبرى نفسها في الموقف من الدستور الأوروبي بين مؤيد ومعارض، فقد خالفت بعض العناصر المعروفة من الأحزاب اليمينية التقليدية موقف أحزابها المؤيد 

للدستور، ونفس الشيء حصل داخل الحزب الاشتراكي ولكن على مستوى أعلى، حيث خرج فابيس أحد أقطاب هذا الحزب عن موقف حزبه المؤيد للدستور، بل إنه أكد في العديد من التصريحات أن معارضته ليست لأوروبا وإنما للتوجهات الليبرالية مع الدعوة إلى أوروبا ذات بعد اجتماعي، ويلتقي في ذلك مع الأحزاب اليسارية التي صبت جام غضبها على الدستور الذي اعتبرته خادمًا لأرباب العمل وأصحاب الثروات، والتقت هذه الأطراف الرافضة مع موقف حزب أقصى اليمين الذي يتزعمه جون ماري لوبان، في تحالف غير عادي ضد الدستور الأوروبي.

وربما يعود سوء التقدير إلى اطمئنان الجهات الرسمية الفرنسية إلى ثقة مبالغة - فيها نوع من الغرور في الدور الفرنسي المحرك للوحدة الأوروبية، ومحاولة إبراز ذلك للرأي العام الأوروبي والدولي عن طريق خيار الاستفتاء، حتى يقال إن الشعب الفرنسي وراء قيادته فيما يتعلق بملف الوحدة الأوروبية. واختيار ديستان لرئاسة الميثاق الأوروبي الذي أنجز الدستور لم يكن من باب الصدفة وإنما يندرج في هذا الباب. والاستفتاء غير المضمون النتائج في محطة ذات أبعاد تاريخية فيه جانب من المغامرة في ظل أجواء اجتماعية متوترة وتخوفات من المستقبل.

ثغرات الديمقراطية

الجدير بالاهتمام ما حصل بعد التصويت برفض الدستور في فرنسا. فالصدمة كانت كبيرة للعائلات السياسية الكبرى ولجهة القرار التي راهنت لآخر لحظة على التصويت بنعم. ولكن المفاجأة كانت أكبر من التوقعات، حيث كانت نسبة المشاركة والتفاعل عالية، ونسبة التصويت بالرفض مرتفعة أيضاً، ويعني ذلك وجود فجوة بين الرأي العام وأصحاب القرار، الأمر الذي يفسر مطالبة المعارضين للدستور الأوروبي في فرنسا باستقالة الرئيس الفرنسي أو على الأقل حل البرلمان الفرنسي وإعادة الانتخابات التشريعية حتى تكون تشكيلة البرلمان أكثر مصداقية وأكثر تجانسا مع إرادة الشعب، وكان جواب الرئاسة بالاكتفاء بتحوير وزاري وتنصيب دوفيليان مكان رافاران في رئاسة الحكومة.

وتقود هذه التطورات إلى استخلاص مسألة وهي أن الديمقراطية بالنمط الغربي- على الرغم من أهميتها كنظام لتسيير الشأن العام- أثبتت مرة أخرى تناقضاتها الداخلية بين ما ترنو إليه وبين تنزيلها على أرض الواقع، بما لا يؤهلها لتكون النموذج الأمثل في التعبير عن إرادة الشعوب. فلو اختار شيراك لمصادقة بلاده على الدستور الأوروبي الخيار البرلماني لكان التصويت لفائدة الدستور بنسبة تفوق ٨٠% باعتبار الأغلبية التي يمتلكها اليمين الحاكم في المجلس الوطني، في حين أن الاستفتاء الشعبي انتهى برفض الدستور بنسبة ٥٤ %، الأمر الذي يعني أن البرلمان بتشكيلته الحالية لا يمثل الصورة الصادقة لإرادة الشعب على الرغم أن النواب منتخبون باقتراع حر ومباشر من طرف الشعب.

مراجعة الذات

وبعد مرور الصدمة، دخلت أوروبا مرحلة مراجعة الذات والبحث عن حلول لتقريب الفجوة بين الرأي العام والجهات الحاكمة، والحديث يدور داخل المؤسسات الأوروبية حول كيفية تجاوز هذه العقبة حتى لا يجهض المشروع الأوروبي، بإعادة النظر في مواطن الخلل خاصة ما يتعلق بالضمانات الاجتماعية وتقاسم الثروات وتساوي الفرص، ويبدو أنه لم تتوافر بعد كل المقومات الضرورية للدور الذي يطمح إليه القادة الأوروبيون ومن ورائهم قوى المجتمع المدني لتكون أوروبا مركز نقل استراتيجي في السياسة العالمية. وأول خطوة لتحقيق هذا الدور تكون بترتيب البيت من الداخل ليس فقط في بعده السياسي الإقليمي، وإنما قبل ذلك بضمان العدل والمساواة بين كل المواطنين باختلاف مستوياتهم الاجتماعية وانتماءاتهم الثقافية والحضارية.

الرابط المختصر :