العنوان السياسة بين السلوك "الأخلاقي" والتدبير "التعاقدي" (٢ من ٢)
الكاتب د. محمد يتيم
تاريخ النشر السبت 19-أبريل-2008
مشاهدات 51
نشر في العدد 1798
نشر في الصفحة 66
السبت 19-أبريل-2008
الأخيرة
تطوير الآليات التعاقدية والتدافعية
ينبغي علينا أن نعي أن رشد الخلافة الإسلامية كان من رشد الخلفاء ولم يكن في النظام السياسي، أو التقنين الدستوري، أو قواعد التدبير السياسي التي كانت لا تزال بدائية تعكس مستوى النضج التاريخي للبشرية آنذاك، ولذلك لم يصمد ذلك النموذج السياسي الأخلاقي طويلًا، إذ سرعان ما انهزم أمام الثقافة السياسية القيصرية والكسروية القائمة على منطق الشوكة والغلبة، أو على «الملك» الذي ورد في وصفه أنه هو «ما غلب عليه بالسيف»، وأن الخلافة هي: «ما اؤتمر عليه».
وينبغي أن نقرر أنه إذا كان في أصول ديننا وشريعتنا وقواعدهما ومقاصدهما مبدأ «التعاقد السياسي»، فإن الدولة الحديثة هي التي استطاعت أن تنجز هذا التعاقد وتترجمه إلى أساس فلسفي للنظام السياسي، فيما سمي بـ: «العقد الاجتماعي» وإلى تقنين دستوري ومؤسساتي من خلال نظام الحكم الديمقراطي.
وعصر الدولة الحديثة بما يرتبط به من مؤسسات أخرى، مثل: المؤسسة التشريعية، أو المؤسسة التنفيذية، أو المؤسسة القضائية، أو التنظيمات الحزبية والنقابية، كفضاءات للتأطير السياسي وتدبير الاختلاف السياسي والتداول على السلطة وعلى الثروة هو الذي جاء بالاستقرار السياسي؛ لأنه وضع الآليات التدافعية الضامنة لبقاء الصراع على السلطة والنفوذ والثروة في إطار التداول السلمي، وبنى آليات وثقافة التداول.
والحركة الإسلامية بجميع تعبيراتها وفي جميع مجالات نشاطها، وهي مطالبة بأن تحافظ على قوتها الخلقية التي هي سر تفوقها على غيرها في كثير من الجوانب، لا بد أن تجمع إضافة إلى ذلك، منطق الدولة المعاصرة وتبني مؤسساتها على أساس ذلك.
إننا نحتاج للانتقال إلى منطق التداول وآلياته مع البحث بطبيعة الحال في أنسب هذه الآليات مع ثقافتنا وخلفيتنا الخلقية والقيمية، دون أن نبقى فقط في منطق التدبير الأخلاقي للعلاقات داخل مختلف هذه المؤسسات، أي منطق الجماعة ومنطق الخوف من الفتنة، فإن الأخلاق السامية لم تمنع من وقوع الفتن السياسية في التاريخ الإسلامي، ولم تمنع من التأول في الأموال والتأول في الدماء.
ومن ثم لا بد من تطوير الآليات التعاقدية التي تمكن من تدبير التعددية الداخلية، وتطوير الآليات التدافعية التي تمكن من الرقابة على أولي الأمر في الحركة الإسلامية بمعناها الواسع، ومنع نشوء الاستبداد الذي ينشأ في الأصل بحسن نية وبدافع جلب المصلحة العامة، وهو في الحقيقة، مهما حسنت نية أصحابه، يفضي إلى تعطيل الإبداع واكتشاف المواهب والكفاءات.
ودون ذلك سيبقى العقل الإسلامي مؤهلا للاشتغال في السياسة بمنطق «الشوكة» و«الغلبة»، وستبقى الممارسة السياسية فيه مجالًا لإنتاج الفتن الذي هو مصطلح يعكس مقدار العجز عن تعقل، أسباب الصراع السياسي الذي لم يجد له من سبيل للتسوية سوى «الحروب الأهلية الطاحنة».
بطبيعة الحال فإن الحروب الأهلية اليوم لم تعد على شاكلة معارك مثل «الجمل» أو «صفين»، أو الحروب الطاحنة بين أبناء الملوك والسلاطين الذين لم يستقم لهم الأمر إلا بأن يبيد بعضهم بعضًا، وإنما قد تتخذ هذه الحروب شكل انقسامات وصراعات ذهبت بريح كثير من المنظمات الحزبية والنقابية، كما تثبت ذلك التجربة المغربية على وجه الخصوص.
فالثقافة التنظيمية والسياسية التي تبلورت لدى «حركة التوحيد» طورت عدة مفاهيم متقدمة مثل التداول الداخلي والانتخاب الديمقراطي، وتحديد ولايات المسؤولين وهي تدل على مؤشرات صحية، إلا أنها في حاجة إلى تطوير أكبر خاصة حين نخرج من الإطار الخاص للحركة لأعمال أكثر انفتاحًا على المجتمع، مثل العمل السياسي أو النقابي أو المدني، حتى نخرج من منطق المحافظة على الجماعة والتدبير الأخلاقي للخلاف التنظيمي والسياسي، إلى التدبير التعاقدي التداولي باعتباره النموذج الأمثل الذي طورته الحكمة البشرية، لإقامة الاستقرار السياسي الذي هو شرط لأي تقدم حضاري.
فالنموذج الأخلاقي إن كان يسعف لحد ما بين الجيل الأول وفي نطاق عمل سمته الغالبة سمة تربوية ثقافية، فإنه يصبح على أهميته وضرورته غير كاف، وعندها نحتاج أن نستفيد من القواعد السليمة لتدبير الاجتماع السياسي وعلى رأسها التدبير التعاقدي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل