العنوان ربيع القلوب
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-2014
مشاهدات 94
نشر في العدد 2073
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 01-يوليو-2014
يكتب كثير من الناس عن رمضان؛ شهر الصوم الكريم، كلاماً مثيراً يملأ الصفحات، ويقول كثير من الناس عنه كلاماً كثيراً يملأ الأثير والآفاق، ولا أظنني سأضيف جديداً إلى ما قالوا ويقولون، ولكنني سأحاول أن أنظر إلى هذا الشهر المبارك من زاوية خاصة ترى فيه جانباً من جوانب الإشراق التي تضيء النفس من الداخل، وتجدد فيها عناصر القوة الروحية والنفسية.
يقول تعالى: "يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم، لعلكم تتقون"( البقرة:183)، والآية الكريمة تتناول تشريع الصيام وفرضيته، والغاية منه التي تتمثل في قوله تعالى: "لعلكم تتقون"، والتقوى هي الرجاء الذي يرجوه الحق سبحانه وتعالى من عباده المؤمنين، ويأمل أن يتحقق بصيامهم رمضان، وتعريفات التقوى كثيرة، ولكن أشملها من وجهة نظري ما قاله الإمام علي بن أبي طالب في تعريفها: "الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل"، وفي هذه التعريف دلالات كثيرة تستحق الوقوف عندها، ويمكن أن نوجزها في جمل محدودة.
الإيمان طريق
فالخوف من الله هو طبيعة الإيمان السليم، وهو اقتراب القلب المسلم من الخالق جل وعلا، وهو الطريق إلى الالتزام بالطاعات، وترك المنكرات، إنه ربيع القلب المؤمن الذي يضيء بالإيمان في أرقى صوره وأفضل معانيه، ويكفي أن يكون القلب موصولاً بخالقه على الدوام، وهذا هو سر الرجاء في الآية الكريمة – كما أتصور – في قوله تعالى: "لعلكم تتقون".
ومن عنصر التقوى كما عرفها علي بن أبي طالب "العمل بالتنزيل"، أو الوحي؛ سواء كان القرآن الكريم أو التطبيق العملي القائم في سُنة النبي – صلى الله عليه وسلم – من قول أو عمل أو إقرار، والعمل بالوحي أقصر الطرق ليكون المسلم أقرب إلى ربه سبحانه، وأبعد عن مضاعفات البؤس والشقاء التي يصنعها البعد عن التنزيل، ومعطيات الوحي.
ويأتي العنصر الأخير بالاستعداد ليوم الرحيل، أي يوم الموت والانتقال إلى العالم الآخر، بما يمثله هذا الاستعداد من حرص على المزيد من الطاعات والبعد عن المنكرات.
والصوم في رمضان يمثل نقلة نوعية في حياة المسلم، إذ تتفتح أمامه سبل السلام والسكينة والاطمئنان، ويغدق عليه الشهر الكريم من خيرات الله ما لا يحصى من الطيبات المعنوية والمادية، ولنتأمل قوله تعالى: "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وببنات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر، يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر، ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم، ولعلكم تشكرون" (البقرة:185).
سيرة النبي في رمضان
وحول صوم رمضان نجد تراثاً هائلاً من الأحاديث النبوية الشريفة تدور من قريب أو بعيد حول ربيع القلوب الذي يصنعه صوم رمضان في حياة المسلم سنوياً، وتجديد خلاياه الروحية والبيولوجية أيضاً.
من هذه الأحاديث؛ ما ورد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ؛ يعرض عليهالنبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة".
والحديث الشريف أوضح من أن يفسر، ولكن دلالاته تشير إلى تلك الخيرات الغامرة التي يحملها شهر الصوم المبارك، وهو الجود بالخير، فالرسول – صلى الله عليه وسلم – كان أجود ما يكون في رمضان، بل أجود بالخير من الريح المرسلة التي تحمل المطر والغيث، فيخضر الزرع والضرع، ويأكل الإنسان والحيوان ويشربان، ويلاحظ أن لقاء جبريل عليه السلام بالنبي – صلى الله عليه وسلم – كان لمدارسة القرآن الكريم حتى ينسلخ شهر رمضان، وتنتهي أيامه، وهو ما يعني أن القرآن الكريم محور شهر الصيام.
ولعل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، قد عملوا بهذه السُّنة المباركة، في إخراج الصدقات والزكوات في أيام الشهر الطيب المبارك، فيعيش الفقراء والمحتاجون والضعفاء أياماً أفضل من أيامهم السابقة، بفضل الله أولاً، ثم بفضل هذا الجود الذي يبذله المسلمون من مختلف الطبقات والفئات.
إن شهر رمضان هو ربيع القلوب بامتياز، لمن فقهه، وعاشه عيشة حقيقية، وجعل القرآن الكريم محور تفكيره وتطبيقه، وكل عام وأنتم بخير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل