; مذكرات رضا نور.. غباء الساسة في أنقرة | مجلة المجتمع

العنوان مذكرات رضا نور.. غباء الساسة في أنقرة

الكاتب رضا نور

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أبريل-1982

مشاهدات 58

نشر في العدد 568

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 27-أبريل-1982

  • أول ما فعلته في وزارة الصحة هو طرد غير الأتراك منها

وبدأت العمل، وكان أول ما فعلته هو تطهير الوزارة من غير الأتراك. فقد أصدرت الأمر بعزل كل الأطباء التابعين للوزارة من الألبانيين والعرب و إلى هود... إلخ. كما فعلت تمامًا وأنا وزير للمعارف.

وأذكر وأنا وزير للمعارف أن تشاجر معلم ألباني مع معلم تركي، فعزلت المعلم الألباني وقلت له: ما دام لا يحب الترك، فلماذا لا يذهب ويخدم قومه؟ ثم أصدرت أمري  إلى الوالي  أن يطرد هذا الألباني خارج الحدود.

  • خبز تركيا للأتراك.. وعلى العرب أكل خبزهم في بلادهم

وأنا وزير للصحة أتى من سوريا طبيب متخرج من مدرستي الطبية، وكان ذهب إلى سوريا ليعمل بها، ثم عاد  إلى وطنه «بجنوب تركيا». ربما كان في سوريا منذ حركة استقلال العرب «عنا»، وربما اشترك في التمرد الذي قام به العرب ضدنا في الحرب العالمية «الأولى». وعلى الفور أصدرت أمري بطرده خارج الحدود. إنه يخدم في سوريا ثم يأتينا يريد وظيفة! وجاء طبيب آخر من الشام ليعمل عندنا في أطنة أيضًا، فأصدرت أمري  إلى والي  أطنة قلت له: إن خبز تركيا خاص للأتراك، وعلى العرب أن يأكلوا خبز بلادهم في بلادهم. وليس في بلادنا لقمة لمن هم على شاكلة الطبيب حلمي الدمشقي. هيا أسرع وخذ حلمي من يديه، وألق به خارج الحدود، وقد فعل الوالي ما أمرته به.

مصطفى كمال لا يريد أن يترك مهمة القائد العام. وكلما انتهت مدتها يعمل على تجديدها، وكلما يريد تجديدها تقوم قيامة المجلس. وفي التجديد الثالث كان أكثر النواب ضد ذلك. وتم تقديم اقتراح للتجديد فرفضته الأكثرية. معنى ذلك أن الاقتراح سقط وانتهى الأمر، ولكنه في اليوم التالي؛ لهذا ذهب مصطفى كمال إلى المجلس، وأخذ جزءًا من النواب بالكذب، وجزءًا بالتهديد. واستطاع تجديد فترة القائد العام، وحدث أنه اضطر للتهديد العلني في آخر جلسة تم فيها تجديد مدة القيادة العامة له ثم يكتب في خطابه الرسمي «ص ٤٠٢» ويقول عكس هذا.

أذكر أننا عندما ذهبنا  إلى لوزان «لعقد معاهدة لوزان» أن قال لنا: «إذا ظهر شيء ولم تستطيعوا أن تحتفظوا بأدرنة وإستانبول، فلا تعقدوا الأمور واتركوهما، واتركوا الموصل أيضًا».

  • الروس يطردون سفيرنا

طرد الروس سفيرنا علي فؤاد وأركبوه القطار؛ ليعود لبلاده، ثم هجموا على السفارة واعتقلوا عدة ضباط أتراك منها وحبسوهم واستولوا على الأوراق الرسمية. كيف حصل هذا في الوقت الذي سنأخذ السلاح والمعونات المادية من روسيا، فإذا بهم يطردون سفيرنا. وفي الحال وجهنا مذكرة بهذا  إلى روسيا وطلبنا ترضية، ولم تعطنا روسيا ترضية، قال لي مجلس الوزراء: حل أنت هذه المشكلة. اذهب إليهم واجعلهم يعطوننا ترضية، ثم اعمل على إعادة العلاقات إلى طبيعتها مرة أخرى، ثم اطلب السلاح والمال، وعملوني رئيسًا لوفد بصلاحيات رسمية، ذهبت إلى روسيا مرة أخرى.

مات أبي وأنا في روسيا ميتة لا يؤثر من أحد، فقد عاش كثيرًا وربى أولاده، وعاش بشرفه ووجد الإكرام من الأهالى . وأدى واجبات حياته بالكامل لكنه والد، وقاتلته هي زوجتي، فقد أخذته «وهو يبلغ الخامسة والسبعين من عمره»  إلى إستانبول، وكنت معارضًا لهذا، وهناك عاملته معاملة سيئة، وكنت قلت لها: لا تأخذينه  إلى إستانبول فهو رجل عجوز وقد يصيبه البرد فيموت، لكنها لم تسمع كلامي، والواقع أنني لم أستطع أن أجعل هذه المرأة تسمع لكلامي ولو مرة طوال حياتي معها.

  • القمل في كل مكان في روسيا

روسيا هذه المرة تختلف: ينتشر فيها وباء التيفوس، والقمل في كل مكان من روسيا.

وفي روسيا علمت المسألة التي طرد الروس من أجلها سفيرنا علي فؤاد في موسكو صديق الممثل إنكلترا، وعلاقتهما قوية جدًّا، ثم إن علي فؤاد نفسه يتكلم في موسكو ضد الروس. كما أن لعلي فؤاد علاقات وثيقة بممثل بولندا في روسيا. علي فؤاد خصص منزلًا خارج موسكو للملحق العسكري، وكان يعيش فيه هذا الملحق مع اثنين من ضباطنا. وجد ملحقنا العسكري الجواسيس وحثهم على سرقة وثائق وخرائط خاصة بالجيش الروسي من هيئة أركان الحرب الروسية. حدث هذا بأمر من علي فؤاد بالاشتراك مع البولنديين. علم الروس بالأمر فاقتحموا منزل ملحقنا العسكري عند دخول الجاسوس  إليه وقبضوا على الجاسوس وضباطنا والجاسوس يسلمهم الوثائق، قبض الروس على الجاسوس وعلى ضباطنا وأوسعوهم ضربًا، وأخذوا الأوراق وأخذوا ضباطنا أيضًا وحبسوهم وأركبوا علي فؤاد ممثلنا القطار وطردوه.

  • تملق الروس كان شيئًا مهمًا

إن ما فعله علي فؤاد خطأ فظيعًا، لماذا تصادق سفيري إنجلترا وبولندا؟ ثم ماذا يهمنا من وضع روسيا العسكري؟ وماذا يهمنا من الإنجليز واليونان؟ بالعكس إن الذي يهمنا هو المساعدة الروسية.

معنى هذا أن الروس لا يثقون فينا، يظنون أننا سنهجم عليهم بالاشتراك مع البولنديين والفرنسيين، وهذا أخوف ما يخافه الروس. إن أكبر أعداء للروس في هذه الفترة هم: الإنجليز والبولنديون، والروس محقون في غضبهم، استطعت محبة الروس، وسعدوا أكثر بسبب أن المطبوعات البولندية تهاجمني بشدة نتيجة الخطب التي ألقيتها في روسيا مادحًا الروس. هذا هو المهم بالنسبة لنا.

وكانت مهمتي الثانية أن أقنع الروس بأنه لا علاقة إطلاقًا تربط بيننا وبين البولنديين، ونجحت في هذا، ومهمة أخرى كانت تنتظرني إقناع الروس بأن علي فؤاد كان يتصرف من تلقاء نفسه، ونجحت في هذا في سحب المال والعتاد من الروس.

  • تقدم روسيا حدث بفعل العلماء الأجانب عنها

في روسيا تقدم عظيم. الروس يصنعون كل ما يلزمهم تقريبًا، حتى خرائط الصيد. وأخذت المدن الروسية شكل المدن الأوربية، والعلم تقدم فيها، وأقاموا المكتبات والمدارس والمتاحف، كما أن المسارح ارتقت. قام وزير عاقل منهم باستقدام العلماء الألمان إلى روسيا، وجعلهم يدرسون روسيا بكل ما فيها علميًّا وزراعيًّا، وكل شيء، وكان قد وزعهم على شعب وفروع شعبة علمية، وشعبة اقتصادية... إلخ، ثم قام الروس بتطبيق النتائج التي أسفرت عنها هذه الدراسات. وبفضل هذا وصلت روسيا  إلى ما وصلت  إليه، والحقيقة أن العلماء الروس المشهورين الآن هم العلماء الألمان الموجودون كمواطنين روس على ساحل البلطيق.

وتقدمت  اليابان أيضًا حدث هذا بفضل العلماء الألمان، وفي رأيي أنه من أجل أحياء تركيا لا بد من استقدام العلماء الألمان في كل التخصصات لدراسة بلادنا من كل نواحيها، ومن غير هذا لا يحدث شيء، وكل شيء سيكون خطأ وبلا أساس. ولن تكون هناك سعادة لتركيا إلا بهذا. وإن سعادة مصر كانت نتيجة لبحث علمي كهذا، قام به العلماء الفرنسيون ونفذه محمد علي. كان ذلك قبل قرن من الزمان «حتى كتابة هذه المذكرات»، ولكن منذ ذلك العهد تفوق الألمان على الفرنسيين مائة مرة.

  • جاء دور السلاح والمال

شيشرون ليس في موسكو هذه المرة، وإنما قراخان هو الموجود، والآن جاء دور تسول السلاح والمال من روسيا، قال لي: «لن نستطيع إعطاءكم نقودًا هذه المرة». قلت له: «إن جبهتنا ضد الفرنسيين والإنجليز تعني جبهتكم أيضًا». قال لي: «ليست لدينا نقود، لو كان عندنا لأعطيناكم بكل سعادة»، آخر مرة صادرنا الذهب والمجوهرات الموجودة في الكنائس، وليس أمامنا شيء آخر نصادره». وجدت أن قراخان يتكلم معي بصدق كما أنه باح لي بسر، ولو لم يكن صادقًا لما باح به.

إن الروس يصرفون أكثر على الدعاية الشيوعية في أوروبا وفرنسا وإنجلترا وألمانيا، بل حتى في مصر وفي أفغانستان وفي الهند. أضاف قراخان قائلًا: لكني أظن أننا نستطيع إعطاءكم السلاح.. وقابلت قوميسير الحربية تروتسكي. أبلغت أنقرة بالشفيرة أن الروس سيعطوننا السلاح لكن ليس لديهم المال الذي يعطوه لنا. طلب مني الروس إعداد قوائم بالمطلوب من السلاح، وجلست مع رئيس هيئة أركان الحرب الروسية لهذا الشأن.

  • غباء الساسة في أنقرة

في هذه الأثناء تمامًا أقام قراخان وليمة للهيئات الأجنبية، ودعاني أيضًا  إلى ها، وفي الوليمة أجلسني على يمينه وأجلس الجميع في الوسط، وعندما انتهى الأكل أخذني على جانب وقال لي: «علي فؤاد قادم الآن مرة أخرى سفيرًا لكم» دهشت وقلت له: «هذا كذب» شيء من هذا مستحيل أن يحدث. قال لي: «تسلمت الآن برقية من سفيرنا لديكم أن علي فؤاد أقام مأدبة وداع، ودعا  إلى ها سفيرنا هناك. وعلي فؤاد الآن في طريقه  إلينا». سكت ثم قال بشدة: «إذا وصل  إلى الحدود سنقبض عليه ونعيده مهانًا» يا له من موقف كم نبذل من جهد في موسكو، وانظروا ماذا يفعلون في أنقرة. إن مساعدة روسيا لنا في السلاح الذي نحن في أشد الحاجة إليه سيكون في خبر كان.

فكرت قائلًا لنفسي: إن الذي فعل هذا هو مصطفى كمال، وليس هناك في أنقرة أحد يستطيع فعل هذا إلا هو، إنه لا يريد علي فؤاد في أنقرة فيبعده عن أنقرة لهذا السبب، ولكن أهذا عقل؟!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 62

115

الثلاثاء 01-يونيو-1971

تركيا..  زلازل طبيعية وصناعية!

نشر في العدد 38

137

الثلاثاء 08-ديسمبر-1970

يوميات المجتمع (38)