; بين وقائع التاريخ وحقائق الواقع.. التطرف الأوروبي ضد الإسلام والمسلمين | مجلة المجتمع

العنوان بين وقائع التاريخ وحقائق الواقع.. التطرف الأوروبي ضد الإسلام والمسلمين

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر السبت 12-ديسمبر-2009

مشاهدات 44

نشر في العدد 1880

نشر في الصفحة 14

السبت 12-ديسمبر-2009

 

  • صار الإسلام والمساجد والحجاب أدوات ورموزًا يلوح بها اليمين المتطرف الإشعال الكراهية وكسب أنصار جدد
  • الأحزاب اليمينية المتطرفة تحاول إقناع الجمهور بأن أكبر تهديد لأرزاقهم هو وجود المهاجرين وخاصة المسلمين!

التطرف اليميني ظاهرة موجودة في جميع أنحاء أوروبا، لكنها تصاعدت مؤخرًا بحيث أصبحت جميع المجتمعات الديمقراطية مهددة بالعنصرية وبالأفكار الاستبدادية وبالمعاداة للتعددية ورغم أن ما يُسمى اليمين المتطرف يختلف في طابعه وأيديولوجيته من بلد إلى آخر، إلا أنه يسعى إلى تقييد الحقوق المدنية وحقوق الإنسان، وكذلك إلى تغيير الهياكل الدستورية التي تستند على مبادئ الديمقراطية والحرية، وتواجه البلدان الأوروبية هذا التحدي بطرق مختلفة.

لقد صار الإسلام والمسلمون والهجرة والمساجد والحجاب والشريعة أدوات ورموزا يلوح بها اليمين المتطرف ليكسب أنصارًا وليشعلها كراهية، ففي هذا التطرف من يحب الفوضى ويعشق الفساد، فما هي الخلفية النفسية والتاريخية وراء هذه الظاهرة، وكيف يقاومها السياسيون ويقومها الرأي العام؟ وما هو دور المسلمين في أوروبا تجاه هذا التحدي الخطير؟

 التصدي للهجرة

في كتاب اليمين المتطرف في القرن الحادي والعشرين (۱) عدد المؤلفون النظريات المتوقعة وراء حدوث وتصاعد الظاهرة، ومن هذه النظريات نظرية المسألة الواحدة، وتعني مسألة التصدي للهجرة وجاذبية تلك السياسة للجمهور خاصة مع ربطها بالبطالة والجريمة، وتأتي بعد ذلك نظرية الاعتراض، حيث إن هذه الأحزاب ليس لديها أيديولوجية جادة ولا برامج متكاملة بديلة، فلم يبق لهم إلا الاعتراض والهجوم على المؤسسات السياسية، ويقول السياسيون إن التصويت لصالح الأحزاب اليمينية غير منظم اجتماعيًا، وأيضًا مؤقت.

ويربط بعض المعلقين بين زيادة التطرف اليميني والشعور بعدم الأمان الاجتماعي وتفكك التركيبة الاجتماعية المبنية على التميز الطبقي والديني؛ مما يؤدي إلى فقد الأشخاص الإحساس بالانتماء للمجتمع ككل، ثم انجذابهم للقوميات التي تمنحهم الثقة والاهتمام بالأسرة وبعض القيم المتوارثة مثل محاربة اللواط مما يؤدي إلى انضمام بعض الشباب إليهم، كما تقول بعض الأبحاث النفسية وهناك نظرية أخرى عن عصر ما بعد المادية، فكثير من علماء الاجتماع يعتقدون أن المجتمعات الغربية الغنية تتجه نحو «ما بعد المادية»، بمعنى تقلص الاهتمام بالمستوى الطبقي أو الاقتصادي، وزيادة الاهتمام بأسلوب الحياة والبيئة والاخضرار، وعدم الاهتمام بالأديان والأحزاب التقليدية، بل الاهتمام بالمعارضة السياسية المبنية على قضايا محددة بعينها .

أما النظرية الاقتصادية فتقول: إن ارتفاع التصويت لليمين المتطرف يرتبط بهبوط الحالة الاقتصادية، وإن العولمة تهدد نوعين من العمالة؛ الأولى في الصناعات التي تتعرض للمنافسة الأجنبية، والثانية في المؤسسات الحكومية وتعرضها لتقلص الإنفاق وتغير الضرائب، وتحاول الأحزاب أن تقنع الجمهور برؤيتها التي ترجع التهديد في أرزاقهم لوجود المهاجرين، ويؤيد ذلك بعض الاستطلاعات التي قال فيها ٥٠% من أصحاب الطبقة المتوسطة إن المهاجرين أخذوا وظائف كثيرة منهم.

هناك نظريات أخرى عن دور الإعلام في نشر العنصرية ونظرية عن تصوير اليمين العنصري نفسه على أنه جزء من الإرث الوطني الشرعي، وأخرى عن نظرية القائد ذي الشخصية الفذة كما في فرنسا لنشر الفكرة والتفاف الناس حوله. 

أما دينياً، فإن أوروبا كموقع جغرافي وهوية سياسية بدأت في إحلال نفسها بديلاً عن الأمة المسيحية إبان الحروب الصليبية، كرد فعل لتقدم الإسلام من حدود أوروبا الآن.

وتقدر بعض الإحصاءات عدد المسلمين من المهاجرين الجدد لأوروبا الغربية بحوالي ۲۰ مليونًا، ويقول الكتاب: إنه ينظر إليهم كلهم بصرف النظر عن مكانتهم في المجتمع بعين الريبة والاتهام، ومثال ذلك ما زعمه الناشط النرويجي المتعصب إرني میردال أن المسلمين المهاجرين وطالبي اللجوء السياسي هم عناصر فيما أسماه «جيش الفتح الإسلامي»، وحسب نظريته فإن هؤلاء قد جاؤوا كي يقيموا الجسور للإسلام في النرويج كجزء من المؤامرة الإسلامية الشيطانية «حسب زعمه» لإقامة حكم إسلامي عالمي.

ويوضح الكتاب أن معظم العمليات الإرهابية ضد المسلمين في غرب أوروبا النرويج والسويد وألمانيا وفرنسا وبريطانيا من عصابات الشباب التي لا تجمعها أفكار سياسية معينة .

ولكن اليمين المتطرف عمومًا كما في كتاب أيديولوجية اليمين المتطرف للبروفيسور كاس ميودي أستاذ العلوم السياسية في جامعة «أدنبرة» - إما متعصب قوميًا أو دينيًا أو كليهما معًا، كما يوجد النوع الوثني والنوع الأصولي المتزمت وفي ألمانيا، قسم نازي وقسم متعصب دينيًا ورغم ذلك، فأحزاب اليمين المتطرف في أوروبا مجمعة على الحقد على الطبقة السياسية التقليدية، وعلى أهداف مشتركة أهمها إيقاف هجرة الأجانب إلى أوروبا بل وحتى طردهم، ويرافق ذلك كره الديمقراطية النيابية والاشتراكية والعدالة الإجتماعية بشكل عام وتأييد الرأسمالية على المستوى الإقتصادي ومعظم هذه الأحزاب لها سياسة مضادة لمشروع الوحدة الأوروبية لأنها تخشى أن يؤدي ذلك إلى دولة واحدة تذوب فيها القوميات (2).

ثلاث موجات

ويؤرخ الباحثون في الكتاب الأخير لثلاث موجات لليمين المتطرف الأولى: بدأت مبكراً جدًا بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة بين عامي ١٩٤٦ و١٩٤٩م، وكانت تعد استمرارًا أيديولوجيًا للنازية والفاشية، وقد عبّر عن هذه الموجة بعض الأحزاب السياسية التي أُسست في إيطاليا وألمانيا والنمسا وقتها .

والثانية اندلعت بين عامي ١٩٥٠ و١٩٦٠م، وكانت تضم اليمين الفرنسي المتطرف بقيادة بيير بوجار، واليمين الألماني المتطرف الذي حاز 2% من الأصوات في انتخابات ١٩٦٥م، وهذه الأحزاب تقليدية  وتبدو بعيدة نسبيًا عن النازية والفاشية.

وأما الثالثة: فقد ظهرت في البلدان الإسكندنافية؛ ففي الدنمارك استطاع حزب اليمين المتطرف أن يحصل على نحو ١٦ من الأصوات في انتخابات ۱۹۷۳م وفي عام ٢٠٠٠م كان اليمين الأوروبي المتطرف يشكل أقلية لا تتجاوز %5% في ألمانيا، أو ١٠ في بلجيكا، أو %١٥ في فرنسا، أو ١٧ في هولندا، وأقل من ذلك في السويد، والنرويج والدنمارك.

نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي 2009 طبقًا لموقع الاتحاد الإوروبي:

المجموعة السياسية

الإتجاه

عدد المقاعد

النسبة %

كتلة حزب الشعب الأوروبي

الديمقراطيون المسيحيون

اليمين الوسط

264

35.9

المجموعة الإشتراكية

اليسار

161

21.9

آخرون (من بينهم اليمين المتطرف)

متفرقون – يمين متطرف

93

12.6

تحالف الأحرار والديمقراطيين لأوروبا

ميل لليسار

80

10.

الخضر والتحالف الحر

ميل لليسار

53

7.2

الاتحاد من أجل أوروبا

اليمين

35

4.8

كونفدرالية أوروبا المتحدة (يسار)

النوردك الخضر (يسار)

أقصى اليسار

32

4.3

الكتلة المستقلة - الديمقراطية

أقصى اليمين

18

2.4

 

البرلمان الأوروبي

وقد استسلم اليمين المتطرف للأمر الواقع مؤخرًا، وقبل باللعبة الديمقراطية ووجد فيها ضالته، ففي انتخابات البرلمان الأوروبي هذا العام، ارتفعت أسهم الأحزاب اليمينية العنصرية في كل من بريطانيا وهولندا والمجر ورومانيا، ووسط هزيمة تاريخية لليسار فاز حزب أقصى اليمين العنصري الفاشي القومي البريطاني المعادي للهجرة لأول مرة بمقعدين في البرلمان الأوروبي في «ليدز» و«مانشستر».

وتأتي هذه النتائج وسط مؤشرات بأن الأحزاب المتشددة في العديد من الدول الأوروبية قد زادت عدد مقاعدها في البرلمان الأوروبي مع تراجع نسبة الإقبال على التصويت إلى ٤٣%، في أقل إقبال على الانتخابات منذ ثلاثين عامًا، ففي هولندا جاء الحزب الذي يتزعمه خيرت فيلدرز المعادي للإسلام وصاحب فيلم «فتنة» في المرتبة الثانية وفي النمسا ضاعف حزب الحرية أقصى اليمين عدد مقاعده في البرلمان، كما حقق اليمين مكاسب في المجر وفنلندا، وفاز حزب القراصنة السويدي الذي يرغب في تقنين تبادل الملفات عبر الإنترنت بنسبة 7% من الأصوات وبمقعد من ۱۸ مقعدًا للسويد، ومن بين الأحزاب الصغيرة التي حققت نتائج جيدة أحزاب الدفاع عن البيئة ويقول المراسلون إنه من الواضح أن حزب الشعب الأوروبي يمين وسط سيحتفظ بقيادة البرلمان كما في الدورة السابقة .

الهوامش

  1. Right-Wing Extremism In The Twenty-First Century
  2. by Peter H. Merkl Leonard Weinberg (Editors) 2003
  3. The Ideology of the Extreme Right By Cas Mudde 2003

 

الرابط المختصر :