; دور اليهوديّة والماسونية في الانقلاب العثماني ١٩٠٨ | مجلة المجتمع

العنوان دور اليهوديّة والماسونية في الانقلاب العثماني ١٩٠٨

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الاثنين 01-يناير-1979

مشاهدات 66

نشر في العدد 426

نشر في الصفحة 15

الاثنين 01-يناير-1979

• لم يتمكن اليهود من تحقيق أحلامهم زمن عبد الحميد... فكان الانقلاب

نشرنا في العدد الماضي قسمًا من الوثيقة السرية التي أرسلها السفير الإنكليزي في القسطنطينية إلى وزير الخارجية البريطانية في رسالة علم ۱۹۱۲، وقد اتضحت فيها معالم اللعبة الماسونية اليهودية  في محاولة السيطرة على المنطقة الإسلامية عبر محافلها وتغلغلها في مراكز النفوذ بغية القضاء على الخلافة الإسلامية، والوصول إلى الحلم اليهودي الكبير، وبين هذا انقسم أيضًا محاولات الماسونية اللعب بواسطة المحافل بالأقطار الإسلامية المنبئة في القسطنطينية وبلاد الشام، ومصر، كما تشير الوثيقة إلى أهداف الماسونية واليهودية في تحطيم الشريعة الإسلامية ومحاولة هدم أسسها... فضلًا عن أمور أخرى يحرص المجتمع على أن يطلع عليها كل مسلم.

•السلطان عبد الحميد حارب الماسونية بشدة لأنه اعتبرها جمعية سياسية خطرة...

وبالإضافة إلى المحافل الماسونية التي ذكرناها فيما تقدم، أنشئت المحافل التالية أسماؤها في المدة بين سنتي (۱۹۰۹و ۱۹۱۰) «الوفاء الشرقي»، و«الاصدقاء الحميمون للاتحاد والترقي» و «نهضة بيزنطة» و«الحقيقة» والوطن، والنهضة وفرع من محفل «نهضة مقدونيا»، و«الفجر»، وهو اسم لا يخفى على الباحثين في السياسات السرية المصرية. ويبدو أن جميع هذه المحافل الماسونية، مثل شبكة المحافل الماسونية في سالونيكا ومقدونيا، كان يقودها، أو يخطط لها اليهود، إذ كان الأرمن واليونانيون وغيرهم من المسيحيين المحليين غير ممثلين فيها تمامًا تقريبًا، إن لم يكونوا مبعدين عنها. وسبق وذكرت فيما تقدم الأمير سعيد حليم المصري، فقد قام هذا الأمير، وأخوه عباس حليم والأمير عزيز حسن، وغيرهم من المصريين الذين دفعتهم كراهيتهم العنيفة لسمو الخديوي إلى العمل مع جمعية الاتحاد والترقي وإلى تقديم المساعدات المالية لها. والطريقة التي تم بها ارتباط ماسونية أعضاء تركيا الفتاة والتي أدخلت إلى العاصمة بوساطة سالونيكا، بالماسونية المصرية عرضة للتيارات المتعارضة التي تسود السياسة على سواحل البسفور، وهي لا تخلو من غموض واضطراب. والماسونيون أنفسهم يقدمون روايات متناقضة عما حدث بالفعل.

كان إدريس بك راغب، رئيس المحفل المصري الأعظم، الذي يقال بأنه معترف به من قبل المحفل الاسكتلندي الأعظم، المؤسس والمهيمن على عدد من المحافل الماسونية في مصر وسوريا وفلسطين ولبنان، وفي لبنان تطالعنا ظاهرة غريبه ألا وهي انتماء عدد كبير من الروم الكاثوليك إلى الماسونية.

وكذلك اسم محمد أورفي باشا عددًا من المحافل الماسونية في مصر والقدس وجنوب سوريا، وكان يطمح إلى إدخال المحافل الماسونية في-  منظومته- وقدم إلى القسطنطينية في ربيع سنه ۱۹۰۹ لهذه الغاية، ولكنه اصطدم ببعض الصعوبات، فلما حدث تمرد وحدات الجيش في يوم ۱۳ نیسان ۱۹۰۹ اعتراه الخوف، فعاد مسرعًا إلى مصر. وقبل مدة من وقوع تلك الأحداث خول إدريس راغب الأمير عزيز حسن، الذي كان قد بلغ المرتبة السابعة عشرة في المحفل الماسوني الإيطالي في الإسكندرية، أن يسعى لضم المحافل الماسونية في القسطنطينية إلى المحفل المصري الأعظم. وقد بدأت المفاوضات بعد مدة من دخول العساكر المقدونية التي كان يقودها، ويوجهها الماسونيون، إلى العاصمة، والتي تم على يدها خلع السلطان عبد الحميد الذي كان يعارض الماسونية معارضة شديدة؛ لأنه كان يعتبرها جمعية سرية سياسية خطرة.

وقد استحصلت الموافقة الضرورية من محفل الشرق الأعظم الإيطالي؛ فرفع الأمير عزيز حسن بفضل موافقة خاصة صدرت عن المجلس الماسوني الأعلى البلجيكي بوساطة يوسف بك السكاكيني، إلى الدرجة الثالثة والثلاثين، وخول الصلاحيات لإنشاء محفل الشرق الأعظم لتركيا، حدث هذا في شهر تموز، أو شهر آب، من سنة ۱۹۰٩، وجعل محمد طلعت بيك، وزير الداخلية الرئيس الأعظم لهذا المحفل ويتبين مما تقدم أن انتصار القوات المقدونية على عبد الحميد في أذار ۱۹۰۹، واحتلالها القسطنطينية، كان يعني انتصار الماسونية المستوحاة من إيطاليا على المحفل الماسوني الأعظم في مصر المعترف به من قبل بريطانيا. وقد انضمت جميع المحافل الماسونية في القسطنطينية بالتدريج إليه، وكذلك فعلت المحافل الماسونية في مقدونيا. وتقرر أن تخضع جميع المحافل الماسونية العثمانية في سوريا، ومصر، وغيرها لمحفل الشرق الأعظم العثماني. وعاد الأمير حسن، وبرفقته يوسف السكاكيني، إلى مصر لتحقيق هذه الغاية. ولكن إدريس بك راغب، وأخرين، كانوا يعارضون الفكرة. ويرون أن مصر ولبنان، بما أنهما إقليمان يتمتعان بامتيازات خاصة يجب أن يكونا مستقلين كذلك حتى فيما يتعلق بالماسونية «السياسية» وعلى هذا انفصل الأمير حسن عن إدريس راغب، الذي كان قد أرسله إلى القسطنطينية، وعين محمد فريد الزعيم الوطني المصري ممثلًا في مصر لمحفل الشرق العثماني الأعظم، وذلك وفقًا للتعليمات التي زوده بها طلعت بك الأستاذ الأعظم لمحفل الشرق العثماني الأعظم. وأقيمت حفلة التنصيب في محفل ماسوني في طنطا. وقد عارض بشدة تعيين محمد فريد في هذا المنصب الماسوني الرفيع خليل حمادة باشا، وشاهين مكاريوس صاحب جريدة المقطم، وغيرهما من الماسونيين المصريين البارزين، الذين لم يكونوا يتعاطفون مع الوطنيين. وشجب سمو الخديوي كذلك هذه الخطوة التي تربط برابطة الماسونية الوطنيين المصريين بجمعية الاتحاد والترقي. ولكن تعيين محمد فريد بعد أن تم لم يعد بالإمكان إلغاؤه. واقترح خليل حمادة باشا علاجًا للمشكلة وذلك بإنشاء محفل الشرق الأعظم العثماني خاص بمصر، مستقل عن محفل القسطنطينية، مع النص بصراحة على أن لا يكون فيه محمد فريد لا أستاذًا أعظم ولا أستاذًا موقرًا. وبإنشاء محفل الشرق الأعظم العثماني في مصر وتنصيب رئيسه الأعظم؛ يصبح تعيين محمد فريد ممثلًا في مصر لمحفل الشرق الأعظم العثماني الذي مركزه القسطنطينية ملغيًا في الواقع وخليل حمادة باشا هو الآن في القسطنطينية يحاول إقناع كاراسو- النائب اليهودي في البرلمان العثماني، والأستاذ الموقر في المحفل الماسوني الإيطالي في سالونيكا- باستخدام مساعيه الحميدة مع طلعت بك للحصول على موافقته على الخطة المبينة فيما تقدم. والأمير عزيز حسن، ومحمد فريد هما أيضًا في طريقهما إلى القسطنطينية، وعندما نفى طلعت بك صحة خبر تعيين محمد فريد ممثلًا في مصر عن محفل الشرق العثماني الأعظم، وعندما صرح بأنه وزملاءه في جمعية الاتحاد والترقي لا يمكن أن يرتكبوا مثل هذه الحماقة، فالظاهر أنه كان يكذب متعمدًا؛ وربما كان ذلك تحت ضغط المواثيق المأخوذة من أعضاء الجمعية بعدم إفشاء أسرارها. 

وفي الوقت نفسه وصل يوسف السكاكيني إلى القسطنطينية، بعد أن سافر من مصر إلى سوريا حيث أمضى فيها بعض الوقت يعمل على ضم المحافل الماسونية إلى الشرق العثماني الأعظم. وإذا ما تحقق لمحفل الشرق الأعظم في تركيا التابع لجمعية الاتحاد والترقي أن يسيطر على المحافل الماسونية في مصر، ويملأها بالوطنيين المصريين فلا شك في أن هذا الاتجاه سيكون نحو العمل السري، والخفي يهدف إلى انفجار غير متوقع في يوم من الأيام كذلك الانفجار الذي باغت العالم في سالونيكا في تموز سنة ١٩٠٨.

وبهذه المناسبة أود أن أشير إلى حادث لا يخلو من الغرابة. قبل مدة من الزمن زار السفارة حاخام الطائفة اليهودية الأكبر الجديد في تركيا. وهو رجل ذكي، نشيط، عالي الثقافة. وكان زميل دراسة لعدد من أعضاء جمعية الاتحاد والترقي البارزين. وكان في العهد القديم- العهد الحميدي- قد قام بعدة محاولات ليعين مديرًا للمكتبة في قصر السلطان عبد الحميد. والتمس هذا الحاخام من السفارة أن تستخدم مساعيها الحميدة في مساعدة ماسوني يهودي يدعى -فينتورا- من التبعية الإيطالية. وكان قبل عدة سنوات يدعي بأنه من الرعايا العثمانيين. بدأ يشتغل في التجارة في السودان، فنفاه السردار على أساس أنه- أي فينتورا- كانت له علاقة بتهريب التبغ بوساطة اثنين من اليهود في السواكن يعملان لحساب المدعو العريف هوايت. وقد عرض فينتورا قضيته أمام المحكمة المختلطة في القاهرة وحصل على حكم في صالحه نوعًا ما ضد وزارة الحربية.

ولكن محكمة الاستئناف نقضت الحكم. وقدم الحاخام الأكبر مذكرة تحتوي على ۲۰۰ صفحة شرح فيها تفاصيل الظلم المزعوم الذي يدعي أنه وقع على فينتورا، ورجاني أن أعطي فيتورا رسالة توصية إلى السير جي- غورست- سأله فيها أن يستخدم نفوذه لصالح قضية فينتورا، التي ستعرض أمام المحاكم المصرية مجددًا. فأوضحت له بأنه يستحيل على أن أقوم بأي عمل من هذا القبيل لأنه يشكل محاولة للتأثير على سير العدالة. ثم أن الرجل، بالإضافة إلى ذلك يدعي الرعوية الإيطالية. وبعد مدة من الزمن تعرف يهودي ماسوني هنا- في القسطنطينية- يدعى الدكتور فارحي، بوساطة المحفل الماسوني البريطاني المحلي، على أحد موظفي السفارة. وطلب هذا الرجل أيضًا بإصرار، وبلهجة شبه آمرة، توصية بفينتورا إلى غورست. ولما أفهم بأن مثل هذا الإجراء مستحيل، حتى في حالة مواطن بريطاني، أخذ يستخدم لهجة متحدية، وأعلن بأن هذه القضية هي ظلم صارخ ويجب أن تعالج، وأن أعلى السلطات نفوذًا في العالم ستجد لهذا الأمر بما في ذلك الأعضاء اليهود في مجلس اللوردات البريطاني، وإذا اقتضى الأمر فسوف تتخذ الإجراءات لإسقاط الحكومة المصرية، وهذا مما سيلحق الضرر بمركز بريطانيا. لم يكن الرجل مجنونًا، وكان يتكلم بغاية الرصانة والاتزان.

إن طلعت بك، وزير الداخلية وهو رجل من أصل غجري وموطنه كيرجالي في منطقة أدرنه وجاويد بك، وزير المالية، وهو من أصل يهودي هما التجسيد الرسمي للسلطة الخفية للجمعية، وهما الوزيران الوحيدان في مجلس الوزراء اللذان يحسب لهما حساب في الحقيقة. وهما يمثلان أيضًا قمة الماسونية في تركيا. وأن استخدام هذين الرجلين عميلًا من طراز السكاكيني بما له من ماض مشبوه لأمر يدعو إلى الريبة الشديدة. ومنذ أن أصبح وزيرًا للداخلية قبل ما يقرب من سنة عمل طلعت بك على نشر شبكة الماسونية التابعة للجمعية في جميع مناطق الدولة وذلك أنه أخذ يسند الوظائف الكبرى في الأقاليم إلى ولاة ومتصرفين إلخ من الماسونيين، أو إلى رجال تثق بهم جمعية الاتحاد والترقي، أو من كلا هذين الصنفين من الرجال. وهدف هذين الرجلين من ذلك هو أنه في حالة قيام الأكثرية في البرلمان، صدفة أو بالرغم من الإرهاب المنتشر بسبب حالة الطوارئ، بالمعارضة إلى حد يهدد وزارتي طلعت وجاويد، فإن هذين الأخيرين سيردان بانقلاب معاكس، وذلك بأن يحلا مجلس النواب، ويجريا انتخابات جديدة توجهها نوادي جمعية الاتحاد والترقي والمحافل الماسونية في الأقاليم، وتأتي بنواب أكثر طاعة لحكومة، وأشد مسايرة لرغباتها. يتبين من هذا أن الحكومة الخفية لتركيا إنما هي محفل الشرق الأعظم الماسوني، وعلى رأسه الأستاذ الأعظم طلعت بك يصف يوجين تافرنييه في مقاله المنشور في عدد شهر نیسان من مجلة «القرن التاسع عشر»

الرابط المختصر :