العنوان جذور الحركة الانفصالية فى بلوشستان
الكاتب ميديالينك
تاريخ النشر السبت 13-أكتوبر-2012
مشاهدات 55
نشر في العدد 2023
نشر في الصفحة 34
السبت 13-أكتوبر-2012
- إقليم بلوشستان غني بالثروات ومع ذلك فهو الأفقر والأكثر جهلا وبطالة بين أقاليم باكستان
- القوات الغاشمة وسياسة تصفية زعماء الانفصال التي لجأ إليها الرئيس السابق "مشرف" زادت من شعبية الانفصال
- الحركة الانفصالية تتبنى سياسة تهجير غير البلوش إلى خارج الإقليم.. واغتيال ألف مدني غير بلوشي في 3 أعوام
منذ قيام الجيش الباكستاني باغتيال زعيم المتمردين البلوش «ميان أكبر بوكتي في أغسطس ٢٠٠٦م، وأعمال العنف والهجمات المسلحة لا تتوقف في إقليم بلوشستان، لتزيد الوضع سوءاً وتدهوراً ، وأسوأ من ذلك زيادة التميز العرقي في الإقليم، وظهور ثقافة الانفصال أكثر فأكثر، وارتماء الجماعات البلوشية المختلفة في أحضان الهند وروسيا وأفغانستان. ظل خطر الانفصال يتزايد في إقليم بلوشستان الواقع في الجنوب الغربي لباكستان، منذ انفصال بنجلاديش (كانت تعرف باسم باكستان الشرقية) عن باكستان عام ۱۹۷۱م، وساهم في ذلك الدور الذي مارسته الهند وروسيا في تقسيم باكستان، وإضعاف مشروع الدولة الإسلامية في المنطقة.
وكان الانفصال البلوشي قد ظهر لأول مرة في عام ١٩٥٨م إبان حكم الجنرال "أيوب خان"، لكنه أخمد بقوة السلاح، ووافقت الحكومة على تلبية عدد من مطالب الانفصاليين، وفي عام ۱۹۷۳م تجددت دعوة الانفصال وتم إخمادها مرة أخرى بقوة السلاح.
- "ضياء الحق".. والحلول الناعمة
إلا أن حكومة الجنرال "ضياء الحق" نهجت نهجا مختلفا في معالجة الأمر؛ فقد تعاملت معه بطريقة ناعمة، وتم تعيين قائد المتمردين "ميان أكبر بوكتي" رئيسا لحكومة إقليم بلوشستان، وسمحت بتعيين البلوش في مناصب وزارية مختلفة، وأفرجت عن ۱۱ ألف معتقل، مما نتج عنه تقليل حدة التوتر في الإقليم.
وبعد مقتل "ضياء الحق" حاولت حكومات "بي نظير بوتو" و"نواز شريف" إشراك الانفصاليين في السلطة، دون الاستجابة لمطالبهم الرئيسة في حقهم في التمتع بعائد آبار الغاز التي تغذي باكستان إذ يرى البلوش أنهم الأفقر والأكثر حرمانا رغم أن إقليمهم هو الموطن الأساسي لمصادر الغاز والمعادن الثمينة ويعيش في الإقليم أكبر عدد من العاطلين عن العمل في باكستان مقارنة بالأقاليم الأخرى، كما يسجل فيه أكبر معدلات الفقر، وهو الإقليم الأكثر أمية وتخلفا؛ حيث تصل نسبة الأمية فيه إلى ٨٠%، وهي أرقام خطيرة بعيدة عن المنطق وغير مقبولة، خاصة وأنه من أكبر أقاليم باكستان وتكمن في باطنه ثروات باكستان من غاز وحديد وفوسفات وذهب وبترول، كما أن له موقعا استراتيجيا، وفيه ميناء "جوادار" المطل على بحر العرب، وللميناء أهمية مستقبلية، ويمكن أن يحول باكستان إلى أحد أشهر المحطات البحرية العالمية.
"برويز مشرف".. والقوة الغاشمة ظل تقاسم الثروة محور الخلاف الرئيس بين الحكومة والبلوش، إذ يطالب الزعماء البلوش بنسبة ٩٠% من الثروات والباقي للحكومة وفق النظام القبائلي المنتشر في المنطقة.. واستمر الخلاف الاقتصادي بين الطرفين حتى عاد العسكر مرة أخرى للحكم في عام ۱۹۹۹م بقيادة الجنرال "برويز مشرَّف" الذي قرر- في خطوة هي من نوعها معاملة البلوش بمنتهى القسوة والقضاء على حركتهم المسلحة، ووصلت الحال أن قام الجيش بالقضاء على معاقل الانفصاليين داخل بلوشستان وقتل الآلاف من أفرادهم، وتمكن من طردهم من الإقليم، حيث نزح معظمهم إلى أفغانستان المجاورة وإلى الهند وإيران وروسيا والدول الخليجية المجاورة.
ولم يكتف "مشرف" بالتصدي لفكر الانفصاليين عسكريّاً وسياسيا والسعي إلى إنهاء تمردهم، بل قرر تصفية زعمائهم، فقام باغتيال مؤسس التمرد "أكبر بوكتي"، في عام ۲۰۰٦م، ثم لاحق زعيما آخر هو "بلاش مري" وقتله داخل أفغانستان بالتعاون مع "طالبان" عام ۲۰۰۷م، وفرض الإقامة الجبرية على زعماء التمرد الذين لم يستخدموا السلاح وراحوا يقاومون بالطرق السلمية وعلى رأسهم "خير بخش مري" والد "بلاش مري" و"عطاء الرحمن منكل"، وحظر على أحزابهم ممارسة النشاطات السياسية، وتم اعتقال أكثر من ٥ ألاف بلوشي زمن حكم "مشرف"، كما أعلن أن أكثر من ألفي بلوشي في أنحاء مختلفة من باكستان في عداد المفقودين، وهي صفة تطلق على من يتم اعتقالهم بطريقة سرية أو اغتيالهم.
- اندفاع نحو الانفصال
ويقول الخبراء: إنه بمقتل "أكبر بوكتي"، مؤسس الفكر الانفصالي، وفرار الزعماء الانفصاليين، دخلت الحركة الانفصالية مرحلة أكثر خطورة من السابق، وبيان ذلك أن البلوش لم يكونوا في أغلبهم من دعاة الانفصال، بل إن مجموعات صغيرة كانت تؤيد الانفصال، ورغم شعور الأغلبية بالحرمان والفقر والإجحاف إلا أنها لم تكن توافق على الدعوة لانفصال الإقليم عن باكستان.
بعد مقتل "نواب بوكتي"، ثم "بلاش مري"، واستمرار الحكومات في التعامل مع البلوش على أنهم قاصرون وليسوا على مستوى المسؤولية وإشراكهم في السلطة بطريقة صورية وحرمانهم من ثرواتهم؛ اندفع كثير من المثقفين البلوش والمتعلمين والزعماء القبائليين للانضمام للحركات الانفصالية ليؤيدوها في مطالبها.
- قتل المدنيين وتصفية غير البلوش
واعتبارا من عام ۲۰۰۸م، ظهر تحول خطير في القضية، إذ لجأت الحركة الانفصالية إلى قتل المدنيين واللجوء إلى سياسة إفراغ الإقليم من السكان البنجاب والبشتون وغير البلوش، من خلال سلسلة من الاغتيالات والتصفيات الجسدية؛ حيث لوحظ أن عدد القتلى من المدنيين في الإقليم في هذه الفترة بلغ أكثر من ألف شخص، وهو ما لم يحصل طيلة استقلال باكستان وظهور مشكلة الانفصال البلوشي.
لقد ظل السكان غير البلوش يعيشون في بلوشستان ولم يشعروا يوما بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية أو أنهم غير مرغوب فيهم، ولم يتم التعامل معهم بمنطق السلاح والتصفية ولكن بداية من عام ۲۰۰۸م تغير الأمر، وما يذكره عدد من الدراسات أنه في ذلك العام قتل من المدنيين من غير البلوش ما لا يقل عن ۲۰۰ ،شخص، وارتفع العدد في عام ۲۰۰۹م إلى ۳۰۰ شخص، وفي عام ٢٠١٠م تجاوز العدد 5۰۰ شخص.
وركز الانفصاليون في هجماتهم على الطبقة المتعلمة وخاصة الأطباء وخريجي الجامعات ومسؤولي المؤسسات التعليمية والتجار الذين تعود أصولهم إلى غير البلوش كما نفذوا سلسلة من الاغتيالات ضد البلوش الذين يتعاونون مع الحكومة، أو عملوا معها خاصة رجال الأمن والمخابرات.. وبلغ عدد الأطباء والأساتذة الذين قتلوا أكثر من ١٠٠ شخص، معظمهم كانوا يديرون مؤسسات صحية وتعليمية في الإقليم؛ الأمر الذي اضطر ما لا يقل عن ۱۰۰ ألف شخص لمغادرة الإقليم - كما تقول وزارة الداخلية - غالبيتهم كانوا يعملون في السلك التعليمي والصحي والبنية التحتية.
ويقول الخبراء: إن الحكومة تتحمل وزر ما حصل بسبب أخطائها؛ إذ إنها أعطت الانفصاليين الفرصة ليوسعوا قاعدتهم الشعبية وإقناع الكثيرين بالانضمام إليهم، وزاد التدخل الأجنبي، حيث تمكن الهنود من إقناع الانفصاليين بقبول مساعداتهم المالية واللوجستية وباتوا يعيشون بين الهند وأفغانستان، كما أن معظم معسكرات تدريب الانفصاليين موجود في أفغانستان، تحت إشراف القنصليات الهندية التي تتابع شؤونهم المالية والعسكرية، وتقدم لهم التدريب الراقي والمال المناسب، بما يمكنهم من شن المزيد من العمليات الانفصالية، وهكذا تنتقم الهند بطريقتها الخاصة من تدخل باكستان في إقليم كشمير.
يكافح البلوش على عدة أصعدة، أحدها انفصالي يستعمل العنف المسلح لتحقيق أهدافه، والثاني عبر الطرق الديمقراطية والسياسية، حيث يرخص له بالنشاط السياسي والمشاركة البرلمانية.
ويعد كل من "جيش تحرير بلوشستان" و"جبهة تحرير بلوشستان"، و"الحركة الشعبية" لتحرير "بلوشستان" و "لشكر بلوشستان" الجماعات الرئيسة في الإقليم، وتقودها ثلاث قبائل رئيسة هي: قبيلة "بوكتي" التي تتصدر الحركة الانفصالية، وقبيلة "مري"، وقبيلة "منكل".. وهذه القبائل الثلاث هي التي توفر الرجال والقواعد اللوجستية للمسلحين وتنسق مع الهند والأطراف الخارجية، وتزيد نسبة المؤيدين للانفصال في هذه القبائل على نصف النصف.
ولجأت الحكومة في المقابل إلى تشجيع قبائل أخرى على التعاون معها في وجه الانفصال، خاصة قبيلة "مكسي" التي عين زعيمها رئيساً لإقليم بلوشستان، وقبيلة "ريساني" التي عين زعيمها رئيساً للحكومة، وهناك قبائل أخرى ضمتها الحكومة إليها مثل قبيلة "راند"، وقبيلة "كانسى"، وقبيلة "جمالي" التي عين أحد أفرادها رئيساً لمجلس الشيوخ.
وما تخشاه باكستان اليوم هو أن يعلو صوت الانفصاليين على صوت النضال المعتدل؛ وتشير التوقعات إلى فشل الحكومة في التصدي للانفصاليين، الذين يجدون الدعم من أفغانستان والهند وروسيا خاصة أن الحركات الانفصالية لا تحمل أفكار "القاعدة" و"طالبان".