العنوان رفعت الأسد و صراع القوى في سوريا
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 23-أكتوبر-1984
مشاهدات 62
نشر في العدد 688
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 23-أكتوبر-1984
بعد أن قامت المجلة في أعدادها السابقة بمتابعة الأوضاع السورية على ضوء مستجدات الصراع بين مراكز القوى المختلفة نتساءل اليوم... وماذا عن صراع القوى التي ما زال المراقبون ينتظرون انعقاد المؤتمر الحزبي الذي يتوقع أن يضفي على قرارات رئيس الدولة «السرية» الخاصة بترتيب مواقع القوى من جدید، صفة الإقرار الحزبي... إن المراقبين يعتقدون أن رئيس الدولة اتخذ قراره وفي اللحظة المناسبة... هذا وكان الجمود حول هذه القضية قد استمر طوال الشهور الثلاثة الماضية إلى أن خرجت علينا بعض وكالات الأنباء في الأسبوع الماضي بنبأ مفاده أنه صدر في سورية مرسوم جمهوري حدد مهمات رفعت الأسد كنائب للرئيس للشؤون الأمنية والمهمات الخاصة!!
• تحديد الاختصاصات:
وجدير بالذكر أن مرسومين جمهوريين كانا قد نشرا في وسائل الإعلام السورية قبل شهرين حدد حافظ أسد بموجبهما صلاحيات اثنين من نوابه الثلاثة وهما عبد الحليم خدام الذي حددت اختصاصاته بالشؤون الخارجية وزهير مشارقة الذي حددت اختصاصاته بالشؤون التربوية والتعليمية. ويومها استثني رفعت الأسد من تحديد الاختصاصات مع أنه عين كنائب للرئيس مع كل من خدام ومشارقة. ويومها أثيرت موجة من التساؤلات في أوساط المتتبعين للأوضاع السورية وكان السؤال الأهم لماذا استثني رفعت؟ وما هي حدود اختصاصاته؟ بل لماذا عين نائبًا للرئيس طالما لم تحدد له أية اختصاصات؟؟ وكانت هذه التساؤلات تطرح نفسها نظرًا لوجود رفعت خارج البلاد، ونظرًا لكون هذا التواجد في الخارج قد طال أمده، إضافة لتناقض التصريحات عن وضع النائب، رفعت، فتارة هو مبعد وتارة يستعد لزيارة فرنسا بدعوة رسمية وأخرى تربط وجوده بالخارج بالعلاج... مما أثار موجة من الشك والحيرة حول الوضع الحقيقي لرفعت الأسد إلى أن صدر المرسوم الجمهوري الذي أذاعته وكالات الأنباء والذي تم بموجبه تحديد اختصاصات رفعت الأسد.
• تصريحات طلاس
التصريحات التي وردت في المقابلة الصحفية التي أجرتها مجلة دير شبيغل الألمانية مع مصطفى طلاس أثارت دهشة المراقبين لما اتسمت به من حدة حول وضع رفعت الأسد حيث ذكر طلاس ما نصه أن رفعت الأسد أصبح شخصًا غير مرغوب فيه إلى الأبد ولو لم يكن هذا الشخص قد رحل إلى الخارج لكان الجيش قد وجه ضربته، فعندما يقول رئيسنا لشخص اخرج إلى الخارج فعليه أن يخرج أما الذي يقول لا للرئيس الأسد فإن الجيش يسحقه وكان طلاس قد ذكر في تصريح سابق بأن سرايا الدفاع التي تقع تحت سيطرة وقيادة رفعت الأسد قد جرى حلها ومجت في الجيش. ويومها قوبلت تصريحات طلاس الخاصة بسرايا الدفاع وبوضع رفعت الأسد بصمت وعدم إصدار أية بيانات توضيحية أو تكذيبية... باستثناء تصريح مقتضب للمتحدث الخاص باسم رفعت الأسد ذكر فيه أن رفعت سيعود إلى سوريا فور انتهاء العلاج!! وكان لهذا الصمت أثره الكبير في بلبلة أفكار العديد من المعلقين السياسيين حتى أن معظمهم ذهب إلى حد رسم صورة قاتمة لرفعت الأسد واعتبر تصريحات طلاس مؤشرًا كافيًا للدلالة على نهاية رفعت.
• هل يعود رفعت؟
ما ذكرناه حول استثناء رفعت من تحديد الاختصاصات طوال الشهور الثلاثة الماضية وطول مدة تواجده خارج البلاد، وتصريحات طلاس حول حل سرايا الدفاع، وأخيرًا تصريحات طلاس حول اعتبار رفعت شخصًا غير مرغوب فيه كل هذه النقاط كانت بمثابة مؤشرات اعتبرها بعض المراقبين السياسيين كافية للدلالة على نهاية رفعت الأسد إلا أننا نعتقد أن هذه القناعات التي تولدت لدى هؤلاء المراقبين كانت بعيدة عن الفهم السليم للأوضاع السورية ومسار الحياة السياسية السورية في عهد حافظ أسد والمتميزة بعدة جوانب نعتقد أن هؤلاء المراقبين غفلوا عن الإحاطة بها من هذه الجوانب: بنية النظام المعروفة- الطابع العسكري للحكم- الولاء الشخصي- العلاقة المتميزة للشقيقين!!... بالإضافة إلى عدة جوانب أخرى تشكل في مجموعها حقيقة مسار الحياة السياسية في سوريا.
ويمكننا القول هنا أن حافظ أسد تأخر في تحديد اختصاصات شقيقه طوال هذه الفترة لحين تمكنه من تجميع كافة الخيوط التي كادت أن تسحب من بين يديه خلال فترة مرضه، وأهم هذه الخيوط القوات المسلحة حيث تملك القوى المعارضة لرفعت الأسد نفوذًا كبيرًا داخل المؤسسة العسكرية ويتمثل ذلك النفوذ بالوحدات الخاصة الموالية للعقيد علي حيدر والفرقة الثالثة الموالية للعقيد شفيق فياض.
وهذان العقيدان يشكلان معًا قيادة المعارضة لرفعت الأسد، ومن هنا كان تحرك حافظ الأسد يسير باتجاه شل حركة هذين العقيدين وإبعادهما عن إمكانية التأثير في القوات المسلحة، ويعتقد أن حافظ أسد قد نجح خلال الأشهر الثلاثة الماضية في تجميد حركتهما وإبعادهما عن مجال التأثير في الجيش، ومن هنا كان تواجد رفعت الأسد خارج البلاد بمثابة تهدئة للأوضاع وإعطاء حافظ أسد حرية التحرك لتحقيق ما يراه مناسبًا لإنهاء الصراع لصالح شقیقه رفعت.
أما بالنسبة لتصريحات طلاس حول سرايا الدفاع وقائدها رفعت الأسد فإننا نعتقد أن هذه التصريحات لا تشير إلى حقيقة الموقف، فإن وضع هذه السرايا تحت قيادة المقدم معين ناصيف لا يعني سحب هذه القيادة من رفعت. فالمقدم ناصيف هو زوج ابنة رفعت الأسد وعلاقته بوالد زوجته تتميز بنوع خاص من الولاء الكامل بحيث يعتبر ناصيف ممثلًا لرفعت أو قائدًا مؤقتًا ينتظر عودة القائد الفعلي، أما بالنسبة لتوزيع سرايا الدفاع داخل الجيش- وهو ما أسماه طلاس حلًا للسرايا- فقد جعل منها هذا التوزيع مراكز قوة داخل الجيش تعمل لصالح رفعت وتراقب عن كثب تحركات كافة القوى داخل المؤسسة العسكرية.
ونأتي إلى تصريحات طلاس حول رفعت فنقول إن هذه التصريحات دفع إليها طلاس لتوجه في الأصل إلى خصوم رفعت بهدف زرع الطمأنينة في نفوسهم ودفعهم للهدوء حتى يقطع عليهم أي مبرر للتحرك ضد النظام وإذا ما تحرك أحدهم فسيكون ضربه عندها أمرًا مشروعًا لحافظ أسد باعتبار أن المقصود من هذا التحرك ليس رفعت المطرود وغير المرغوب به!!
بل إن هذا التحرك يهدف رأس النظام.
هذه المؤشرات التي أشرنا إليها تدل على أن ما يجري على الساحة السورية عبارة عن تهيئة لفتح كافة الأبواب أمام رفعت الأسد للعودة من خلال الأطر والقنوات التي يجب أن تبدو رسمية وحزبية ومن هنا كان تأجيل المؤتمر القطري للحزب لحين انتهاء حافظ أسد من فتح كافة الأبواب أمام شقيقه.
حول صناعة الطائرة الفلسطينية
• أما آن للمسلمين أن يدخلوا غمار التصنيع اللازم؟
خلال المقابلة الصحفية التي أجرتها مجلة الرأي التونسية في الأسبوع الماضي كشف السيد ياسر عرفات النقاب عن قيام نخبة من المهندسين الفلسطينيين بوضع اللمسات الأخيرة لتطوير طائرة حربية فلسطينية تم تصنيعها في مصانع خاصة تابعة للمنظمة موجودة في عدد من الدول الإسلامية في شمال إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط ورفض عرفات الإفصاح عن أسماء هذه الدول، كما لم يعط مزيدًا من التفاصيل حول الموعد المقرر لدخول الطائرة الحربية الفلسطينية مرحلة الإنتاج. وأوضح عرفات أن المنظمة شرعت في إقامة هذه. المصانع عقب خروج المقاومة من بيروت. وأعاد إلى الأذهان أن مصانع فلسطينية مماثلة كانت تعمل في لبنان قبل الغزو وكانت تنتج عددًا من الأسلحة من ضمنها صواريخ من طراز كاتيوشا وبنادق ومسدسات، وذكر عرفات أن عددًا من الدول في المنطقة وبعض حركات التحرير استخدمت هذه الأنواع من الأسلحة في تشكيلاتها وقواتها المسلحة.
وجدير بالذكر أن الفنيين الفلسطينيين تمكنوا في السابق من صنع قواعد انطلاق ذاتية لصواريخ غراد، إضافة إلى أنهم كانوا على وشك إجراء بعض التعديلات على أنواع من الطائرات تأتيهم في صناديق وتركب في مكان الانطلاق حفاظًا على السرية. ولكن الغزو الإسرائيلي الأخير للبنان وما تبعه من ضغط رهيب على الفدائيين الفلسطينيين أدى إلى إخراجهم من لبنان ومن ثم تعطيل هذا التوجه التقني للفنيين الفلسطينيين.
ومع أن عرفات لم يوضح نوعية الطائرة وقدرتها القتالية وكفاءتها الفنية إلا أننا نستطيع أن نلمس من هذا الخبر مدى الطاقات الفنية والكفاءات التقنية التي يزخر بها العالم الإسلامي، ولو أضيفت هذه الطاقات وتلك الكفاءات إلى الإمكانات الأخرى التي تتوفر داخل العالم الإسلامي لتوصلنا إلى إمكان نشوء صناعة عسكرية خفيفة وثقيلة أيضًا. ولا بد أن نذكر هنا التجربة الباكستانية في الصناعة العسكرية المتطورة والتي وصلت إلى حد إنتاج القنبلة الذرية والتي أطلق عليها الغرب اسم القنبلة الإسلامية والتي تم التوصل إليها بجهود مجموعة من علماء باكستانيين مسلمين وعلي رأسهم البروفيسور «عبد القادر خان».
ومن المعروف أن المؤسسات التقنية المتقدمة في الغرب وفي أمريكا بالذات تزخر بالآلاف من الفنيين والمختصين الذين ينتمون للعالم الإسلامي. والذين احتضنتهم تلك المؤسسات الغربية والأمريكية ومنحتهم الامتيازات المادية والمعنوية لتتمكن من الاحتفاظ بهم واستغلال قدراتهم الفنية، ولا ننسى هنا جهود العالم المصري فاروق الباز في مجال الفضاء والذي تستنزف جهوده وإمكانياته العلمية عبر وكالة الفضاء والمهم في هذا كله أن تتوفر لنا الإرادة للبدء في دراسة وتنفيذ إقامة مؤسسات مشتركة للتصنيع العسكري تشترك بها دول العالم الإسلامي كل حسب إمكاناته وقدراته مادية كانت أم فنية... ومن هذا المنطلق يمكن تحقيق تعاون استراتيجي هام لحفظ الكيان السياسي لهذا العالم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل