العنوان جرح جديد.. في القلب
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يناير-1993
مشاهدات 81
نشر في العدد 1035
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 26-يناير-1993
القرآن الكريم دليل للإعدام في
طاجيكستان
بلا حدود
لقد أصبحت المصاحف في
طاجيكستان أكبر دليل على تنفيذ حكم الإعدام فيمن يحملها دون تحقيق أو محاكمة. «لقد
أصبح وجود نسخة من القرآن الكريم لدى أي مسلم طاجيكي هو أكبر دليل على اتهامه بأنه
عضو في حزب النهضة الإسلامي، ومن ثم يتم إعدامه رميًا بالرصاص دون محاكمة، وأن
الشيوعيين الطاجيك الآن يقومون بحملة تصفيات جسدية واسعة النطاق ضد الإسلاميين في
كافة أنحاء البلاد؛ حتى إن المقابر قد ضاقت بالقتلى، فأقامت الحكومة
الشيوعية مقابر جماعية في أنحاء متفرقة من العاصمة الطاجيكية «دوشانبه» حتى أن
الحديقة العامة الرئيسية في العاصمة أصبحت مقبرة كبرى للإسلاميين الذين يعدمون دون
تحقيق أو محاكمة» هذه الصورة المهولة لما آلت إليه أوضاع الإسلاميين في طاجيكستان
جاءت على لسان أحد قادة حزب النهضة الإسلامي في الأسبوع الماضي.
مأساة
اللاجئين على
نهر جيحون
أما الصورة المأساوية الأخرى التي يواجهها أكثر من مليون طاجيكي
مسلم، فر منهم إلى شمال أفغانستان ما يقرب من ربع مليون، اضطروا إلى خوض
مياه نهر جيحون المتجمدة فرارًا من المعاملة الوحشية التي يلقاها السكان المدنيون
على أيدي الشيوعيين، فتأتي على لسان «هوسي جل» وهي امرأة مسلمة طاجيكية فرت مع
أولادها الخمسة إلى شمال أفغانستان، بعدما اضطرت لخوض أوحال نهر جيحون
المتجمدة، ترفع رأسها والدموع تغمر وجهها وهي تقول لمراسل وكالة «رويتر»: لقد نهب
الشيوعيون كل شيء في منازلنا حتى ملابس الأطفال، وبعد ذلك أضرموا فيها النيران،
واستولوا على السيارات التي كنا نهاجر فيها، وتركونا في العراء دون شيء». هاتان
الصورتان تعكسان حجم وأبعاد الجرح العميق الذي يعيشه الشعب الطاجيكي المسلم على
أيدي الشيوعيين الذين تدعمهم روسيا بقوة لاستئصال الوجود الإسلامي من آسيا الوسطى،
ويعكس أيضًا حجم الجريمة التي ارتكبوها في أفغانستان منذ ما يزيد على خمسة عشر
عامًا فخلال ستة أشهر فقط قتل الشيوعيون في طاجيكستان أكثر من مائة
وعشرين ألف مسلم، وشردوا ما يقرب من مليون وقدرت الخسائر المادية
بحوالي ثلاثمائة بليون روبل، ولازالت حملات الإعدام جارية على قدم وساق،
لاسيما لقادة وأعضاء حزب النهضة الإسلامي، وعادت المصاحف كما كانت في عهد لينين
وستالين لتكون أكبر دليل لتنفيذ حكم الإعدام فيمن يحملها دون تحقيق أو محاكمة.
صمت
الهيئات الدولية
وتواطؤ القوى
الإقليمية
كل هذا يحدث ولم نسمع حتى الآن صوتًا للجان حقوق الإنسان أو منظمة
العفو الدولية أو مجلس الأمن أو الأمم المتحدة أو غيرها من الهيئات والمنظمات
واللجان الدولية التي تخدم مصالح الدول الكبرى، تشجب حتى فيه أو تدين تلك الفظائع
التي يرتكبها الشيوعيون ضد مسلمي طاجيكستان؛ لسبب بسيط وواضح هو أن الدماء التي
تسيل هي دماء المسلمين، وليست دماء المسلمين فقط وإنما دماء «الأصوليين»
الذين اجتمع الشرق والغرب على إبادتهم وإعدامهم وتصفيتهم أينما كانوا وحيثما
وجدوا. «إن الضربة التي يتعرض لها المسلمون في طاجيكستان الآن لاسيما الإسلاميون
منهم قد جاءت نتيجة تواطؤ وتخاذل من قوى في المنطقة وخارجها». ذلك ما صرح به مسؤول
كبير في حزب النهضة الإسلامي في الأسبوع الماضي، وأضاف هذا المسؤول قائلًا: «لقد
كنا نتحسب لهذه المجازر التي يقوم بها الشيوعيون ضدنا، وكنا نعتقد أن بعض القوى
سوف تدعمنا ضد الشيوعيين الذين تدعمهم روسيا بقوة، فأرسلنا طائرتين إلى إيران
عندما كنا نسيطر على «دوشانبه» لجلب أسلحة تعيننا على موقفنا إلا أنهما عادتا
فارغتين».
أمل
العودة وبداية
النصر
إن السهام تتلاحق على القلب الدامي من كل جانب؛ حتى اتسعت رقعة
الجراح، ولم يعد هناك وصف له إلا ما قاله المتنبي:
رماني الدهر بالأرزاء حتى **
فؤادي في غشاء من نبال فصرت إذا أصابتني سهام *** تكسرت النصال على النصال لكن كل
جرح جديد سوف يجد من يداويه، وكل سهم سوف يجد من ينزعه، وأن الصحوة الإسلامية التي
تعم الدنيا من شرقها إلى غربها لن تستطيع القوة المادية المتكالبة عليها محوها
مهما فعلت، وإذا كان الأفغان البسطاء قد استطاعوا بقوة إيمانهم وأسلحتهم البسيطة
وقروش المسلمين القليلة أن يهزموا إحدى القوتين العظميين في العالم، فإننا لا
نستكثر على الإسلاميين المنحازين الآن إلى هضبة بامير وإلى سفوح جبال الهندكوش في
طاجيكستان أن يستجمعوا همتهم -بدعم إخوانهم المسلمين الذين وقفوا إلى جوار
الأفغان- ليعودوا مرة أخرى إلى «دوشانبه» ويقضوا على بقايا فلول الشيوعية الذين
فروا من يد الأفغان. إن الجرح الجديد في طاجيكستان في انتظار من يداويه، وما تكالب
الدنيا بشرقها وغربها على الصحوة الإسلامية إلا بداية المخاض، وإن مرحلة البأساء
والضراء تسبق مرحلة النصر دائمًا ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ
أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن
قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ
يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا
إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214).
النزاع الشيوعي الإسلامي في طاجكستان