الثلاثاء 01-ديسمبر-1987
قصة قصيرة معاناة.. تحت الأنقاض
عاد إليه وعيه، وقطرات الدم الدافئ تسيل على خديه وأنفه، ويتسرب بعضها إلى فمه،
فتح عينيه ويا لهول ما رأى، رأى منظرًا يختلف كل الاختلاف عما كان يراه قبل دقائق..
قبل دقائق معدودة كان في بيته مع ابنتيه هند وأروى وزوجته أم صابر في بهو المنزل، ينعمون
بأشعة الشمس الدافئة، ويستنشقون عبير الحقول الطيار مع إشراقة الصباح الضاحك، كان وزوجته
مستندين إلى حائط المنزل في مواجهة الشمس، وهند بالداخل تعد الإفطار، أما أروى فمع
أبويها تقدم لهما القهوة التي عادة ما يبدآن بها يومهما.
لم يكن في الحياة ما يستحق أن ينغص عليهم عيشهم الهادئ الهانئ، رغم كل ما يحيط
بهم من أهوال وجرائم يرتكبها العدو كل يوم ضد الأبرياء الآمنين، حقيقة كانوا يعانون
لأجل وطنهم المسلوب، ومواطنيهم المقهورين المظلومين، ولكن قلة الحيلة وضعف الوسيلة
وتقدُم العمر- إلى جانب لذة العيش الأسرية الهانئة- كل ذلك ينسيهم ما يدور خارج بيتهم
من أحداث.
تذكر بيته وما كان عليه وهو يئن تحت الأنقاض، ثم تذكر ما حدث قبل دقائق معدودة،
وقتها نادت هند أن قد آن أوان الإفطار، وفي لحظة الاستعداد لتناوله سمع الجميع هدير
طائرات العدو الذي أصبح شبه مألوف بالنسبة إليهم، ولكن لم يلبث أن انفجر شيء ما أسقطته
الطائرة في فناء البيت، هذا آخر ما يتذكره إلى أن أفاق على ما هو عليه.
كان منتبهًا أشد الانتباه وقت سقوط ذلك الشيء، وها هو الآن منتبه أشد الانتباه
رغم ما يعانيه، وبين الانتباهتين وقت يسير لم يحس به، حدث خلاله الكثير، وتغيرت فيه
الحال تغيرًا رهيبًا، أخذ يتفحص نفسه وحاله؛ فعرف أنه ضحية جداره الذي كان قبل لحظات
مستندًا إليه، حيث هوى هذا الجدار بكل ثقله عليه؛ فكسر ظهره ورجليه، وأحدث جروحًا كبيرة
في صدره ورأسه، أحس أن لا أمل في الحياة، ولكنه أحس في نفس الوقت برغبة شديدة في العيش
مصحوبة بنوع من القوة المسلوبة الحول، قوة في النفس فقط، جل اهتمامها أن تتأكد من أن
هذا الجدار لم يسقط على أحد غيره.
أجال طرفه فيما حوله، فإذ البيت المتداعي لم يزل قائمًا عدا هذا الجدار الذي
لم يحتمل الانفجار؛ فهوى مدمرًا ما حوله، أخذت عيناه الزائغتان المفتوحتان حتى الجحوظ
تبحثان عن أم صابر وابنتيها، رفع يده الضعيفة المرتعشة يمسح وجهه وعينيه عله يستطيع
التمييز. وأخذ يبحث ببصره هنا وهناك، حتى خُيِّل إليه أنه يستطيع ببصره أن يزيل الأحجار،
ويرفع الأنقاض عله يعرف مصير ابنتيه الحبيبتين وزوجته الحنون.
ولما لَم يهتد إلى شيء يدله عليهم، أخذ يحاول أن بناديهم، ولكنه لم يستطع الكلام،
لقد كانت الكلمات تولد في صدره وتموت في حَلقِه قبل الخروج، وعبثًا حاول الكلام والمناداة،
ولكنه فشل.
تذكر أن مجلسه وأم صابر وأروى واحد تحت هذا الجدار المشؤوم، فخفق قلبه المصاب
خفقة كاد منها أن يخرج من جرح في صدره.. إذن أم صابر وأروى هنا تحت هذا الجدار، رحماك
يا رب، أنا وزوجتي وابنتي في وقت واحد تحت هذا الجدار نموت أبشع ميتة على أيدي الظلمة
الطغاة أعداء الدين والبشرية، أحس بحقد كالنار يلتهم أحشاءه على هؤلاء الوحوش، الذين
يغتالون حتى الأحلام في رؤوس العذارى، والأماني في صدور الشيوخ، وراح يئن تحت الأنقاض،
ويجيل طرفه هنا وهناك، ويصيخ سمعه مرة ومرة عسى أن يجد ما يبل أوامه، ويهدئ روعه، ويهون
عليه قضاءه، وفجأة خطرت هند بباله.. الحمد لله، لا بد أنها حية، فهي بعيدة عن هذا الجدار،
والشواهد تدل على أنه لم يسقط غيره، ولكن أین هند؟ لماذا لم تظهر بعد الكارثة؟ هل..
ولكنه نفض رأسه، واستعاذ من الشيطان، وقال: هي بخير إن شاء الله.. صحيح أنها ستبقى
وحيدة، ولكنها ستعيش لترى بعينيها وطنها وقد عاد حرًا كريمًا، تبذر أولادها قوتًا لمستقبله،
ستعيش لتحيا بحول الله سعيدة هانئة، لا يقلقها عدو، ولا يقض مضجعها خوف.
ثم راح المسكين يطمئن نفسه، ليس بعد هذا البؤس من بؤس، وليس بعد هذا البلاء من
بلاء، ولن يحدث أفظع مما حدث، هذه نهاية العذاب، ولا بد أن يعود الحق بعد إلى نِصابه..
فإذا قدر وعاد، فلتكن حبيبتي هند هناك تعيشه بكل جوارحها وأحاسيسها، تعيشه عنا كلنا
يا من مُتنا زمن الظلام والظلم، كان فرحًا أن هندًا حية، وكان يحلم لها، ويتجاوز كل
ما يَمُر بذهنه مما قد يصور خوفًا أو قلقًا عليها.
وفي الوقت الذي عاد فيه للتساؤل لماذا لم تظهر هند؟ سمع وقع أقدام وحوش آدمية
جائعة، وسمع دمدمة كلام تشبه أصوات الخنازير الوحشية، عرفها وعرف أهلها، إنهم الطغاة
الظلمة الصهاينة أصل هذا البلاء، وكنه هذا الشقاء، نعم إنهم الطغاة الحاقدون الوحوش
المتصورون بالصور الآدمية، أحس بالدم حارًا يسري في عروقه، ويتدفق من جروحه، أحس بقوة
خارقة، نسي معها حاله، فظن نفسه قادرًا على النهوض، فإذا به يتململ ليجابههم، ليصوب
عصاه التي أصبحت شظايا إلى جانبه إلى صدورهم، وهو يتخيلها مدفعًا- لا كمدافعهم- مدفعًا
لا تنتهي طلقاته، ولا يهزم حامله.
تململ في مكانه فما تحرك قيد أُنملة حتى خارت قواه فعاد سيرته الأولى، أخذ الطغاة
يقتربون منه، وما رأوه وهو يعيش حقده الدفين عليهم متحسرًا على أيام القوة وزمن الحول
والطول، كيف لم يقف أمامهم بكل قوة وصمود؟ لماذا لم يهاجهم هو بدل أن ينتظر هجومهم
ليقضوا عليه.. أحس بالندم لقناعته بالعيش في بيته مع أهله وحلمه بأنه سيعيش وأهله في
هدوء إذا هو ترك الطغاة وشأنهم، وفي هذه الأثناء ظهرت هند كان مغمًى عليها من الانفجار،
أفاقت فخرجت تبحث عن أهلها منهكة مصفرة من الخوف والإعياء، ولم تعلم بعد بما جرى لأهلها،
أخذت تبحث وتنادي، والأب المسكين يملأ نظره منها، ويعيش فرحته الكبرى بحياتها، ولا
يستطيع أن يناديها، نعم هذه هند حية، الحمد لله يا ربي، والشكر لك.
ودخل الصهاينة الطغاة الفناء، فرأوا هندًا تبحث في الأنقاض وتبكي، فتسابقوا إليها
كما تتسابق الكلاب إلى الفريسة، كانت هند في التاسعة عشرة من عمرها، ريانة القد، أسيلة
الخد، يجري في إهابها ماء الشباب، ويندى وجهها بالجمال والدل، كانت فتنة القرية وسحرها
الحلال.
شاهدها أبوها وهو تحت الأنقاض، وشاهد انقضاض هذه الكلاب المنتنة عليها، فدق قلبه
دقًا عنيفًا، وجحظت عيناه، وخطر بباله ما سيفعله الكلاب بابنته العزيزة عندما رآهم
يحيطون بها، ويقذفون بنادقهم إلى الأرض، وقد كونوا حولها ما يشبه الدائرة، وهي في وسطها
خائفة تصيح وتستغيث، وقد أيقنت بالشر، يا إلهي، لقد كنت قبل لحظة فقط أحمدك على سلامتها،
وأعد ذلك نعمة، فما بالها انقلبت إلى نقمة؟! يا ليت هند معنا تحت الأنقاض.
وأخذت الكلاب المسعورة تقترب من هند شيئًا فشيئًا، وتضيق الدائرة عليها، وقد
اختلطت ضحكاتهم الشيطانية الرهيبة بصباح هند واستغاثاتها التي تذهب أدراج الرياح.
يا إلهي، أتُفترس ابنتي وفلذة كبدي، وأنا أنظر ولا أستطيع حتى الكلام؟ أيُفعل
ذلك بابنتي المسلمة، وأمتها المسلمة تحيط بهذه الطغمة من المحيط إلى المحيط؟ رحماك
يا ربي، هذا بلاء مبين لا أحتمله، وتعالى صياح هند بعد أن بدأت الأيدي النجسة تمس جسدها
الغض، وتمزق ثيابها، فأغمض عينيه، وأصم أذنيه، وراح يناجي ربه يا الله، يا أرحم الراحمين،
نعم نحن المذنبون، ونحن المقصرون، لقد قلت يا ربي: اشكروني أزدكم، فما شكرنا نعمك علينا،
بل كفرناها وجحدناها، لقد قلت يا إلهي: انصروني أنصركم، فلم ننصرك وقت رخائنا، ونطلب
منك أن تنصرنا وقت شدتنا، كنا نرى من يترك الصلاة، ونرى الخمارات تمتلئ بشباب المسلمين،
ونرى الفواحش ما ظهر منها وما بطن تُرتكب، وما نصرناك بمحاربة أهلها، والأخذ على أيديهم.
أمرتنا ربنا بالاعتصام بحبلك فقطعناه، واعتصم بعضنا بحبل أمريكا، وبعضنا بحبل
روسيا، أمرتنا ربنا بالاجتماع وعدم الفرقة، فخالفناك، وافترقنا شيعًا وأحزابًا ﴿كُلُّ
حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (الروم:32)، أمرتنا بمحبة بعضنا فعصينا أمرك وخالفناه،
وتمنى بعضنا كل الشر والذل والهوان للبعض الآخر.
لم نطع ربنا من أوامرك شيئًا، وما ذكرناك في رخائنا لتذكرنا في شدتنا، حتى إذا
اشتد علينا البلاء ذكرناك بدون توبة نصوح، ومعرفة للأخطاء، وعزيمة على الإقلاع عنها،
فاغفر اللهم لنا، وتُب علينا، ولا تؤاخذنا، والطف بنا في قضائك، وفي هذه اللحظة سمع
طلقة نارية؛ لقد استطاعت هند أن تخترق الدائرة، وتلتقط بندقية من الأرض، وتصوبها إلى
الكلاب؛ فتقتل واحدًا منهم قبل أن يمسوها بسوء، وهُنا تعالت الصيحات المجنونة، واخترط
الكلاب مسدساتهم، وصوبوها نحو هند المسكينة التي وقفت في ذهول، وأطلقوها دفعة واحدة،
فسقطت هند جثة هامدة؛ لتروي دماؤها الشابة نبتة النضال المسلم ضد أعداء الله والدين.
نظر الأب المسكين إلى ابنته وقد سَلِمت من الاغتصاب، ورآها وهي تسقط جثة هامدة
بخمس رصاصات من رصاصات الظلم والطغيان الشرقي والغربي، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم أغمض
عينيه، وأسلم روحه لبارئها، وهو يتمتم: حسبنا الله ونعم الوكيل.
محمد سعيد الصفار
أمنية المؤمن
هذه أمنية كل مؤمن، أن يرتفع صوت الحق، وتعلو كلمات الحق، ويحتكم الناس لشرع
الله.
نفسي تتفجر.. إيمانًا
نفسي تتفجر.. ينبوعًا،
للناس.. يروي ظمآنًا
سأصدع بالحق قويًا،
وسأرفع كلمات الله عليًا
سأسمعها.. كل الناس، كل الكون..
الكون سيسمع كلماتي،
سيسمعها حتمًا،
مادامت كلمات الله
سيصغى الكون لها كرهًا
سأفجرها في الكون.. وأصرخ
سأرددها في الملأ.. وأصدع
لن أهلع.. ولن أجزع،
سأعلنها على الكون جلية
«الله أكبر»
ستسقط أصنام الدنيا،
ونعود.. بالإسلام نحيا،
وستعود دولة.. بالإسلام تحكم.
أبو أسامة
مأسَاة العصَر
آه. هل تذكرين من كنت أمس
وقرونًا مرت كليلة عُرس؟
إذ جئنا الكون كله.. وأبو القاسم
يلقي في الدهر أبلغ درس
أتغــابى ولا أصدق عيني
زعزع النائبات حسي وحدسي
دار بي في الطلول قلب قريح
ناثر دمعه على كل رمس
موطني حيثما بدت طلعة الشمس
وجنس التوحيد في الأرض جنسي
وطيور المآذن البيض تشدو
مَكَّتي. أخت طيبتي.. أخت قدسي
شُد رحلي على أعاصير هوج
فوق موج القرون تضحي وتمسي
دنست أرضك الحرام قرود
ولدتها المعيز في زي إنس
فالذي لا يُباح صار مُباحًا؟
والذي لا يُباع، بیع ببخس
منك أبكي حينًا، وأبكيك حينًا
وبناريك حرق الدهر نفسي
أنت أظمأتني.. وخمسين عامًا
بالنجيع المطلول أترعت كأسي
من يضيع يضع لك الويل أصبحت
رمادًا وكنت أعظم شمس
بين يومي المُزري وأمسي قتال
طاحن أو يعود يومي كأمسي
وشفاء الغليل جيل فريد
طهّرته الأقدار من كل رجس
يحرث الأرض من جديد ويحيي
كل شبر فيها.. بأطيب غرس
عبد الرحمن بارود
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل