; المجتمع التربوي (العدد 2041) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (العدد 2041)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 23-فبراير-2013

مشاهدات 63

نشر في العدد 2041

نشر في الصفحة 50

السبت 23-فبراير-2013

آباء وأبناء.. في القرآن الكريم 

  • «أيارخا » حملت بموسى في الوقت الذي كان فرعون يأمر فيه بذبح كل غلام يولد من بني إسرائيل
  • مرت اللحظات ثقيلة على أم موسى وهي تعاني متاعب الحمل ووهنه وكانت تتمنى ألا تلد مولوداً ذكراً خشية فقدانه
  • عندما خافت عليه ألقته في اليم.. وأعاده الله سبحانه إليها لترضعه وتأخذ على ذلك أجراً
  • قدَرُ الله عز وجل نافذ.. نجَّى الله موسى وكبر وكان زوال ملك فرعون على يديه
  • عندما أُلقي موسى في اليمّ أخرجه الله تعالى سالماً.. أما فرعون فقد دخله ولم يخرج منه حياً

إيمان مغازي الشرقاوي

إنها دروس التوكل على الله تعالى في أعلى درجاته، تعلمها لنا امرأة! هي أمّ تملك كل مشاعر الأمومة، ويفيض قلبها حباً وحناناً وخوفاً على فلذات أكبادها شأنها في ذلك شأن سائر الأمهات، لكن يقينها العظيم بالله كان أقوى من كل المشاعر، وتوكلها الصادق عليه كان أعظم. وليس بالأمر الهين أن تحمل الأم جنينها في أحشائها يتقلب ليل نهار على أصوات المواليد وهم يذبحون، وتنام الأم وتصحو على صراخاتهم الأولى وهي تُوأد بلا رحمة، فتدفن معها حياتهم، لا لذنب اقترفوه إلا تأويل رؤيا لطاغية عصره وفرعون زمانه مفادها أن هلاكه وزوال ملكه البائد على يد غلام يولد من بني إسرائيل!

أسَمعتم عمّن يخشى ميلاد طفل، لا يعرف أين هو ولا مَن هو؟ ويموت رعباًً كل لحظة كلما ولد صبي، خوفاً على أركان عرشه منه، وضنّاً بكرسي الملك أن يزول من تحت قدميه بسببه، ويؤمّل لنفسه أنه سيعيش عمراً طويلاً يخشى معه أن يكبر هذا الطفل إن تُرك حيّاًً فتتحقق الرؤيا كما فسرها الكهان والمعبرون؟ هذا ما كان من فرعون!

أم موسى

إن بطلة حديثنا هي تلك المرأة المؤمنة، أم موسى، واسمها «أيارخا »، التي حملت بموسى في الوقت الذي كان فرعون يأمر فيه بذبح كل غلام يولد من بني إسرائيل، قال تعالى: ﴿إنَّ فٌرًعّوًنّ عّلا فٌي الأّرًضٌ وجّعّلّ أّهًلّهّا شٌيّعْا يّسًتّضًعٌفٍ طّائٌفّةْ مٌَنًهٍمً يٍذّبٌَحٍ أّبًنّاءّهٍمً ويّسًتّحًيٌي نٌسّاءّهٍمً إنَّهٍ كّانّ مٌنّ المٍفًسٌدٌينّ﴾ القصص، وذلك لأن الكهنة أو المنجمون قالوا له: إن مولوداً يولد في بني إسرائيل يذهب ملكك على يديه، أو رأى رؤيا فعبرت كذلك.

قال الزجاج: العجب من حمقه لم يدر أن الكاهن إن صدق فالقتل لا ينفع، وإن كذب فلا معنى للقتل.

وتمر اللحظات ثقيلة عصيبة على أم موسى، وهي تعاني متاعب الحمل ووهنه، وكأيّ أمّ هذا حالها، فإنها ستتمنى ألا تلد مولوداً ذكراً خشية فقدانه، وستودّ أن لو ظل هذا الجنين بين أحشائها آمناًًً في بطنها! وكأني بها وهي تحاول إخفاء هذه البطن عن الناس، وتستخفي عن أنظارهم خشية وصول خبر حملها إلى القتلة مصاصي الدماء، فتفقد فلذة كبدها بعد ولادته إلى الأبد.

إنه وأد بآلة الذبح، تلك الآلة التي نراها أسف الآن - في عصر التكنولوجيا - شرسة ونهمة تلتهم كل من يعترضها وتطيح برأسه، لتسود كما سادت من قبل في عصر الظلم والجاهلية، إنها تتكرر وتشتد مع ا الاستضعاف، وتزيد ضراوتها إذا ما ابتغيت الحرية الإنسانية ونودِيَ بالعدل واستُدعِيَتْ الكرامة، تتجدد وتعود على أيدي كل فرعون طاغية، حيث يذبح الأطفال، وهم أجنة في بطون أمهاتهم، وتوأد صرخاتهم قبل أن ترى النور، تذبح وإن اختلفت شكل السكين، فقد تكون مدفعاًً رشاشاً أو طائرة حربية، وقد تكون راجمة صواريخ أو دبابة ثقيلة أو سلاحاً كيماوياً! وقد تكون ببقر البطون واستخراج المواليد استعجالاً للتخلص منهم، أو بقتل الأطفال في المشفى أو المدرسة، وسرقة ضحكاتهم البريئة واستبدالها بالصراخ والعويل! وقديماً ليس ببعيد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعَمرو بن العاص واليه على مصر، مقولته الخالدة التي تصلح أن تزين بها دساتير حقوق الإنسان:

«متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ».. وقد ضرب ابن عمرو بن العاص رجلاً مصرياً قبطياً سبقت فرسه فرس ابن الأمير، لكن الولاية لم تحصّن عَمرو، أو تفلته من الرقابة هو أو ابنه، بل على العكس هي مدعاة للمحاسبة الشديدة والقصاص العادل الذي لا يفرق بين إنسان وإنسان.

الولادة والخوف

وكان قدر الله الغالب الذي لا مفر منه؛ ﴿واللَّهٍ غّالٌبِ عّلّى أّمًرٌهٌ ولّكٌنَّ أّكًثّرّ النَّاسٌ لا يّعًلّمٍونّ﴾ يوسف، ووضعت أم موسى وليدها ذكراً، هو موسى، ووقع ما كانت تخشاه.. وضاقت به ذرعاً، وخافت عليه خوفاً شديداً وأحبته حباً زائداً، وكان موسى عليه السلام لا يراه أحد إلا أحبه، قال الله تعالى: ﴿وأّلًقّيًتٍ عّلّيًكّ مّحّبَّةْ مٌَنٌَي ولٌتٍصًنّعّ عّلّى عّيًنٌي﴾ طه، فلما ضاقت به ذرعاً ألهمت في سرها وألقي في خلدها وأنفث في روعها، قال تعالى: ﴿وأّوًحّيًنّا إلّى أٍمٌَ مٍوسّى أّنً أّرًضٌعٌيهٌ فّإذّا خٌفًتٌ عّلّيًهٌ فّأّلًقٌيهٌ فٌي اليّمٌَ ولا تّخّافٌي ولا تحزّنٌي إنَّا رّادٍَوهٍ إلّيًكٌ وجّاعٌلٍوهٍ مٌنّ المٍرًسّلٌينّ﴾ القصص، وحياً جاءها من الله تعالى فقذف في قلبها، وليس بوحي نبوة، وذلك أنه كانت دارها على حافة النيل فاتخذت تابوتاً، ومهدت فيه مهداً، وجعلت ترضع ولدها؛ فإذا دخل عليها أحد ممن تخافه ذهبت فوضعته في ذلك التابوت وسيَّرته في البحر وربطته بحبل عندها، فلما كان ذات يوم دخل عليها مَن تخافه، فذهبت فوضعته في ذلك التابوت وأرسلته في البحر، وذهلت أن تربطه فذهب مع الماء واحتمله حتى مر به على دار فرعون؛ فالتقطه الجواري فاحتملنه فذهبن به إلى امرأة فرعون ولا يدرين ما فيه، فلما كشفت عنه إذا هو غلام من أحسن الخلق وأجمله وأبهاه، فأوقع الله تعالى محبته في قلبها حين نظرت إليه، وذلك لسعادتها وما أراد الله سبحانه من كرامتها.

المخرج والفرج

﴿وأّصًبّحّ فٍؤّادٍ أٍمٌَ مٍوسّى فّارٌغْا إن كّادّتً لّتٍبًدٌي بٌهٌ لّوًلا أّن رَّبّطًنّا عّلّى قّلًبٌهّا لٌتّكٍونّ مٌنّ المًؤٍمًنٌيٌن﴾ القصص، فحين ذهب ولدها في البحر أصبح فؤادها فارغاً من كل شيء من أمور الدنيا إلا من موسى؛ ﴿إن كّادّتً لّتٍبًدٌي بٌهٌ﴾؛ من شدة وجدها وحزنها وأسفها كادت تظهر أنه ذهب لها ولد وتخبر بحالها، لولا أن الله تعالى ثبَّتها وصبرها، ﴿وقّالّتً لأٍخًتٌهٌ قٍصٌَيهٌ فّبّصٍرّتً بٌهٌ عّن جٍنٍبُ وهٍمً لا يّشًعٍرٍونّ﴾ القصص، لما استقر موسى عليه الس ام بدار فرعون وأحبته امرأة الحاكم ل واستطلقته منه، عرضوا عليه المراضع التي في دارهم فلم يقبل منها ثدياً، وأبى أن يقبل شيئاً من ذلك، فخرجوا به إلى السوق لعلهم يجدون امرأة تصلح لرضاعته، فلما رأته أخته بأيديهم عرفته ولم تظهر ذلك ولم يشعروا بها، قال تعالى: ﴿وحّرَّمًنّا عّلّيًهٌ المّرّاضٌعّ مٌن قّبًلٍ فّقّالّتً هّلً أّدٍلٍَكٍمً عّلّى أّهًلٌ بّيًتُ يّكًفٍلٍونّهٍ لّكٍمً وهٍمً لّهٍ نّاصٌحٍونّ فّرّدّدًنّاهٍ إلّى أمٌَهٌ كّيً تّقّرَّ عّيًنٍهّا ولا تحزّنّ ولٌتّعًلّمّ أّنَّ وعًدّ اللَّهِ حّقَِ ولّكٌنَّ أّكًثّرّهٍمً لا يّعًلّمٍونّ﴾ القصص.

فرجعت أم موسى بولدها راضية مرضية قد أبدلها الله تعالى بعد خوفها أمناً في عز وجاه ورزق دار، فأخذت ولدها ترضعه في بيتها، وأجرت عليها امرأة فرعون النفقة والصات والإحسان الجزيل، ولهذا جاء في الحديث: «مثل الذي يعمل ويحتسب في صنعته الخير كمثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها »، ولم يكن بين الشدة والفرج إلا القليل من يوم وليلة أو نحوه والله أعلم، فسبحان من بيده الأمر، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، الذي يجعل لمن اتقاه بعد كل همٍّ فرجاً وبعد كل ضيق مخرجاً.

النهاية

ويخبرنا الله العليم الخبير، الرحمن الرحيم، بما حدث لموسى، ولولا ذلك ما عرفنا تتمة هذه القصة.. قصة الحياة التي وهبها الله تعالى موسى، إذ نجاه من الذبح، ونجاه من الغرق، ونجاه من الجوع، ونجاه من القتل، ومن قبل ذلك كله كتب له السعادة الأبدية فنجاه من الكفر وجعله رسولاً نبياً، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ثٍمَّ نٍنّجٌَي رٍسٍلّنّا والَّذٌينّ آمّنٍوا كّذّلٌكّ حّقَْا عّلّيًنّا نٍنًجٌ المؤًمٌنٌينّ﴾ يونس، فصلى الله عليه وسلم.

وأبشر يا كل مظلوم خائف تطاردك سكين الظلم وتطلبك آلة الذبح؛ ﴿وعّدّ اللَّهٍ الذٌينّ آمّنٍوا مٌنكٍمً وعّمٌلٍوا الصَّالحاتٌ لّيّسًتّخًلٌفّنَّهٍمً فٌي الأّرًضٌ كّمّا اسًتّخًلّفّ الذٌينّ مٌن قّبًلٌهٌمً ولّيٍمّكٌَننَّ لّهٍمً دٌينّهٍمٍ الذٌي ارًتّضّى لّهٍمً ولّيٍبّدٌَلّنَّهٍم مٌَنً بّعًدٌ خّوًفٌهٌمً أّمًنْا يّعًبٍدٍونّنٌي لا يٍشًرٌكٍونّ بٌي شّيًئْا ومّن كّفّرّ بّعًدّ ذّلٌكّ فّأٍوًلّئٌكّ هٍمٍ الفّاسٌقٍونّ﴾ النور.

أما القاتل الظالم فرعون الذي أعمل آلته في رقاب الأطفال ذبحاً، فكانت نهايته أليمة، وإن كان موسى قد ألقي في اليمّ هرباً منه؛ فقد أخرجه الله سالماً، أما هو فقد دخله ولم يخرج منه حياً، وإنما جثة هامدة، حيث قال الله تعالى له: ﴿فّالًيّوًمّ نٍنّجٌَيكّ بٌبّدّنٌكّ لٌتّكٍونّ لمن خّلًفّكّ آيّةْ﴾ يونس: 92 .

 أم سليم.. سيدة من نساء أهل الجنة (1) 

صاحبة الذكاء النادر والعقل الراجح والخلق الكريم

  • تزوجت بابن عمها مالك بن النضر وأنجبت له أنساً وكان ذلك قبل الإسلام
  • ومن وفائها لزوجها رغم موته على الكفر أن قالت: لا أفطم أنساً حتى يدع الثدي ولا أتزوج حتى يأمرني أنس
  • عكفت على تربية ولدها «أنس » على تعاليم الإسلام إلى أن أصبح فتى فأخذته وذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرضت عليه أن يكون خادماً له
  • كان من بركة خدمته لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن دعا له بكثرة المال والولد وطول العمر ومغفرة الذنب فرزقه الله من صلبه بأكثر من 120 ولداً وحفيداً وكان عنده بستان يأتيه بالفاكهة مرتين في العام الواحد ومات وهو ابن 103 سنوات

مصطفى حمودة

هذه المرأة قمة من القمم التي صنعها الإسلام، كل موقف من حياتها يبهر العقل ويخطف اللب حقاً أدهشتني رجاحة عقلها حينما أكتب عنها يختلج صدري كثيراً من المعاني يعجز البيان عن تسطيرها، قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دخلت الجنة فسمعت خشفة بين يدي فإذا أنا بالرميصاء أم سليم بنت ملحان .»

وفاء منقطع النظير: إنها امرأة من الأنصار صاحبة الجمال الباهر، والذكاء النادر، والعقل الراجح والخلق الكريم. تزوجت بابن عمها مالك بن النضر، وأنجبت له أنساً، وكان ذلك قبل الإسلام، وحينها بدأ نور الإسلم يتدفق إلى المدينة حتى صادف قلبها، فأشرق بالإيمان صدرها فأعلنت إسلامها، ولم تفكر في فراق زوجها الذي تحبه، أو تعذيبه الذي تخاف منه.. وعندما علم زوجها غضب وثار عليها، وأخذ يتوعدها، ويهددها، ويقول لها: أصبوت؟ فتقول: ما صبوت، ولكني آمنت، وجعلت تلقن ولدها أنس الشهادة، فيعترضها زوجها، ويقول: لا تفسدي عليّ ولدي، فتقول: لا أفسده ولكن أهذبه وأعلمه، وعندما لم يجد زوجها مالك ابن النضر سبيلً لردها عن دينها الجديد أعلمها أنه سيخرج من دارها بغير عودة، وقد كان ذلك، وبالفعل خرج فلقي بعض أعدائه فقتلوه، وعندما علمت الزوجة الوفية بمقتل زوجها حزنت عليه كثيراًًً وقالت: لا جرم، لا أفطم أنساً حتى يدع الثدي، ولا أتزوج حتى يأمرني أنس، وكان ما قالت.

فانظر كيف وفت الزوجة لزوجها، وهو على خلاف دينها، وهذا يذكرنا بموقف ابنة رسول الله زينب رضي الله عنها حينما وقع زوجها العاص بن وائل، وهو على الشرك في أسر المسلمين، فأرسلت تفتديه بقلدة أهدتها إياها أمها ا ليلة عرسها.

فما أحوج بيوتنا إلى تلك النماذج الراقية والمعاني السامية حتى تملأها البهجة، فتنبت لنا نباتاً حسناً، فمن وفاء الزوجة لزوجها أن تتحمل زوجها إذا غضب. ومن وفاء الزوج لزوجته أن يتحملها إذا غضبت على ألا يكون ذلك ديدنهم، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغضب.

قال أبو الدرداء يوماً لزوجته: «إذا رأيتني غاضباً فرضني، وإذا رأيتك غضبى رضيتك وإلا لم نصطحب .» ومن وفاء الزوج ألا يفشي سرها، وألا يفضح عيبها، وكذلك الزوجة؛ ﴿هٍنَّ لٌبّّاسِ لَّكٍمً وأّّنتٍمً لٌبّاسِ لَّهٍنَّ﴾ البقرة: 187 .

ومن وفاء الزوجِ أن يوسع على أهله وعياله، والزوجة أن ترعى ذات يده، إلى غير ذلك من صور الوفاء التي ربما افتقدتها بيوتنا، فتحولت من نعيم إلى جحيم. أم سليم وفن تربية الأبناء عكفت أم سليم على تربية ولدها منذ نعومة أظفاره على تعاليم الإسلم إلى أن ا أصبح فتى يُعتمد عليه، فأخذته وذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرضت عليه أن يكون فلذة كبدها ووحيدها أنس خادماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

يذكرنا هذا بموقف أم سفيان الثوري حينما قالت لولدها: «يا بني اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي، يا بني إذا كتبت عشرة أحرف، فانظر هل ترى في نفسك زيادة، فإن لم تر فاعلم أنه لا ينفعك »، يا الله امرأة تربي ولدها أن العلم لا يكون إلا دافعاً للإيمان والعمل.. فليس العلم عن كثرة الرواية ولكن العلم الخشية.

يرجع هذا المعنى بذاكرتنا إلى موقف سطره القرآن، وكتب له الخلود؛ إنه موقف تلك المرأة الزكية امرأة عمران، والتي قال الله عنها: ﴿إذً قّالّتٌ امًرّأّتٍ عٌمًرّانّ رّبٌَ إنٌَي نّذّرًتٍ لّكّ مّا فٌي بّطًنٌي مٍحّرَّرْا فّتّقّبَّلً مٌنٌَي إنَّكّ أّنتّ السَّمٌيعٍ العلّيٌم فّلّّمَّا وضّعّتًهّا قّالّتً رّبٌَ إنٌَي وضّعًتٍهّا أنثّى واللَّهٍ أّعًلّمٍ بما وضّعّتً ولّيًسّ الذَّكّرٍ كّالأٍنثّى وإنٌَي سّمَّيًتٍهّا مّريم وإنٌَي أٍعٌيذٍهّا بٌكّ وذٍرٌَيَّتّهّا مٌنّ الشَّيًطّانٌ پرَّجٌيمٌ﴾ آل عمران.

قدموا الآخرة على الدنيا، فأعطاهم الله الآخرة والدنيا، إنها بركة التربية على الإيمان وتعلق القلوب بالآخرة ألا فلنفهم رجالاً ونساء كيف تكون التربية وطريق النعيم في الدنيا قبل الآخرة؛ ﴿مّنً عّمٌلّ صّالْحا مٌَن ذّكّرُ أّوً أنثّى وهٍوّ مٍؤًمٌنِ فّلّنٍحًيٌيّنَّهٍ حّيّاةْ طّيٌَبّةْ ولّنّجًزٌيّنَّهٍمً أّجًرّهٍم بٌأّحًسّنٌ مّا كّانٍوا يّعًمّلٍونّ﴾ النحل.

أما أنس، فقد كان من بركة خدمته لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن دعا رسول الله له بكثرة المال والولد وطول العمر ومغفرة الذنب،

فرزقه الله من صلبه بأكثر من مائة وعشرين من الأولاد والأحفاد في حياته، وكان عنده بستان يأتيه بالفاكهة مرتين في العام الواحد، ومات وهو ابن 103 سنوات. وأما سفيان، فقد أصبح أمير المؤمنين في الحديث يقصده الناس من كل فج عميق، وكفى به شرفاً.

وأما الثالثة، فقد خرق الله لها العادات؛ ﴿فّتّقّبَّلّهّا رّبٍَهّا بٌقّبٍولُ حّسّنُ وأّنًبّتّهّا نّبّاتْا حّسّنْا وكّفَّلّهّا زّكّرٌيَّا كٍلَّمّا دّخّلّ عّلّيًهّا زّكّرٌيَّا المٌحًرّابّ وجد عٌندّهّا رزًقْا قّالّ يّا مّرًيم أّنَّى لّكٌ هّذّا قّالّتً هٍوّ مٌنً عٌندٌ اللَّهٌ إنَّ اللَّهّ يرزٍقٍ مّن يّشّاءٍ بٌغّيًرٌ حٌسّابُ﴾ آل عمران، بل وشرفها بحمل نبي من أنبيائه على خلاف ناموس الكون وجعله آية للعالمين؛ ﴿وجّعّلًنّا ابًنّ مّريم وأمَّه آيّةْ وآوّيًنّاهٍمّا إلّى رّبًوّةُ ذّاتٌ قّرّارُ ومّعٌينُ﴾ المؤمنون. فإذا ربينا أولادنا على طلب الآخرة كما كانت أم سليم، صنعهم الله على عينه ورفع قدرهم في الدنيا والآخرة.

أكرم النساء مهراً

بعد أن ربت ولدها، ووفت لمالك زوجها وسمع أبو طلحة برجاحة عقلها سارع يخطب ودها، ويطلب زواجها ويمنيها بالمهر الكثير، وكان من أثرياء المدينة، فقالت تلك المرأة العظيمة: لا ينبغي لي أن أتزوج مشركاً، أما تعلم يا أبا طلحة أن آلهتكم ينحتها عبد آل فلان، وأنكم لو أشعلتم فيها ناراً لاحترقت، فأخذ يعرض عليها من ألوان النعيم، فقالت: لا أريد منك مالاً ولا نعيماً، ولكن أريد منك الإسلام، فذهب إلى رسول الله وأعلن إسلامه، فقالت لأنس: قم فأنكح أبا طلحة. يقول أنس: ما سمعت بامرأة قط كانت أكرم مهراً من أم سليم ألا فليسمع الآباء والأمهات والبنات. فمن أكبر المشكلات التي تواجهها كثير من مجتمعات المسلمين الآن الغلاء الفاحش للمهور، والذي أحجم بسببه كثير من الشباب عن الزواج.

ألا فلتسمعوا قولة عمر، وهو يصرخ من على منبره: «ألا لا تغالوا في صُدق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أصدق رسول الله امرأة من نسائه، ولا أُصدقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية » أي ما يعادل أربعين ديناراً من الفضة تقريباً. وتزوج عبدالرحمن بن عوف على وزن نواة من ذهب أي ما يعادل تسعة جرامات تقريباً. وزوج سعيد بن المسيب ابنته على درهمين أي ما يعادل ستة جرامات من الذهب تقريباً بعد أن خطبها الخليفة لولده فأبى أن يزوجها.

وقال رسول الله للصحابي كما عند البخاري: «التَمِسْ وَلَوْ خَا مت مًتا مِنْ حَدِيدٍ »، فَلَمْ يَجِدْ، فَقَالَ: «أَمَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ؟ » قَالَ:نَعَمْ، سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، لِسُوَرٍ سَمَّاهَا، فَقَالَ: «قَدْ زَوَّجْنَاكَهَا مب مَبا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ .ِِ» وفيما أخرج أحمد بسند حسن من حديث عائشة، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: « يم يْمنُ ا ململرَْأَةِ تَيْسِيرُ خِطْبَتِهَا، وَتَيْسِيرُ صَدَاقِهَا .» نحن لا ندعو بذلك أن نعطي بناتنا لمعدم لا ينشط لعمل، فلابد أن يجتمع فيه الدين والخلق، وهما أساس العمل والطموح، ولا بأس إن كان متعثراً في بداية حياته، فكلنا ذاك الرجل. يقول أبو بكر: «أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى ،» هكذا كان هو اختيار أم سليم لنفسها، فما اختيارنا لبناتنا؟!

أبو محجن الثقفي.. نموذج عظيم للشاب المسلم

أمل دربالة

أبو محجن رجل ابتلي بإدمان الخمر، فكان لا يقلع عنه، ويؤتى به فيجلد ثم يعود ثم يجلد ثم يعود، ولكنه لم يفهم أن إدمانه للخمر يمنعه من العمل للدين، فإذا به يحمل سلاحه ويسير مع الموكب المتيمِّن صوب «القادسية »؛ ليقاتل هناك الفرس، وليرفع «لا إله إلا الله »، وليقدم دمه بسخاء ل «لا إله إلا الله .»

وهناك يقع بالمطب مرة ثانية، يشرب الخمر وهو مع الجيش، ويؤتى بهى سعد رضي الله عنه ثم اً.. إنا لله وإنا إليه راجعون، ل جندي على مشارف القتال يؤتى به سكراناً، ملا عقوبته؟ عقوبته يحرمن المشاركة في المعركة، هو ما جاء من أعماق الجزيرة العربية إلا ليقدم دمه ثمناً ل «لا إله إلا الله »، ومع ذلك  يسكر، إذاً عقوبته جزاءً له وردعاً لأمثاله «لا يشارك في المعركة »، وكانت هذه عقوبة أليمة، ليست عقوبة تعطيهذراً وس امة من آلام ل القتال وأخطار الموت.

وتصطف الجليلوش للمواجهة،د كان موقع القائد، كان مسرحاً لعمليات في وسط المعركة،م تكن غرفة العمليات ولا مسرح العمليات في أماكن نائية بعيدة عن كل خطر محتمل، فقدان المسلمون يحرص قادتهم على الشهادة أكثر من حرس الجنود، ولم تكن الشهادة من نصيب الجندي أبو شريط وأبو شريطين، بل من نصيب القائد الأعلى أولاً، فإذا بسعد ينتظر أن يشارك في قلب المعركة، ولكنه يبتلى - رضي الله عنه - بالقروح في ده؛ فلا يستطيع أن يثبت على الخيل، فلتلوضلع لله ملقلصلورةر منها العمليات عن بعد، وملعك لم يسلم من عتب بعض المسلمين عليه، حتى قال أحدهم يصف انتهاء المعركة: وعدنا وقد آمت نساء كثيرة، ونسوة سعد ليس فيهن أيّمُ عدناوة كثير قد ترملت من أزواجهن، أما نسوة سعد فأبشروا فسعد بخير وعافية، مع أن الذي أقعده عن المشاركة المرض، لم يقعده شيء آخر.

وبدأ القتال، فقعقعت السيوف، وضربت الللرمللاح، ووقللعللت اللسلهلامت الخيل، وثلار غبار المعركة وعلتوات الفرسان، وفتحت أبواب الجنة، وطارت أرواح الشهداء، و محجن يرى ذلك كله فتحركت أشواقه للموت وللشهادة وللقتال فوثب ليشارك، فقال لله القيد فليه: مكانك، محكوم عليك بلعلدم الملشلاركلة؛ لأنللك شلربلتر، فعاد وقد تكسرت أشواقه فيدره، وعانى في داخل صدره ألماً كبيراً أن تبدأ المعركة وليس له نصيب فيها، فيعبر عن هذه الآلام بأبيات يقول فيها:

كفى حزنا أن تطرد الخيل بالقنا

 وأُترك مشدوداً إلى وثاقيا

إذا قمت عناني الحديد

وغلّقت مصارع دوني قد تصم المناديا

وترى امرأة سعد هذا المشهد، فيقول لها: يا سلمى فكي قيدي وأعطيني فرس سعد وسلاحه، فإما أنا رجل قُتلت فاسترحتم مني، وإلا والله إن أحياني الله لأعودن حتى أضع رجلي في القيد، وفعلاً تفك قيده وتعطيه فرس سعد وسلاح سعد، فإذا بميدان المعركة يشهد فارساً يكر فيها يضرب ضرب المتحرف للقتال الذي جرب ألم الفطام منه، فيعجب سعد ويقول: ما أرى؟ الضرب ضرب أبي محجن والكرُ كر «البلقاء » (فرس سعد)، ولكن أبا محجن في القيد والبلقاء في الإسطبل!

وتنتهي المعركة، ويأتي فواد المعركة يقدمون التقارير لسعد، إذا به يسأل: من الفارس الذي رأيته كأبي محجن ضرباً على فرس كـ«البلقاء»؟ ويأتيه الجواب من سلمى: ذلك أبو محجن، وتلك «البلقاء »، ويقول لها سعد: أما كان في القيد؟ قالت: بلى ولكن كان من شأنه كذا وكذا.

فيكبر سعد رضي الله عنه (خال رسول الله صلى الله عليه وسلم) هذا الموقف، ويقوم إلى أبي محجن يفك بيديه الطيبتين القيود من رجل أبي محجن ويقول: قم فو الله لا أجلدك في الخمر أبداً.

فقال أبو محجن، سبحان الله، لا أجلد في الخمر؟ كنت أشربها يوم كنت أطَّهر بالجلد، أما الآن فوالله لا أشربها أبداً. وكيف يجرؤ أن يشربها وقد جرب عقوبتها التي كانت الحرمان من المشاركة في العمل لرفع دين الله تعالى؟!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 41

166

الثلاثاء 29-ديسمبر-1970

لعقلك وقلبك (41)

نشر في العدد 34

102

الثلاثاء 03-نوفمبر-1970

لا... يا أمير المؤمنين

نشر في العدد 297

83

الثلاثاء 27-أبريل-1976

من شذرات القلم (عدد 297)