العنوان ملاحظات على مشروع قانون المطبوعات الجديد
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-مارس-1985
مشاهدات 70
نشر في العدد 709
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 19-مارس-1985
- قوانين الصحافة بين الحرية والتقييد:
للصحافة دور كبير في إيصال المعلومات إلى القراء ونشر الآراء المتباينة حول مختلف القضايا، وهي بهذا تسهم في صياغة رأي عام مستنير بين المواطنين؛ الأمر الذي يتوجب معه أن تحظى الصحافة بقدر من الحرية يمكنها من أداء هذا الدور الخطير، ولعل الصحافة الكويتية -رغم كونها ناشئة وحديثة في هذا المجال إلا أنها- أثبتت أنها قادرة على مجاراة دول كثيرة سبقتها في مجال الصحافة وما ذاك إلا بسبب هذا القدر من الحرية الذي تنعم به صحافتنا المحلية، وقد ورد في الدستور نصوص كثيرة تثبت ترسخ مفاهيم حرية الكلمة وإبداء الرأي، لذلك كان لا بد لأي قانون يصدر منظمًا للصحافة والطباعة والنشر أن يراعي هذه النصوص وما تضمنته من مبادئ، وقد صدر قانون المطبوعات والنشر في سنة ١٣٧٥هـ، الموافقة لسنة ١٩٥٦م، وأتى بعد ذلك قانون رقم (۳) لسنة (١٩٦١)، وقد جاء في المادة الأولى منه: «حرية الطباعة والكتابة والنشر مكفولة في حدود هذا القانون».
ولا يزال هذا القانون في كثير من نصوصه مطبقًا حتى الآن، وقد تضمن الأمر الأميري بالقانون رقم (٥٩) لسنة (١٩٧٦) إضافة مادة جديدة إلى قانون المطبوعات والنشر، وهي المادة (٣٥) والتي تجيز تعطيل الجريدة لمدة لا تجاوز سنتين أو إلغاء ترخيصها بقرار من مجلس الوزراء إذا ثبت أنها تخدم مصالح دولة، أو هيئة أجنبية، أو أن سياستها تتعارض مع المصلحة الوطنية، أو إذا تبين أنها حصلت من أية دولة أو جهة أجنبية على معونة أو مساعدة أو فائدة في أية صورة كانت ولأي سبب وتحت أية حجة أو تسمية حصلت بها عليها بغير إذن من وزارة الإعلام».
وقد كان لمجلس الأمة السابق موقف مشرف حيث رفضت لجنة شئون التعليم والثقافة والإرشاد هذه المادة، وجاء ذلك في تقريرها الذي رفعته لمجلس الأمة بهذا الخصوص، وجاء فيه بعد أن سردت نصوص المواد (٧، ٣٠، ٣٧، ٥٠) من الدستور: «ولما كانت مقتضيات التطور وما وصل إليه الشعب الكويتي من وعي ونضج وثقافة تقتضي تحقيق ما كفله الدستور من حرية الصحافة والطباعة والنشر تحقيقًا كاملًا، يسند الرقابة على جرائم الصحافة إلى القضاء الذي ينفرد وحده بالاختصاص بإلغاء ترخيص الجريدة، أو بتعطيلها، أو بوقف ظهورها مؤقتًا حتى يتم بذلك توفير ضمانة من أخطر الضمانات الدستورية للمشتغلين بالفكر والرأي في الكويت، واللجنة مع تقديرها للأسباب التي رأتها الحكومة لسن الأمر الأميري المذكور، إلا أنها مقتنعة بزوال هذه الأسباب بعد عودة الحياة النيابية، لذلك رأت اللجنة -بإجماع أعضائها الحاضرين- عدم الموافقة على الأمر الأميري بالقانون رقم (٥٩) لسنة (١٩٧٦) بشأن إضافة مادة جديدة إلى قانون المطبوعات والنشر». ورفضت اللجنة كذلك المادة (۳۷) التي تضمنها الأمر الأميري السابق لذات الأسباب التي أوردتها في تقريرها.
وقد تقدم العديد من نواب المجلس السابق بمشاريع قوانين لتعديل قانون المطبوعات؛ فقد قدم خمسة نواب وهم جاسم العون، وصالح الفضالة، خالد السلطان، عيسى الشاهين، ومحمد الرشيد مشروعًا بقانون بتعديل بعض أحكام ومواد قانون المطبوعات والنشر بشكل يحظر على الصحافة نشر ما يتضمن إفشاء سر من شأنه أن يضر بسمعة شخص أو بثروته أو باسمه التجاري، كما نص على حظر كل ما من شأنه أن يخدش الآداب العامة بأي وسيلة من وسائل النشر المقروءة أو المسموعة أو بالمصنفات ذات الصوت والصورة، وإضافة مادة جديدة أخرى بمعاقبة من أذاع بالكتابة أو الرسم أو بأية مطبوعات أخرى آراء تتضمن المساس بذات الله، أو بالرسل، أو الصحابة، أو بما تقرره الشريعة الإسلامية.
كما تقدم خمسة نواب آخرين في المجلس السابق وهم أحمد السعدون، ومشاري العنجري، وحمود الرومي، وخالد الوسمي، وفيصل الدويش بمشروع قانون يتضمن اقتراحًا بإلغاء المادة (٣٢) من القانون رقم (٣) لسنة (١٩٦١) التي تجيز لدائرة المطبوعات والنشر بعد الحصول على إذن من رئيس محكمة الاستئناف العليا، أن توقف صدور الجريدة إذا نشرت ما يعتبر نشره جريمة وفقًا للأحكام الواردة في المواد السابقة على هذه المادة، وذلك إلى حين صدور حكم من القضاء بشأنها، وقد عبرت المذكرة الإيضاحية لهذا المشروع عن الهدف من تقديمه بقولها:
«وهذه المادة بحالتها -وإن اشترطت تدخل القضاء لإمكان وقف صدور الجريدة باستلزام الحصول على إذن من رئيس محكمة الاستئناف العليا في هذا الوقت إلا أنها- أطلقت مدة الوقف دون تحديد فاصل زمني لها؛ إذ علقت استمراره إلى حين صدور حكم من القضاء في شأنه، وقد يتراخى صدور هذا الحكم ويترتب على ذلك استطالة أمد الوقف بغير حد زمني أقصى له على حساب الإضرار بصالح الجريدة وبحرية التعبير الصحفي المكفولة بالمادة (۳۷) من الدستور، فإذا صدر الحكم بعد ذلك مؤيدًا لجانب الجريدة، فلا سبيل إلى تدارك ما تحقق فعلًا من آثار هذا الوقف».
وتضيف المذكرة الايضاحية فتقول: «ولما كانت المادة (٣٥) من قانون المطبوعات المشار إليه بعد تعديلها بالقانون رقم (٣٥) لسنة (۱۹۷۲) تنص في البند «۳» منها على جواز أن يقرر رئيس دائرة الجنايات -عند الضرورة وبناء على طلب يقدم إليه من النيابة العامة- إيقاف صدور الجريدة مؤقتًا أثناء التحقيق أو أثناء المحاكمة لمدة لا تجاوز ثلاثة أسابيع، وكان حكم هذا النص ينطوي على ضمانة عدالة أوفى، فضلًا عن كونه يغطي بصورة أشمل الحالة التي تواجهها المادة (۳۲) من القانون ذاته، فقد بات من الأوفق إلغاء هذه المادة الأخيرة لكونها نافلة، وكون حكمها أعجز عن تحقيق الضمانة المذكورة، ومن أجل ذلك أعد مشروع هذا القانون لرد الوضع إلى نصابه الأسلم تشريعًا وعدالة».
لا شك بأن قانون المطبوعات الحالي يحتوي على عدة ثغرات وسلبيات حتى بعد إسقاط المادة (35 مكرر) منه، إلا أنه يبقى على الأقل أفضل من القانون الجديد الذي سيعرض على المجلس القادم، وإذا كانت نظراتنا تتجه دائمًا إلى ضمانات أكثر لحرية الصحافة وضوابط لا تضيع معها حرية الرأي المكفولة بالدستور، فإننا لذلك نرى في القانون الجديد للمطبوعات ما يمثل تقييدًا لهذه الحرية قد تضيع معه كلمة الحق، ويمكن إجمال هذه الملاحظات على القانون الجديد بصورة سريعة كما يلي:
أولًا- المادة (8) مكرر (۲) نصت على أنه:
«يجوز لوزير الإعلام بقرار منه أن يمنع من التداول إعداد أو نسخ أية مطبوعات إذا كان من شأن تداولها تعكير صفو الأمن، أو علاقات الكويت بالدول العربية، أو الإسلامية، أو الصديقة، أو المساس بحرمة الأديان، أو الصالح العام، أو الآداب».
والملاحظ أن وضع سلطة المنع في يد السلطة التنفيذية ولأسباب مطاطة كالتي وردت بالنص- هو أمر بالغ الخطورة، ويشكل قيدًا على حرية الكلمة التي كفلها الدستور وحرص على حمايتها.
ولذلك نرى -وكما هو الحال في كافة التشريعات الحديثة- أن تكون سلطة المنع للقضاء مع منع الناشر أو صاحب المصنف حق الطعن في قرار المنع.
ثانيًا- كما نصت الماد (٨) مكرر (٥) في فقرتها الأخيرة على أنه:
«كما لا يجوز إدخال المصنفات المشار إليها في الفقرة الأولى من هذه المادة إلى البلاد ولو كان ذلك للاستعمال الشخصي، إلا بعد إجازتها من الجهات التي يحددها وزير الإعلام».
ونرى أن هناك حالات كثيرة تقتضي حيازة مثل هذه المصنفات سواء لغرض البحث العلمي أو تفنيدها والرد عليها، ولذا نرى أن يكون من حق الشخص التظلم إلى سلطة قضائية من قرار الجهة التي يحددها وزير الإعلام.
ثالثًا- نصت المادة (٢٢) مكرر على الشروط الواجب توافرها فيمن يعمل كمحرر بأية جريدة، وقد خلا النص من حكم انتقالي يحفظ حقوق هؤلاء الذين يعملون كمحررين بالجرائد حاليًا.
رابعًا- نصت المادة (٢٧) فقرة (٤) على حظر نشر الأحكام الصادرة في جرائم المواقعة الجنسية، وهتك العرض، والتحريض على الفجور والدعارة.
وهذا الحظر يتنافى وفكرة القصاص في الإسلام، وفكرة العقوبة في التشريعات الحديثة؛ إذ الغاية منها أن يكون فيها عبرة للغير.
وقد قال الله -سبحانه وتعالى- عز من قائل: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٧٩) صدق الله العظيم.
ومن ثم لا يجوز بحال أن يخرج التشريع عن تلك القاعدة، ويتستر على مرتكبي مثل هذه الكبائر بدلًا من نشر ما وقع عليهم من عقاب حتى يكونوا عبرة لمن لا يعتبر، سيما وأننا في عالم اتسعت رقعته، وانشغل الناس بمهام الدنيا، فلا أقل من أن نذكرهم بطريق النشر بما حل بمرتكبي هذه الكبائر.
خامسًا- كما لا يتصور أن تحمل المادة (۲۸) المسئولية التي نقلت أو ترجمت عن نشرات صدرت في الكويت؛ ذلك لأنه متى أجازت السلطات تلك النشرات سواء باللغة العربية أو بغيرها فلا تثريب على الجريدة إن هي نشرتها وعلقت عليها بما تراه إعمالًا لحرية إبداء الرأي المنصوص عليها في دستور البلاد.
سادسًا- نصت الفقرة الأخيرة من المادة (٤٣) مكرر على أنه:
«كما يصدر وزير الإعلام قرارًا بتحديد موظفي وزارة الإعلام، أو غيرها من الوزارات الذين يحق لهم دخول أو تفتيش المطابع والمكتبات، ودور النشر، ومحال بيع وتوزيع المطبوعات والمصنفات الفنية، وذلك للتحقق من تنفيذ هذا القانون والقرارات الصادرة بتنفيذه، أو بضبط ما يقع من مخالفات، ولهم الاطلاع على الدفاتر، والأوراق، والسجلات، وتحرير المحاضر اللازمة لذلك».
ومما لا شك فيه أن تلك السلطات التي تجيز العبث بسجلات، أو دفاتر وأوراق الصحافة كسلطة رابعة لا يجوز بحال أن تترك هكذا بغير تحديد، وإنما يجب أن تناط لمن تتوافر فيهم درجة وظيفية معينة تجعلهم على مستوى المسئولية وبعد استئذان السلطة القضائية.
ونرجو أن تكون هذه الملاحظات محلًا للأخذ بها؛ ضمانًا لحرية الرأي، وتأكيدًا لحرية الصحافة، وتقريرًا للمعاني الذي كفلها الدستور.