; هل يلفظ الرئيس الصربي أنفاسه الأخيرة؟! | مجلة المجتمع

العنوان هل يلفظ الرئيس الصربي أنفاسه الأخيرة؟!

الكاتب د. محمد البقري

تاريخ النشر الثلاثاء 28-يناير-1997

مشاهدات 77

نشر في العدد 1236

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 28-يناير-1997

صربيا

«أصبحت أيام الرئيس الصربي سلوبودان میلوسوفيتش في الحكم أيامًا معدودة»، هذا ما أعلنه مؤخرًا زعيم المعارضة الصربية الموحدة «فوك در أشكوفيتش» الذي ألقى باللوم الشديد على الدول الغربية التي ساعدت وما تزال تساعد على مد أنفاس النظام الصربي من خلال عدم الفاعلية الجادة في الضغوط الخارجية الدولية عليه، والتي يراها در أشكوفيتش غير كافية وغير مؤثرة حتى الآن.. فعلى الرغم من تقرير بعثة مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي التي ترأسها رئيس الوزراء الإسباني السابق فيليبي جونثاليث، والذي أقر بفوز المعارضة في ثلاث عشرة مدينة صربية وتسع دوائر بالعاصمة بلجراد فإن الدول الغربية قد اكتفت حتى الآن على المستوى العملي بالتهديدات التي أطلقها البرلمان الأوروبي بإمكانية تجميد العلاقات مع حكومة بلجراد إذا لم يتم الاعتراف من جانبها بتقرير البعثة الأوروبية وتجميد العلاقات من جانب البرلمان الأوروبي بنظرة عملية لا يشكل ضغوطًا مباشرة على نظام الرئيس الصربي واقتصادياته وعلاقاته الدولية.. مما يؤكد أن الدول الغربية ما زالت مترددة في حسم العلاقة مع سلوبودان ميلوسوفيتش وما إذا كان الوقت قد أصبح مناسبًا لتتخلى عنه بشكل نهائي.

حيث إن النظرة الأوروبية بغض النظر عن بيانات الإدانة والتصريحات السياسية لا تقتصر على علاقة الرئيس الصربي بالانتخابات المحلية التي أجريت في صربيا، وإنما تتخذ دائرة أوسع تشمل علاقات وتأثير الرئيس الصربي على مناطق أخرى في منطقة يوغوسلافيا السابقة ما زالت غير مستقرة ويمكن له أن يفسد المسار السلمي فيها إذا شعر بأن الموقف له ولنظامه قد أصبح مطروحًا كمعادلة بين الحياة والموت، وتلك المناطق تتمثل بشكل أساسي في البوسنة والهرسك، ومنطقة شرق سلاتونيا الكرواتية والتي ما زالت تقع تحت السيطرة الصربية، إضافة إلى إقليم كوسوفا ذي الأغلبية الألبانية الواقع داخل الأراضي الصربية، وتعد هذه النظرة صحيحة إلى حد كبير حيث إننا لو تابعنا هذه الدوائر بعيدًا عما يحدث في بلجراد نجد أنه مع تصاعد الأزمة والأوضاع في العاصمة اليوغوسلافية يحاول الرئيس الصربي بطريقة غير مباشرة وبوسائل اشتهر بها خلق العقبات والأزمات التي يمكن أن تكون لها مؤشراتها الخطيرة على المسار الخاص بالعملية السلمية في المنطقة في حالة اتساعها واتخاذها أشكالًا أخرى مباشرة.

 إثارة القلاقل في البوسنة:

ففي البوسنة والهرسك ليس مصادفة الآن أن تعود قيادات صرب البوسنة مجددًا إلى إثارة القلاقل وأجواء التوتر الحاد مع الفيدرالية الكرواتية المسلمة بسبب الخلاف الجغرافي على مدينة بيرتشكو والتي يتنازع عليها كلا الطرفين في أحقية كل منهما القانونية والشرعية بالاحتفاظ بها.. فالمدينة تعد في الأساس مدينة مسلمة تم احتلالها صربيًا بالقوة العسكرية في نهاية عام ۱۹۹۳م، ومورست فيها سياسات التطهير العرقي سواء بعمليات القتل الجماعي أو التشريد الجماعي أيضًا للسكان المسلمين فيها، وهي تمثل المنفذ البحري الوحيد للمسلمين؛ حيث إنها تطل على نهر السافا؛ ولذا تتمسك الفيدرالية الكرواتية المسلمة بضرورة الاحتفاظ بالمدينة، بينما يستند الصرب فقط على أن المدينة تقع بجوار الممر الصربي الاستراتيجي الذي يربط بين الأراضي الصربية الواقعة في شمال البوسنة بالأخرى الواقعة في جنوبها.. لإدراكهم أن سيطرة الكروات والمسلمين على بيرتشكو قد يتسبب في ضرب الوحدة الجغرافية للأراضي الصربية مما يعيق مستقبلًا أي رغبات تستهدف إعلان الانضمام أو الالتحاق الصربي في البوسنة بجمهورية صربيا أو الاتحاد اليوغوسلافي المصغر، وعلى الرغم من أن اتفاقيات دايتون للسلام قد أقرت بتشكيل لجنة تحكيم دولية خاصة للنظر في قضية بيرتشكو و دراسة أبعادها وأوضاعها التاريخية وإصدار القرار الذي سيصبح ملزمًا للطرفين، إلا أن الطرف الصربي عاد فجأة هذه الأيام ليهدد بأن قرار لجنة التحكيم الخاصة بيرتشكو لا بُدَّ أن يكون لصالحه وإلا فإن العملية السلمية ستتعرض إلى انتكاسة شديدة ستبدأ بانسحاب ومقاطعة الصرب للمؤسسات والأجهزة الحكومية المركزية التي تجمعهم مع الفيدرالية مثل البرلمان والرئاسة الموحدة والحكومة المركزية.. وهذا التهديد لا يمكن لنا أن نتجاهله أو نتجاهل الربط بينه وبين ما يحدث في بلجراد، والإشارة التي تكمن بين سطوره بتذكير الدول الغربية بالرئيس سلوبودان ميلوسوفيتش الموقع بضمان تنفيذ اتفاقيات دايتون. 

خاصة لو أضفنا إلى ذلك التصريحات الأخرى المفاجئة لرئيسة صرب البوسنة بليانا بلاشيتش والتي سجلتها في خطاب رسمي بعثت به إلى السكرتير العام للأمم المتحدة كوفي عنان، والتي أكدت فيها على رفض القيادات الصربية في البوسنة تسليم رادوفان كرانيتش والجنرال رادكو ملاديتش إلى المحكمة الدولية لمحاكمة مجرمي الحرب في منطقة يوغوسلافيا السابقة بلاهاي بعدما كان قد وعد الرئيس الصربي بالمساعدة على تسليم المجرمين ومحاكمتهم.. واستندت بلاشيتس في رفضها إلى الشكوك التي أثارتها حول قانونية وشرعية المحكمة الدولية ومدى إمكانية أن تتوفر العدالة فيها أثناء التحقيقات، محذرة بأن إقبال سلطات صرب البوسنة على تسليم كرانيتش وميلاديتش سوف يؤدي حتمًا إلى انتفاضة شعبية وعسكرية في الأراضي الواقعة تحت السيطرة الصربية في الجمهورية اليوغوسلافية السابقة، وسيعمل أيضًا على حد قولها على إعاقة المسار السلمي فيها.. وكان خطاب وتصريحات رئيسة صرب البوسنة إشارة أخرى لتتذكر الدول الغربية للمرة الثانية الرئيس سلوبودان ميلوسوفيتش ومدى تأثيره على صرب البوسنة، الأمر الذي فرض ذاته أكثر من مرة على الذاكرة الأوروبية منذ اندلاع الأزمة السياسية في بلجراد عقب الانتخابات المحلية، وذلك من خلال المواقف المتناقضة والمتراجعة عن بنود اتفاقيات دايتون من جانب صرب البوسنة سواء كان في ممارسة هوايتهم بوضع العراقيل أمام تحديد الموعد النهائي لإجراء الانتخابات المحلية على الأراضي البوسنية ورفض المطلب الخاص بممثلي مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي والمرتبط بضرورة تعديل الكشوف الانتخابية الصربية لتعكس واقع التقسيم السكاني الصربي قبل اندلاع حرب الأربعة أعوام.. أو كان ذلك متمثلاً في إعادة رفضهم عودة اللاجئين المسلمين إلى ديارهم التي نزحوا عنها أثناء فترة المعارك والواقعة داخل الأراضي الصربية إضافة إلى رفضهم حتى الآن السماح بحرية الحركة والتنقل للمواطنين بين الأراضي الصربية وأراضي الفيدرالية وبنفس المنظور والوسيلة المتبعة في البوسنة والهرسك يتم افتعال التوتر والأزمات في منطقة شرق سلافونيا المنطقة الكرواتية الوحيدة المتبقية تحت السيطرة الصربية.. ففي الوقت الذي بدأت فيه الدول الغربية التلويح بممارسة الضغوط على الرئيس الصربي لحثه على الاعتراف للمعارضة الصربية بالفوز في النتائج الانتخابية المحلية تم فجأة وقف استكمال انسحاب الجيش اليوغوسلافي في شرق سلافونيا وخاصة شبه جزيرة برفيلكا التي تمثل موقعًا استراتيجيًا على البحر الأدرياتيكي.. ليدفع الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي إلى إعادة المشاورات حول إعادة المراقبين الدوليين إلى هذه المنطقة التي تم الاتفاق على وضعها تحت رقابة الأمم المتحدة لمدة عامين يتم خلالها انسحاب قوات الجيش اليوغوسلافي ونقل المنطقة تدريجيًا إلى السيادة والشرعية الكرواتية لكن ميلوسوفيتش أراد أن يظهر لهم بأنه ما زال في يده عدة مفاتيح يتحكم فيها وحده!!

افتعال الأزمات في كوسوفا:

أما في منطقة إقليم كوسوفا فإن الأمر يأخذ شكلًا مختلفًا.. عبرت عنه قيادات المعارضة الصربية الموحدة حينما أشارت إلى أن الرئيس الصربي يحاول افتعال الأزمات مجددًا مع الأقلية الألبانية في الإقليم، الأمر الذي أدى إلى استفزاز حكومة تيرانا في ألبانيا وأطلقت بعدد من التصريحات المحذرة بأن أي اعتداء على الهوية الألبانية في كوسوفا لن تقف أمامه حكومة تيرانا مكتوفة الأيدي.. وهذا هو الذي يسعى إليه الرئيس ميلوسوفيتش.. فهو بهذا الموقف سيضرب عصفورين بحجر واحد عندما تعلن حالة الحرب بين صربيا وألبانيا «مجرد إعلان حالة الحرب والطوارئ» سيلازمه بالطبع قرار بوقف التظاهرات الاحتجاجية التي تنظمها قوى المعارضة وإلا سيصبح قادة المعارضة أمام الشعب في عداد الخونة وأعداء للدفاع عن القومية الصربية، في الوقت الذي ستعطي هذه الفرصة للرئيس الصربي اللعب بالورقة القومية في محاولة لإعادة كسب التأييد الشعبي أو على الأقل التمكن من كسبه لبعض الوقت لالتقاط الأنفاس حتى يحاول إعادة سيطرته على الأوضاع.. وبالتالي فإن قضية افتعال أزمة بين صربيا وألبانيا بورقة إقليم كوسوفا سوف تنقل اهتمام المجتمع الدولي من هذا الذي يحدث في بلجراد إلى هذا الذي يحدث على الحدود بين الألبانية الصربية وبالتالي السعي لعدم انفجار الحرب بين الدولتين.

وهكذا نجد أن الدول الغربية ولهذه الأسباب كلها لم تتمكن حتى الآن من حسم موقفها النهائي من نظام الرئيس ميلوسوفيتش والاعتماد على الضغوط الداخلية وإعطاء الدعم الأخلاقي والنفسي لقوى المعارضة في مواصلة وتصعيد مواقفها الاحتجاجية في الوقت الذي بدأت فيه سياسة أخرى تستهدف محاولة خلق البديل السياسي للرئيس الصربي من خلال تدعيم علاقاتها مع قادة الأحزاب المعارضة وفتح الطريق أمامهم لعلاقات دولية.. لنرى أن الأيام القليلة الماضية قد شهدت توجيه الدعوات من إيطاليا وألمانيا والنمسا وهولندا وبشكل رسمي إلى قادة المعارضة لإعطائهم الصفة الشرعية الدولية من جانب ولاستقراء مواقفهم السياسية الداخلية والخارجية من جانب آخر.. وهذا الموقف في حد ذاته يمثل ضغطًا نفسيًا مشروعًا على الرئيس الصربي ونظامه.. إلا أنه لا يعني بالمنظور السياسي والعملي موقفًا عدائيًا منه يمكنه من اتخاذ إجراءات مباشرة لضرب العملية السلمية في المنطقة والتي تمثل له الورقة الأخيرة التي يمكن أن يلقي بها على المائدة الأوروبية.

وفي كل الأحوال فإن الغرب يفضل انهيار نظام الرئيس میلوسوفيتش داخليًا حتى لو قرر التعامل معه على امتعاض حتى موعد الانتخابات الرئاسية الصربية في بداية العام القادم.. الأمر الذي أصبحت نتائجه محسومة من الآن من خلال الوجود الشعبي والجماهيري المكثف بالشارع الصربي والمندد بالرئيس ميلوسوفيتش والمطالب بإطاحته عن السلطة.

الرابط المختصر :