; من مقومات النشاط الاقتصادي قبل وجود البشر على الأرض | مجلة المجتمع

العنوان من مقومات النشاط الاقتصادي قبل وجود البشر على الأرض

الكاتب د. أشرف دوابه

تاريخ النشر الأربعاء 31-أغسطس-2022

مشاهدات 72

نشر في العدد 2171

نشر في الصفحة 41

الأربعاء 31-أغسطس-2022

اقتصاد إسلامي

نظرات اقتصادية في سورة «البقرة» (4)

الله سخر الكون بما فيه للإنسان لتعميره وجعل عطاء الربوبية من منافعه للمؤمن والكافر

الرزق للذين آمنوا وعملوا الصالحات ليس في الدنيا فقط بل في الآخرة أيضاً

غاية الاقتصاد هي سعادة الدنيا التي تكون بصحة الجسم والروح وأدب النفس التي يرشد إليها الدين

 

 

د. أشرف دوابه

أستاذ التمويل والاقتصاد بجامعة إسطنبول صباح زعيم 

 

تناولنا في الحلقة السابقة حال المنافقين بشرائهم الضلالة بالهدى واستحبابهم الغي على الرشد، فلم يحققوا ربحاً، ولم يعرفوا للهداية سبيلاً، وقد انتقلت الآيات بعد ذلك لبيان الغرض  من الخلق مع ربط ذلك ارتباطاً وثيقاً بدورة النشاط الاقتصادي من إنتاج وتوزيع واستهلاك.

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {21} الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ {22} وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ {23} فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) (البقرة).

هذه الآيات تعكس وحدة الخالق لكل الخلائق ووحدة الكون وتناسق وحداته للحياة والأحياء، وفيها دعوة للناس جميعاً أن يعبدوا خالقهم وخالق من أتى من قبلهم، فالناس حياتهم  فانية والباقي هو الله وحده، وثمرة العبادة هي التقوى التي يتسم بها المتقون الذين تناولتهم السورة في آياتها الأولى، وتحقيقاً للعبادة وثمرة التقوى سخر الله الكون بما فيه  للإنسان لتعميره، ولفت انتباه خلقه إلى أن عطاء الربوبية من منافع الكون لمؤمنهم وكافرهم فهو خالقهم وضامن رزقهم وحياتهم، فإن قدروا هذه النعم المسخرة لهم وآمنوا بالله وعبدوه حلت بهم بركة عطاء الألوهية في الدنيا والآخرة.

وقد عكست الآيات السببية في كون الله ونعمه الظاهرة والباطنة، فهو الذي بسط الأرض ومهدها وذللها وجعلها صالحة للافتراش للإقامة عليها بصورة تحقق الراحة للبشر، وجعل  السماء سقفاً متماسكاً متيناً، وسوَّى أجرامها وأمسكها بسُنة الجاذبية فلا تقع على الأرض، فهي محفوظة بحفظ الله سبحانه بما يحقق الثقة والطمأنينة للإنسان. 

كما صورت الآيات صورة بديعة لحركة النشاط الاقتصادي قبل وجود البشر على الأرض بما ييسر لهم سبل العيش، ومنحهم ما ينفعهم وما يحتاجون إليه بما يصلح حياتهم ويضمن استمرارها؛ من نزول الماء من السماء فإنتاج الثمرات وتوزيعها أرزاقاً للعباد، وبذلك يعي الإنسان قيمة الرزاق، فالزارع يزرع ويتعهد زرعه بالسقي والرعاية، ولكن الإنبات والرزق منه سبحانه وتعالى وحده، فليس للإنسان كسب في إنزال المطر الذي يسقي به، ولا في تغذية النباتات بالماء، وهو ما يفتح باب التفكر في هذه النعم وتعظيم المنعم فلا نعبد معه أحداً. 

لقد انتقلت هذه الآيات من نعمة الخلق والإيجاد إلى نعمة الفراش والمهاد، ونعمة السماء كالبناء، ثم إلى نعمة الأمن الغذائي الذي به تقوم الحياة، وكل ذلك يدل على وحدانية الله  تعالى في تسيير هذا الكون بهذا الإبداع، (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) (الأنبياء: 22)، وهذا درس بليغ لترك الأنداد من بشر وحجر ومال وسلطة وغيره، والإقرار بوحدانية الله ونعمته في قدرته وقوته وخلقه وذاته وصفاته، واستحقاقه وحده لا شريك له  بالعبادة، واليقين الكامل بأنه لا رزق إلا منه وبأمره. 

كما دلت هذه الآيات على أن الله تعالى أغنى الإنسان عن كل مخلوق، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم، مشيراً إلى هذا المعنى: «والله لأن يأخذ أحدكم حبله، فيحتطب على ظهره،  خير له من أن يسأل الناس أحداً، أعطاه أو منعه» (رواه مسلم)، وقد ذكر القرطبي أنه يدخل في معنى الاحتطاب جميع الأعمال من الصنائع وغيرها، فمن أحوج نفسه إلى بشر مثله بسبب الحرص والأمل والرغبة في زخرف الدنيا، فقد أخذ  بطرف من جعل لله نداً.

وبعد ذلك توجهت الآيات إلى تحدي المشركين بأن يأتوا بسورة من مثل هذا القرآن، ودعت لاتقاء النار التي وقودها الناس والحجارة، ولفتت النظر إلى أن الرزق للذين آمنوا وعملوا  الصالحات ليس في الدنيا فقط بل في الآخرة أيضاً، والعمل الصالح يتسع ليشمل كل شيء مباح ونافع، فالصالحات جمع صالحة وضدها الفساد؛ (وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ  فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة)، ورزق الآخرة في ثمراته يشبه رزق الدنيا في شكل ثمراته، ولكن يختلف في طعمه، فشتان ما بين لذة رزق الدنيا ورزق الجنة.

وقد اتجهت الآيات بعد ذلك لبيان قيمة ومكانة ضرب الأمثال للتقريب والبيان، ولله المثل الأعلى؛ (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ {26} الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (البقرة). 

إن ضرب الأمثلة يقرب الصورة ويزيدها وضوحاً، وهو من أشد الأساليب تأثيراً في النفس وإقناعاً للعقل، والله عز وجل لا يستحيي أو يستنكف أن يضرب مثلاً بأضعف المخلوقات وهي  البعوضة وما فوقها أو ما هو أقل حجماً منها.

وقد حذرت الآيات من ضلال الفاسقين الخارجين عن نطاق الطاعة والحق، وهداية الله في سننه في خلقه، فهم لا يعرفون سوى نقض العهود، وقطع وترك ما أمر الله به أن يوصل،  والإفساد في الأرض، فهؤلاء هم الخاسرون بفطرتهم المنحرفة التي لا تحترم عهداً ولا تستمسك بعروة ولا تتورع عن فساد؛ «خسروا بمعصيتهم الله حظهم من رحمته كما يخسر الرجل  في تجارته بأن يوضع رأسماله في بيعه»، كما ذكر ابن كثير، فلا سعادة لهم ولو كثرت أموالهم ودانت لهم ملذات الدنيا وشهواتها، فآلات الفساد التي تنخر حياتهم تنغص عليهم أكثر  ملذاتهم، وتجعلهم أسرى الأمراض الجسدية والنفسية، فسعادة الدنيا -التي هي غاية الاقتصاد- تكون بصحة الجسم والعقل والروح وأدب النفس التي يرشد إليها الدين. 

وفي هذا الآيات دعوة لنبذ الفساد والسعي للإصلاح والوفاء بالعهود وتحقيق الربحية، وهو الأمر الذي يحقق الثقة لأي اقتصاد ويحول دون خسران الدنيا والآخرة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 14

139

الثلاثاء 16-يونيو-1970

مع القراء- العدد 14

نشر في العدد 285

95

الأربعاء 04-فبراير-1976

من شذرات القلم (العدد 285)

نشر في العدد 729

76

الثلاثاء 13-أغسطس-1985

الجوانب الروحية للحج