العنوان ارتقاء «زوجة» ووفاء «زوج»
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 01-يونيو-2013
مشاهدات 71
نشر في العدد 2055
نشر في الصفحة 58
السبت 01-يونيو-2013
أؤمن بقضاء الله وقدره، وتلك نعمة من أعظم نعم الله علينا، هذه النعمة كأني أتذوقها للمرة الأولى عندما فقدت زوجتي وأم أطفالي، فقد اقتضى قدر الله تعالى وقضاؤه أن ترحل حبيبتي وتتركني أعاني مرارة فراقها، نعم. تركت في أحشائي حبها، وفي ذاكرتي أجمل ذكريات حياتي نعم رحلت، ولكن ظل حبها مستقرا في قلبي متمكنا متغلغلا في كياني
هكذا جاءت رسالته، وهو واحد من الأزواج الرحماء الأوفياء المخلصين، في مقابل النموذج القاسي الذي رأيناه في المقال السابق. ثم أردف هذا الزوج الودود صاحب الرسالة يقول:
ما أجمل أن نحب بصدق، وما أقسى أن نودع هذا الحب الصادق، برغم أنه يسكن في وجداننا، فيرحل الحبيب عن حبيبه، تاركا خلفه فراغا لا يملؤه أحد غيره.
يقول صاحب الرسالة أيضًا: تعددت الأسباب والموت واحد. لقد ابتليت زوجتي بمرض السرطان، واكتشفنا ذلك بعد أن انتشر المرض في جسدها وأنهك قواها. وقبيل وفاتها طلبت مني أن نخرج معا في نزهة خلوية ونترك أولادنا عند أهلي وأهلها وعلى الفور استجبت لرغبتها، وجلسنا في أحد المطاعم معا، ثم طلبت مني أن نجلس على أحد المقاعد المطلة مباشرة على البحر خارج المطعم، وفي نهاية هذه الجلسة التاريخية نادتني باسمي، وقالت لي طلب عندك أرجو أن تلبيه لي، فقلت لها: اطلبي ما شئت، وسوف أنفذ ما دمت قادرا على ذلك، قالت: أرغب في أن تتزوج بفلانة صديقتي بعد وفاتي، حتى أكون مطمئنة على الأولاد، وحتى يألفها الأطفال اسمح لي أن أستضيفها، خير معين لك على تربية أولادنا ورعايتهم من بعدي. فبكيت بكاء مرا وبكت هي الأخرى على بكائي، لكنها كانت في أثناء عبرات البكاء تؤكد دائمًا ضرورة موافقتي على طلبها وتنفيذه، وكانت تلح علي في ذلك إلحاحا، وتؤكد لي أن هذا المطلب إنما هو وصية يجب على أن أنفذها إن كنت أحبها، لأن تنفيذها سوف يريحها ويطمئنها على أولادها، بعد أن تنتقل من هذه الحياة الدنيا إلى دار الحق، ثم أكدت لي أنها تغار على بشدة حتى في قبرها، ولكنها ستضحي وترتقي فوق غيرتها، من أجل أطفالنا.
لا أخفي عليك عشت في صراع نفسي داخلي، بين أن أنفذ وصيتها استجابة لطلبها وإرضاء لها، وأن أكون وفيا لها ولحبي الصادق، فلا أسمح بأن يحل مكانها زوجة أخرى، ولكنني استخرت ربي مرارا، فكان صدري ينشرح في كل مرة إلى تنفيذ وصيتها لكنني كنت أخشى أن أظلم صديقتها التي أوصتني بالزواج منها، لأنني كنت أعتقد يقينا أنه لا توجد امرأة أخرى أسمح لها بدخول قلبي غير زوجتي الأولى وحبيبتي التي تركتني ورحلت.
ولهذا الرجل أقول: كلامك يشع وفاء ويفيض إخلاصا، وفي الوقت ذاته ينبئ عن قلب حزين جريح، ونفس متألمة، ولكن يا سيدي، نحن تعلمنا أن بعد العاصفة والرعد والبرق يأتي المطر، وبعد المطر يأتي قوس قزح بألوان جميلة، وبساط أخضر بهي، فكل حزن يتبعه فرج، وبعد الأفراح تأتي أحزان وهكذا الحياة ألوانها متنوعة، فلا تخلو حياة إنسان من أمل وألم راحة وتعب، ولحظات سعادة ولحظات شقاء، وصحة ومرض حلاوة ومرارة، ولقاء وفراق، وسعة وضيق ونور وظلام، ولا بد من تقلبات الدهر، والأيام دول، وصدق الحق عز وجل إذ يقول:﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾(سورة آل عمران:آية رقم 140)
أحيي فيك صبرك الجميل
لمست من رسالتك أنك على الرغم من حبك لزوجتك التي غادرتك حياتك الدنيا أن الله رزقك صبرا جميلًا.
فأبشر أيها المصاب المبتلى المهموم الحزين المتألم الكسير، أبشر فإن الله تعالى يريدك أن تدعوه، ويرغب في أن يسمع مناجاتك وتضرعاتك، فبث إليه وحده قضيتك، وألح في الدعاء، وزين دعاءك بالدموع والخشوع واستشعر ضعفك وأنت تدعوه سبحانه، وحاجتك إليه عز وجل وكن على أمل وتفاءل دائما بالفرج، فإن رحمة الله قريب من المحسنين، واعلم أن الله تعالى ولي المؤمنين، ويتقبل من المتقين ويجيب المضطرين، ويفرج الهم عن المكروبين المتضرعين، وتمثل قول الشاعر:
كن عن أمورك معرضًا
وكل الأمور إلى القضا
فلربما اتسع المضيق
وربما ضاق الفضا
الله يفعل ما يشاء
فلا تكن متعرضًا
الله عوضك الجميل
فقس على ما قد مضى
رحم الله زوجتك
نموذج نسائي رائع، ارتقى فوق أنانيته، في زمن طغت فيه الأنانية على نسائنا، حتى صار أكثرنا-نحن معشر الأزواج-جبناء بصدق، إذا أراد الرجل أن يتزوج على زوجته لن يجرؤ أن يصارحها بذلك وإلا، وآه من بعد إلا. فصار الرجل يتزوج دون أن يعلم زوجته ثم إن هو صنع ذلك اعتبرته الزوجة-بل اعتبره المجتمع-خائنا غدارا زائغ العينين.
صحيح من الرجال من هو كذلك، ولكن الشرع لم يشترط على الرجل أن يعلم زوجته الأولى بأنه سيتزوج بالثانية، أنا هنا أحدد بموضوعية حكم الشارع، وبرغم ذلك أضع يدي على قلبي وأدعو الله أن يستر علي، وأن يقيني شر سخط النساء اللائي سيقرأن هذه السطور، فستنسى النساء قلمي وكتاباتي في الدفاع عنهن، ويقفن عند هذه السطور، برغم أنها حق وصدق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق إذ قال فيهن: « إنهن يكفرن العشير»، يعني أنك مهما أكرمتها ففي أقرب فرصة يفوتك فيها التوفيق في كلام أو سلوك ستصدع هي بنكران جميلك كله وحسن فعالك وأقوالك!
يا نساءنا، تعالين لنرى هذا النموذج النسائي المبهر، فتلك امرأة كانت تحمل هم أولادها قبل أن تغادر الحياة، فتوصي زوجها بأن يتزوج بصديقتها، فلتسأل كل قارئة نفسها: هل تستطيع هي أن تصنع ذلك؟ أستطيع أن أجيب أنا من وحي الواقع أن نادرا منهن من تفعل ذلك، وأستطيع أن أملًا مجلدات بنوادرهن وإصدار أحكامهن وفق الهوى والأنانية.
إحداهن: كانت أستاذة جامعية متزوجة بزميلها، ولم ينجبا، وكانت داعية إسلامية سألتها إحدى الحاضرات فقالت: لماذا لا نستجيب لقول الله تعالى ونرضى به ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾(سورة النساء: أيه رقم3)؟! أليس تشريعًا في القرآن؟ فأجابت: بلى، إنه تشريع، فقالت إحداهن للداعية التي لم تنجب هي وزوجها: إذا أراد زوجك أن يتزوج بزوجة ثانية، هل توافقين إذن ما دام تشريعا؟ فأجابتها: هو تشريع نعم، وقرآن نتلوه، لكن إذا وصل الأمر إلى أن يتزوج زوجي علي فلن أسمح بذلك، ولو كان على جثتي أي إنها لن توافق وستقاتله حتى الموت، وتطلب الشهادة في سبيل هواها وأنانيتها!
وكان أحرى بهذه الداعية أن تلتزم بقول الله تبارك وتعالى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ ﴾(سورة النساء: أيه رقم65)
كان يمكنها أن تقول: سأسمح له بالزواج لكن في هذه الحالة من حقي أن أطلب الطلاق، لأنني غيورة مثلا. فتكون بذلك استجابت ونفذت حكم الشرع ورضيت به وأيضا استجابت لطبيعتها وغيرتها كأنثى ولكنه الهوى وحب الذات لا أريد أن أطيل في هذه السيرة، حتى يكون كلامي خفيفا على قلوبهن، وأسأل الله تعالى لي ولهن الهداية، وأن يشرح صدورنا جميعا لتطبيق القرآن الكريم وسنة الحبيب، وفي الوقت ذاته التمس العذر لنسائنا من أخواتي المسلمات، لأنهن نشأن في ثقافة مجتمعية-في هذا المجال-بعيدة عن الثقافة الإسلامية، وهي ثقافة ترفض التعدد بأي شكل من الأشكال، وفي كثير من الأحايين تفضل بعض النساء أن يكون لزوجها صديقة بدلا من أن يتزوج عليها على سنة الله ورسوله.
ولا يفوتني-حتى لا يتهلل الرجال ويكبروا فرحا بالنصر-أن أذكر أن كثيرا من الرجال يغلق أفقه على التعدد فقط دون أن يحسب له حساباته، فكثير منهم يقبل على التعدد دون أن يكون قادرا عليه، ناهيك عن ظلمه لزوجته الحساب الزوجة الأخرى، ودون حساب للواقع الاجتماعي والنفسي الذي تعيشه الزوجة والأولاد والمجتمع، فكثير منهم تسبب في تشريد الأولاد، ورسوبهم الدراسي، وانحرافهم بسبب أنه تزوج بالأخرى دون أن يحسب الأمر حسابا حكيما دقيقًا.
أيها الرجل الوفي، اعلم أن هذه الدنيا جراح وأفراح، فاصبر واحتسب وإن كنت قد أصبت برحيل زوجتك فاعلم أن هذا ابتلاء، وتلك سنة من سنن الله في خلقه. وكما ابتليت فقد ابتليت الأمة في نبيها محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال له ربه: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴾(سورة الزمر: أيه رقم30) مصيبة الأمة في نبيها محمد صلى الله عليه وسلم أشد من أي مصيبة.
ومن أهم وسائل العلاج النفسي في مشكلتك أن تفكر في المصيبة الأكبر، حتى تسهل عليك مصيبتك.
واعلم أنك بصبرك تنال الأجر العظيم وثوابك عند الله عظيم، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾(سورة الزمر: آية رقم 10)
من حقك أن تحزن، ولعينك أن تدمع ولكن ينبغي لك أن ترضى وتصبر، فهذا حبيبنا محمد ﷺ وقدوتنا عندما توفي ابنه إبراهيم الذي رزقه الله به بعد شوق وطول انتظار، قال: إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون»، فليسعك ما وسع النبي الصابر الراضي صلى الله عليه وسلم، وليكن قدوة لنا ولك في مصابنا، واعلم أن الله تبارك وتعالى إذا أحب العبد ابتلاه، كما أخبرنا بذلك حبيبنا صلى الله عليه وسلم. والله أسأل أن أكون أنا وأنت من أحباب الله تعالى، وأوصيك خيرًا بزوجتك الثانية التي لبت رغبة أختها التي رحلت، ولا تنس أنها ضحت عندما قبلت أن تتزوج برجل متزوج ويعول أولادا، وهي لا تزال بنتا بكرًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل