العنوان تداعيات «فتح الإسلام» وأقوال الإسلاميين فيها
الكاتب محمد مصطفى علوش
تاريخ النشر السبت 02-يونيو-2007
مشاهدات 73
نشر في العدد 1754
نشر في الصفحة 18
السبت 02-يونيو-2007
أسسها شاكر العبسي وظهرت للعالم في أكتوبر ٢٠٠٦
أعضاؤها من جنسيات عربية وإسلامية، تمكنوا من دخول لبنان عن أحد طريقين: مطار بيروت الدولي أو عبر سورية والعراق.
د. فتحي يكن: هذه الجماعة:
- تقع ضمن دائرة وفكر تنظيم «القاعدة» و« جند الشام».
- تعتمد منظومة فقهية متشددة
- تعتبر الشهادة أقصر طريق لدخول الجنة، لكنها تخطئ تحديد المكان والزمان.
د. حسن سعيد الشهال:
أسباب عديدة لظهورها منها ما تعيشه الأمة من ويلات وما توفره القنوات الفضائية وعالم الإنترنت من معلومات.
تأتي أحداث فتح الإسلام في مخيم نهر البارد وطرابلس في ظل ما يمر به لبنان من أزمة خانقة على كافة الصعد لتضيف فصلًا جديدًا من فصول الصراع عبر زيادة الشرخ بين المعارضة والموالاة على هوية لبنان وعمق انتمائه العربي والإسلامي، ولتسلط الضوء على الواقع الفلسطيني المتردي فيه، فضلًا عما ستلقي من ظلال قاتمة حول الحركات الإسلامية السنية ومستقبلها السياسي على الساحة اللبنانية.
ونحاول في هذا المقال استشراف المستقبل السياسي للحركات الإسلامية في لبنان، من خلال تسليط الضوء على طبيعة حركة فتح الإسلام، ونشأتها وأجندتها، وما ألقت به من تداعيات على الساحة السنية اللبنانية.
مؤسسها: شاكر العبسي، من مواليد أريحا عام ١٩٥٥، تدرب على الطيران في ليبيا، اتهم باغتيال دبلوماسي أمريكي في العاصمة الأردنية، بعدها اختفى ليظهر في سورية، ثم في لبنان في مخيم البداوي أولًا ثم استقر في مخيم نهر البارد حتى اللحظة.
الرواية السورية الرسمية تفيد بأن التحقيقات مع الموقوفين لديها أكدت «قيام العبسي باتصالات وتنسيق مع أبي مصعب الزرقاوي لتنفيذ عمليات إرهابية، وبالتالي، تم تقديم العبسي ورفاقه إلى القضاء السوري بجرم الانتماء لتنظيم القاعدة»، وقد صدر بحقه حكم قضائي «رقم أساس ٣٦، تاریخ ٧/ ١٢/ ٢٠٠٣»، «قضى بحبسه ثلاث سنوات مع الأشغال الشاقة، وبعد تنفيذ العبسي حكمه وإخلاء سبيله، وبعد تحقيقات لاحقة مع موقوفين من تنظيمات القاعدة، وردت عنه معلومات عن معاودته للنشاط الإرهابي وقيامه بتدريب عناصر لصالح تنظيم القاعدة، فصدرت بحقه مذكرة توقيف برقم ۳۳۰۸ بتاريخ ٢٨/ ١/ ٢٠٠٧، وهو لا يزال فارًا والبحث عنه جار من السلطات السورية».
أعلن العبسي عن ترؤوسه حركة جديدة باسم «فتح الإسلام» كانت قد انشقت عن منظمة «فتح الانتفاضة» بتاريخ ٢٧/ ١٠/ ٢٠٠٦، هو الآن-وبحسب التقارير الصحافية- ملقى جريحًا في أحد مستوصفات مخيم نهر البارد على أثر الاشتباكات الأخيرة بين حركته والجيش اللبناني. وقد تولى نائبه قيادة الحركة.
نشأة الحركة: ظهرت حركة فتح الإسلام للعلن في ٢٣/ ١١/ ٢٠٠٦م إثر اشتباك في «مخيم البداوي» المتاخم لمدينة طرابلس شمال لبنان بين عناصر من اللجنة الأمنية في المخيم، ومجموعة من ١٩ شخصًا مجهولي الانتماء. بعدها خرج هؤلاء الشباب المجهولون من مخيم البداوي ليستقر بهم المقام في مخيم نهر البارد، حيث قاموا في السابع والعشرين من نوفمبر من العام المنصرم، باحتلال خمسة مراكز تابعة لـ«حركة فتح»، وزعوا أثناءها بيانًا موقعًا باسم «فتح الإسلام».
ذكر بيان التأسيس لـ«فتح الإسلام» أنهم من أبناء فتح الذين عايشوا الفساد والانحراف، وقد أعلنوا انشقاقهم عنها، مشكلين تنظيمًا جديدًا أطلقوا عليه اسم «فتح الإسلام» بقيادة العقيد شاكر عبسي، واعتبر البيان المفعم بخطاب إسلامي أن لا نصر إلا بطريق الإسلام.
جنسيات أصحابها: أعدادهم وقدراتهم: التقارير الواردة من جهات أمنية لبنانية، إضافة إلى تصريحات قادة إسلاميين على اطلاع بواقع الحركة يؤكدون أن أعضاءها من جنسيات عربية وإسلامية لبنانيون وفلسطينيون وجزائريون وخليجيون وبنغاليون وغير ذلك، على الرغم من تأكيد الجيش اللبناني أن من قتل ما بين ٥٠ إلى ٦٠ من عناصر فتح الإسلام، بينهم الرجل الثاني في التنظيم أبو مدين إلا أن التنظيم لم يقر إلا بعشرة قتلى، وأكد أن لديه ٥٠٠ مقاتل.
وقد بين متحدثون باسم التنظيم لوسائل إعلام مختلفة أن لهم برنامجًا كاملًا في مواجهة الجيش اللبناني، في حال استمر في استفزازه، من ضمنه استعمال صواريخ ومففخات وانتحاريين، وأن بإمكانهم مواجهة الجيش اللبناني داخل المخيم لمدة تسعة أشهر متواصلة.
كيفية دخولهم إلى لبنان: ذكرت مصادر مطلعة بناء على معطيات ووقائع حول حقيقة تنظيم «فتح الإسلام» بأن أفراد التنظيم تمكنوا من دخول لبنان عن أحد طريقين لا ثالث لهما، إما عبر البر عن طريق سورية، ومعظمهم دخل بطريقة غير مشروعة، وبعض المجموعات كانت تتنقل ذهابًا وإيابًا بين لبنان والعراق، وإما عبر مطار بيروت الدولي، حيث كانت تمنح لهم سمات الدخول فورًا على قاعدة أنهم ينتمون إلى جنسيات عربية وعدد منهم من الخليجيين.
في حين أن فئة من المنضوين تحت لواء التنظيم لم يأتوا من خارج لبنان، بل يعيشون داخل لبنان من فلسطينيين تعود أصولهم الفكرية لحركات ومنظمات فلسطينية مثل «فتح الانتفاضة» و«عصبة الأنصار» و«جند الشام» وغيرها، وهي تأتمر بأوامر اثنين: الفلسطيني الأردني شاكر العبسي واللبناني شهاب قدور الملقب بأبو هريرة «من عكار ومطلوب في قضايا غير أمنية»، إضافة إلى فئة أخرى أتت من خارج لبنان، الرابط المشترك بين أعضائها هو مشاكلهم في دولهم، سواء في سورية أو المغرب العربي، إلخ. وهذه الفئة هي في الأساس مقيمة داخل الأراضي اللبنانية، وخاصة بين الشمال والبقاع والمخيمات.
وقد تجمع هؤلاء في شمال لبنان، إثر صدور القرار الدولي ۱۷۰۱، بعد أن عمدت قيادة «حركة فتح» في «مخيمي عين الحلوة والرشيدية» في الجنوب اللبناني إلى إبعاد العناصر التي أرادت مواجهة قوات اليونيفيل من المخيمات التي تسيطر عليها، وقد التحق هؤلاء بفتح الإسلام، إضافة لعشرات العناصر الذين غادروا «حي التعمير» شرقي صيدا، إثر صدور قرار انتشار الجيش اللبناني فيه.
أجندة الحركة: يروي العبسي قصة حركته على هذا النحو: «نحن أبناء حركة «فتح»، شاركنا في تصحيح الانحراف عام ۱۹۸۳م، ثم تابعنا العمل في حركة فتح الانتفاضة، لكن ولأسباب عديدة تجدد هذا الانحراف، فانتهجنا هذا المنهج وهو منهج لا إله إلا الله، وأيقنا أنه لا يمكن الوصول إلى بلدنا إلا بهذه الطريقة، دخلنا الأراضي اللبنانية، دفاعًا عن السلاح الفلسطيني ولنشر المنهج الذي نرى أنه يوصل إلى فلسطين فحوربنا من فصائل فلسطينية ومن جهات خارجية رأت فينا تهديدًا لمصالحها»!
وعن سبب الإعلان عن أنفسهم تحت اسم «فتح الإسلام»، قال العبسي: «أعلنا عن أنفسنا، دفاعًا عن الحركة أولًا ثم تبيانًا للحقيقة، ودحضًا للشائعات والتهم التي کیلت إلينا، منها أننا ننتمي إلى تنظيم القاعدة أو لأجهزة مخابرات عربية أو لذاك التيار أو غيره».
علماء من طرابلس يتحدثون
تتبعت «المجتمع» أقوال العلماء والكتاب الإسلاميين من أهالي طرابلس والشمال حول ظاهرة فتح الإسلام، والتي أجمعت على أنها ظاهرة إسلامية قريبة من القاعدة، وأن أسباب نشأتها عديدة.
يقول الشيخ بلال سعيد شعبان أمير «حركة التوحيد الإسلامي»، إحدى الحركات الإسلامية العريقة في مدينة طرابلس: إن كل ما نعلمه أنها حركة ناشئة جديدة على الساحة لا نعرف عنها إلا ما تحدث به مؤسسوها، وهناك فعلًا افتقار فعلي وحقيقي للمعلومات الوافية، وهذا ما سمح بتعدد وجهات النظر عن أهدافها وارتباطاتها؛ حيث أفاض المحللون بالاستنتاج بأنها إما صنيعة المخابرات أو فرع للتنظيم «القاعدة» أو أنها منظمة سنية لمواجهة الشيعة، أو لاستهداف «اليونيفيل».
أما رئيس «جبهة العمل الإسلامي» الداعية «فتحي يكن» والخبير في الشأن الإسلامي في لبنان عمومًا والشمال خصوصًا فيؤكد أن فتح الإسلام قريبة من القاعدة، يقول يكن: منظمة فتح الإسلام من وجهة نظري، ونتيجة لقراءاتي المتواصلة والواسعة، وتناميات الساحة الإسلامية، تقع ضمن دائرة منهجية وثقافة وفكر تنظيم «القاعدة» و«جند الشام» والتي تعتمد منظومة فقهية متشددة، تقوم على مجاهدة «الكفار» عمومًا، وضرب ما تعتبره رأس الأفعى أو الشيطان المتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية وربيبتها «إسرائيل»، وهذه المنظومة تعتبر أن أقصر طريق لدخول الجنة أن تُستشهد وتموت على هذه النية والهدف الذي يختلج في نفوس أفرادها، مع أنها قد تخطئ تحديد المكان والزمان لتحقيق أهدافها.
ويعتبر يكن أن منظمة «فتح الإسلام» واحدة من المنظومات الأصولية التي تتخطى الحدود القطرية أو الإقليمية لتدور في أممية، فهي ليست فلسطينية الحدود وإن ضمت فلسطينيين، كما أنها ليست عراقية أو أفغانية أو سورية الانتماء، وإن وجد في صفوفها كل هذا الخليط.
ويرى «يكن» أن سرعة انتشارها وتمددها خارج نطاق المجتمعات أو المربعات الجغرافية، وإن بشكل مغلوط، يعود إلى تلك الدائرة الأممية الواسعة التي تدور فيها الحركة كما هو الحال مع تنظيم القاعدة.
في حين يرجع رئيس دعوة الإيمان والعدل والإحسان، الدكتور حسن سعيد الشهال، أحد أقطاب السلفيين في لبنان، نشأة فتح الإسلام، لأسباب عديدة منها ما تعيشه الأمة من ويلات ومنها ما توفره القنوات الفضائية وعالم الإنترنت من معلومات.
يتابع الشهال: نحن نعيش في عصر العولمة، والعولمة تعني التأثر والتأثير فكريًا واقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا بين الدول والمجتمعات والأفراد على مستوى العالم قاطبة، من هنا يخطئ كثيرًا من يجعل لظاهرة فتح الإسلام، سببًا واحدًا وحيدًا هو الخلفية السياسية إقليميًا أو محلياً، فالصحيح أن هذه الظاهرة هي بنت الظروف التي مرت بها الأمة في أفغانستان والعراق وفلسطين.
وإذا كان البعض يرى في نشوئها خلفية إقليمية، فإن هذه الخلفية تحاول أن تستثمر الظروف والتحولات لتحقيق أهدافها أيًا كانت.
ويختم الشهال: «في ظني أن فتح الإسلام قد خرجت من رحم هذه الحالة الفقيرة علميًا وفكريًا مع حماسة عالية تشبعت بروح الجهاد والاستشهاد! وهذا الخلل الفكري العقدي وعدم التوازن بينه وبين العمل التطبيقي في أرض الواقع هو الذي أدى بهذه الفئة إلى ما وقعت فيه من أخطاء قاتلة».
تداعيات الأزمة
على صعيد الأزمة السياسية القائمة بين الموالاة والمعارضة اللبنانية، فإن فتح الإسلام بدت ورقة ثمينة بيد كل فريق، حيث وظف كل منهما ما يجري لصالحه كي يحقق مكسبًا سياسيًا على الخصم، وقد برز هذا الاستثمار للحدث، مع تطور الأحداث الأمنية بين الطرفين منذ الساعة الأولى، إذ اعتبرت الموالاة «فتح الإسلام» تنظيمًا مصنوعًا بيد سورية، وباسم مستعار لتصفية قيادات لبنانية من تيار ١٤ آذار، الأمر الذي تعزز لدى هؤلاء بعد سلسلة الأحداث الجارية من تفجيرات عين علق إلى المعركة الدائرة اليوم في حين كانت المعارضة تؤكد- عبر وسائل الإعلام الموالية لها أو القريبة منها- أن التنظيم هو من صنع «آل الحريري» و«قوى ١٤ آذار» لخلق قوى موازنة لسلاح حزب الله؛ إلا أن قوى الرابع عشر من آذار لم تستطع السيطرة عليها لتكوينها الأيديولوجي المتشدد، فوقع الصدام.
ومع سلسلة التوقيفات الأخيرة التي وقعت قبل الأحداث الأخيرة- حيث قامت القوى الأمنية اللبنانية بتوقيف شبان معروفين بتوجههم الإسلامي من مدينة طرابلس شمال لبنان تحت ذريعة الانتماء إلى تنظيمات إسلامية متشددة على رأسها تنظيم «القاعدة»- إضافة لما تقوم به وسائل إعلام من ربط ما يجري مع فتح الإسلام مع ما جرى مع شباب الضنية عام ١٩٩٩م لإلقاء الضوء أكثر على الحركات السنية، نقول: مع هذا يبدو أن الطائفة السنية لا سيما الحركات الإسلامية منها أمام استحقاقات كثيرة لا يعلم إلا الله مدى خطورتها.