الثلاثاء 17-أغسطس-1982
كثرت الأعياد في تركيا في عهد الجمهورية، وكل يوم عيد جديد. إن مصطفى كمال يصور نفسه تصويرًا دقيقًا وجيدًا، فقد وصف نفسه لمراسل صحفي فرنسي قائلًا: «أنا لا أعرف المزاح، فقد أرسل أصدق أصدقائي وهو يأكل معي، من المائدة إلى المشنقة». ونشر الفرنسي هذا الكلام وهو كلام صحيح. ومصطفى كمال لا يتورع عن هذا.
عملتنا يعتورها التدهور، وحكامنا وعلى رأسهم الغازي كم يسرفون إسرافًا لم تشهده البلاد من قبل.
صحف باريس تكتب قائلة إن مصطفى كمال سيصبح رئيسًا للجمهورية ورئيسًا للوزراء كذبت حكومتنا بسرعة هذا الكلام، مع أن مصطفى كمال في الواقع رئيس كل شيء في البلاد الجمهورية والوزراء والجيش والحكومة... إلخ.
الحياة في باريس أرخص منها في إستانبول وأجمل، والفحش في فرنسا زائد، إلا أن هناك أناسًا طيبين، فإني أعرف سيدة لا ترسل ابنتيها للرقص ولا للباليه، والفتاتان تتوسلان إليها ولكن دون جدوى.
أراد مصطفى كمال وعصمت أن يبيعا مجوهرات العائلة المالكة السابقة، أي مجوهرات العثمانيين الموجودة في متحف طوبقبو، أرادا بيعها للتجار اليهود وعلى رأسهم تاجر المجوهرات اليهودي مناشا، وهو يهودي بولندي عاش في إستانبول خمسة عشر سنة كان يدير خلالها دارًا للبغاء في حي الرصيف العالي، تظاهر مصطفى كمال وعصمت أنهما وراء بيع المجوهرات العثمانية لكي يؤسسا مصرفًا للدولة. لكن عبد المجيد احتج من أوروبا وقال: إن هذه المجوهرات ملك لعائلتنا، وقال إن هؤلاء اليهود لو جاءوا بهذه المجوهرات فسنقبض عليهم، لذلك تراجع كمال وعصمت عن هذه المسألة.
مصطفى كمال يأمر رؤوف بإنشاء حزب معارض:
رؤوف يؤسس حزبًا معارضًا يعد برنامجه ويقدمه لمصطفى كمال. وقد اختار مصطفى كمال له اسمًا جديدًا هو «حزب الجمهورية الحر». لم يكن فتحي هو الذي عمل الحزب إنما مصطفى كمال بنفسه، والقصد منه أن يحد من نفوذ عصمت.
يسقط مصطفى كمال:
الأكراد يثورون ثورة عارمة، لم تكن ثورتهم هذه المرة أيضًا لقياد دولة كردية، فهم لا يفكرون في هذا، وإنما ثورتهم نتيجة للتنكيل الشديد الذي فعلته فيما قبل قوات مصطفى كمال ضد الشيخ سعيد الكردي.
انضم للثوار عدد من ضباطنا فيهم من يحمل رتبة الباشا العسكرية، جاء واحد من إستانبول وأخبرني بالآتي: تظاهر الشعب في الشوارع صائحين: يسقط مصطفى كمال ما أفقده صوابه.
وصلتني في باريس نسختان من جريدة مليت، فيها خبر يقول: إن «فينزيلوس» قد زار البطريركية الرومية. كان اليونانيون يتخابرون فيما قبل في سرية وخفية من هذه البطريركية ضدنا، والآن التخابر جهارًا نهارًا. يأتي المسؤولون اليونانيون يزورون البطريركية ويقبلون يد البطريرك.
إعدام الشيخ أسعد:
جاءت الأنباء بأن محاكمة الشيخ أسعد المتهم بالثورة ضد مصطفى كمال قد صدر بإعدام الشيخ أسعد، لكن هذا الشيخ الذي يبلغ التسعين من عمره مات قبل تنفيذ الإعدام فيه، كما أعدمت الحكومة أيضًا ثمانية وعشرين من مريدي هذا الشيخ.
المحكمة العسكرية أعضاؤها ظالمون وينبغي محاكمتهم هم أنفسهم، ذات يوم قابلت كلا من الأخوين الهنديين علي وشوكت، وهما عضوان في المؤتمر الهندي بلندن قابلتهما أثناء مرورهما بباريس. كانا حزينين أشد الحزن لإلغاء الخلافة. قالا لي أثناء حديثهما: «إنه -أي مصطفى كمال- قد وضع في جيبه النقود التي أرسلناها له وللأمة التركية في يوم عصيب من أيامها ليصرف هذه النقود على شؤون الأمة التركية. في تلك السنة داهم الهند قحط شديد وكاد الناس يموتون جوعًا، وفي هذا الظرف العسير تبرع الناس، وإذا بهذا الكافر يستولي على هذه النقود».
مسكين محمد علي، فقد مات في لندن وكان مصابًا بالسكر والقلب. وقد توسط مفتي القدس لكي ينقل جثمانه ويدفن في القدس. وتم هذا ودفن هناك. هذا ما سمعته اليوم، لقد كان عالمًا ومسلمًا غيورًا، وموته خسارة للعالم الإسلامي. تلقيت خطابًا من زوجتي تقول: إنها انتقلت من إستانبول إلى أنقرة بخصوص مسألة الميراث عن أبيها. توجهت إلى منزل عصمت باشا حيث قابلت زوجته، ووعدها عصمت بحل المسألة واستضافاها في منزلهما مدة عشرة أيام، وعند عودة زوجتي إلى إستانبول كتبت تقول لي أن أعود من باريس إلى إستانبول بسرعة وهي تصر على هذا وتقول لي: «لن تُحل المسألة إلا إذا جئت».
إصرارها يعني أن عصمت هو الذي أقنعها بهذا. أنا في باريس منذ سبع سنوات وعصمت لن يرسل لي واحدًا في كل عام ليقنعني بالعودة، لكني أخاف على نفسي. أكاد أجن من تصرفات زوجتي، تذهب إلى أنقرة بدون إذن مني، بل إنها لا ترى داعيًا لهذا.
أين العهد العثماني إننا نفتقده!
قابلت اليوم أحد المسؤولين العراقيين، قال لي: فيصل ممتن من زيارته لتركيا، لقد أحسن مصطفى كمال استقباله ثم أرسله الإنجليز إلى إيران إلا أن الشاه رضا بهلوي أساء معاملة فيصل.
الإنجليز لا يعمرون العراق إنما يأخذون أموال أهل العراق. الإنجليز وصفوا في الدستور مادة تنص على تعيين موظفين أكراد في المناطق الكردية، كما تكون اللغة في هذه المناطق هي الكردية، ثم يدفع الإنجليز والأكراد خفية إلى الثورة ضد تركيا وضد إيران.
يخطط الفرنسيون لتقسيم سوريا، والأرمن كثيرون في بيروت، يقال: إنهم سيعملون جامعة أرمنية في بيروت. أقام الأرمن أحياء خاصة بهم في كل من بيروت وحلب. الفرنسيون يقومون بحماية الأتراك في الإسكندرونة، وبهذه الصورة يفتت الفرنسيون سوريا.
يقول المسؤول العراقي: «أين العهد العثماني؟! إننا نفتقده» ترى هل هذا العراقي مخلص في قوله هذا؟ أم أنه يقوله لي ليعجبني.
زوجتي تخونني لن أكتب شيئًا بعد الآن:
باريس في 16 تشرين ثاني 1932م.
انتهيت من أبحاثي وأريد أن أطبعها. سأعمل مطبعة في مصر، قريبًا سأبيع حاجاتي وأغادر باريس، أخاف أن أموت قبل طبع كتبي، لذلك كتبت من كل منها نسخة، وأودعت جزءًا منها في المكتبة الأهلية بباريس، وقسمًا سأرسلها إلى مكتبة بروسيا في برلين. تعبت وأحتاج إلى استراحة طويلة.
تلقيت هذا الخطاب من زوجتي: «... إنني في هذه السنوات الأخيرة ضايقتك كثيرًا، وكل يوم يضايق كل منا الآخر. إني وجدت رفيقًا لي في حياتي. وهو وإن لم يكن عاليًا في مستواك إلا أن أخلاق كل منا تناسب الآخر. كن سعيدًا هناك، وإذا لم أسعد أنا هنا. فلا يبكي من يقع، كل العيب في أنا، إني أعرف أنك رجل شريف إلى آخر درجة، لكني لا أريد أن أدع فرصة لآخر أن يسمعك ما تغضب له...»
زوجتك عفت
سريعًا ما أخرجت من إصبعي خاتم اللعنة الذي حملته طوال تسعة عشر عامًا وكتبت إلى فاروقي المحامي وإلى رشيد صفوت خطابًا. وأقمت محاميًا لإجراء عملية الطلاق فورًا. امرأة غير شريفة وبلا ضمير، سأطلقها فورًا لأنقذ شرفي، ولو كانت هنا لتسببت يداي في حادث. إني ألعن الآن القانون المدني، لو كانت الأحوال الشرعية هي القائمة لانتهى الأمر في خمس دقائق.
سأكتب من مذكراتي عدة نسخ أخفيها. بعد ذلك بعت كل شيء وركبت السفينة من مرسيليا في 27 كانون الثاني إلى الإسكندرية. بعد ذلك لن أكتب شيئًا، لا الأبحاث العلمية ولا المذكرات.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل