العنوان من المسؤول عمّا نحن فيه؟
الكاتب عبدالقادر عودة
تاريخ النشر الثلاثاء 15-فبراير-1983
مشاهدات 62
نشر في العدد 608
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 15-فبراير-1983
إن المسلمين جميعًا مسؤولون عما نحن فيه وعما انتهى إليه أمر الإسلام، وقد تختلف مسئولية بعضهم عن مسئولية بعض، فتخف مسئولية فريق وتشتد مسئولية فريق، ولكنهم جميعًا مسئولون عما هم فيه من جهل وفسق وكفر، وعما هم فيه من تفرق وضعف وذلة، وعما يعانون من فقر واستغلال، وعما يحملون من نير الاستعمار وبلاء الاحتلال.
مسئولية الجماهير:
إن جماهير المسلمين مسئولة عما انتهى إليه أمر الإسلام فما وصل الإسلام إلى هذا الذي هو فيه إلا بجهل هذه الجماهير للإسلام، وبانحرافها شيئًا فشيئًا عن الإسلام حتى كادت تنسلخ عنه دون أن تدري أنها انسلخت عن الإسلام.
إن جماهير المسلمين قد ألفت الفسق والكفر والإلحاد حتى أصبحت ترى كل ذلك فتظنه أوضاعًا لا تخالف الإسلام، أو تظن أن الإسلام لا يُعنى بمحاربة الفسق والكفر والإلحاد، ولا يعنيه من أمر ذلك كله شيء.
إن الإسلام يوجب على المسلمين أن يتعلموا الإسلام وأن يتفقهوا فيه وأن يعلم بعضهم بعضًا، قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: 122)، ولقد طالما نفرت طوائف من المسلمين فأنذروا قومهم وحاولوا تفقيههم في الدين ولكن الحكومات الإسلامية أخذت على نفسها أن تحارب هذه الطوائف، وأن تحول بينها وبين ما يوجبه الإسلام إرضاء للاستعمار، وإطاعة للطواغيت، وموالاة لأعداء الإسلام، ورضيت الجماهير هذا الوضع من الحكومات وما كان لها أن ترضاه، فشارك الجمهور الحكومات في خنق الإسلام وهدم الجماعات العاملة للإسلام.
إن جماهير المسلمين قد فقدوا القوة والعزة والكرامة فهم يعيشون عبيدًا للأقوياء، وعبيدًا للاستعمار، وعبيدًا للحكام، يسلبونهم أقواتهم، ويستنزفون قواهم، ويدوسون كراماتهم، ويهدرون حريتهم، وما أتى المسلمون إلا من تركهم دينهم دين القوة والعزة والكرامة، ولو عادوا له لعادت لهم القوة التي فقدوها، والعزة التي حرموها، والكرامة التي يتطلعون إليها.
إن جماهير المسلمين في غفلة قاتلة: إنهم في غفلة عن دينهم، وفي غفلة عن دنياهم، وفي غفلة عن أنفسهم، ويوم تتفتح أعينهم على الحقائق سيعلمون أنهم خسروا دنياهم وآخرتهم بما فرّطوا في جنب الله، وبما انحرفوا عن كتاب الله.
مسئولية الحكومات الإسلامية:
والحكومات الإسلامية مسئولة إلى أكبر حد عما أصاب الإسلام من الهوان، وعما أصاب المسلمين من الذل والخبال.
إن الحكومات الإسلامية قد أبعدت الإسلام عن شئون الحياة، واختارت للمسلمين ما حرمه عليهم الله، وحكمت فيهم بغير حكم الله.
إن الحكومات الإسلامية تدفع المسلمين إلى الضلالات الأوروبية، وتدفعهم عن الهداية الربانية، فتحكم فيهم بحكم القوانين الوضعية، ولا تحكم فيهم بحكم الشريعة الإسلامية.
إن الحكومات الإسلامية خرجت على الإسلام في الحكم والسياسة والإدارة وخرجت على مبادئ الإسلام فلا حرية ولا مساواة ولا عدالة، ونبذت ما يوجبه الإسلام فلا تعاون بين المسلمين ولا تضامن ولا تراحم، وشجعت ما يحرمه الإسلام من الظلم والمحاباة، ومن الاستغلال والإقطاع، وأقامت المجتمع الإسلامي على الإفساد، وعلى الفسوق والعصيان، وعلى الأثرة والطغيان.
إن الحكومات الإسلامية تحول دون المسلمين أن يتعلموا دينهم، ويعرفوا ربهم، ويؤدوا واجباتهم.
إن الحكومات الإسلامية توالي أعداء الإسلام وقد حرم عليها الإسلام أن توالي أعداءه، وتطيع في المسلمين أعداء الله وما لهم عليها من طاعة.
إن الحكومات الإسلامية هي التي أورثت المسلمين الضعف والذل، وجلبت عليهم الاستغلال والفقر، وأشاعت فيهم الفساد والبغي.
مسئولية رؤساء الدول:
ورؤساء الدول الإسلامية هم أكثر الناس مسئولية عن الإسلام، وعما أصاب الإسلام، وإذا أعفتهم القوانين الوضعية من المسئولية، فما يعفيهم الإسلام أن يسألوا عن صغير الأمور وكبيرها، وما يمنع إنسانًا أن يواجههم بالواقع، ويفتح عيونهم عن الحقائق.
إن في يدكم معشر الرؤساء الحكم والسلطان، ولكم القوة وفيكم القدرة على أن تعودوا بالإسلام إلى ما كان عليه، ولكنكم ورثتم أوضاعًا مخالفة للإسلام عن أسلافكم فأنتم تعيشون فيها، وتقيموا سلطانكم عليها، على علم أو جهل بمخالفتها للإسلام، وهذه الأوضاع الموروثة هي أول ما يضعف الإسلام ويؤخر أهله عن النهوض، وكل ضعف للإسلام عائد عليكم وكل قوة له إنما هي قوتكم، وإنه لخير لكم أن تكونوا أفرادًا من الأفراد في دولة قوية من أن تكونوا ملوكًا وأمراء ورؤساء في دولة ضعيفة مستعبدة يتسلط عليها موظف صغير من موظفي الدولة المستعمرة، يأمر وينهى، فيسقط الحكومات ويقيمها ويهز أمره العروش ويزلزل أقدام الرؤساء والأمراء.
إنكم معشر الرؤساء متفرقون! ومن الخير لكم وللإسلام أن تتجمع قواكم، وإنكم متنابذون أو متباعدون، ومن الخير لكم وللإسلام أن تتعاونوا وأن تتحدوا، وإنه أن يخضع بعضكم لبعض ويتولى بعضكم بعضًا خير لكم وأهدى من أن تخضعوا جميعًا للاستعمار ويتولاكم المستعمرون.
إنكم معشر الرؤساء مسلمون قبل كل شيء؛ فضعوا الإسلام فوق كل شيء، وحكموه في أنفسكم، واجعلوه أساس حكمكم وأقيموا عليه الدولة الإسلامية، ولا تجعلوا أشخاصكم حجر عثرة في سبيل قيام هذه الدولة، فأشخاصكم فانية وليس بعد الموت إلا الجنة أو النار، ولن ينفع أحدكم ملكه أو ماله أو أهله، وإنما ينفعه العمل الصالح والقيام على أمر الله، وإنه لخير لكم أن يذكر لكم التاريخ أنكم عاونتم على إعادة الدولة الإسلامية والحكم الإسلامي وأنكم لم تؤخروا قيام هذه الدولة بتشبثكم بمناصبكم وبأوضاعكم التي لا يرضاها الإسلام للمسلمين.
وإن الأمر كله لن يحتاج إلا قوة عزائمكم، والتغلب على أنفسكم، فإن تتغلبوا على أنفسكم فقد تغلبتم على كل شيء، وأن تضعفوا أمام منافعكم وأمام مغريات الحكم والسلطان فسيظل المسلمون جميعًا في فرقة وتخاذل وضعف وذلة، يتسلط عليكم وعليهم الأقوياء، ويخيفكم المستعمرون، ويحرككم ويحركهم الدول ذات المطامع والنفوذ، ويستغلكم ويستغلهم أولئك الذين عرفوا حق المعرفة أن القوة في الاتحاد، وأن الغلبة لأصحاب القوة.
أيها الرؤساء، لا تحرصوا على الإمارة والسلطان، ولا تتشبثوا بالألقاب والتيجان فإن هذا الحرص هو الذي أذل المسلمين وأضعف فيهم روح الإسلام، ومزقهم ممالك ضعيفة، ودويلات صغيرة، وإمارات لا تدفع عن نفسها عدوًا، ولا تحمي لنفسها حقًّا، حتى أصبح المسلمون على كثرة عددهم، واتساع أقطارهم، وتوفر المواد الخام والأيدي العاملة في بلادهم، وتهيؤ أسباب السيادة والعزة لهم... أصبح المسلمون مع كل هذا أضعف أهل الأرض وأذلهم وأهونهم على الدول شأنًا.
فإذا غلبكم الحرص على منافعكم وعلى مناصبكم وعلى ألقابكم وسلطانكم، فاحرصوا على أن تتجمعوا في شكل من الأشكال، وأن تتحدوا وتوحدوا قوة بلادكم، ليكون المسلمون جميعًا قوة واحدة، ويدًا واحدة.
يا رؤساء الدول الإسلامية: إن مناصبكم وألقابكم لن تغني عنكم من الله شيئًا، أن الله سائلكم وأسلافكم عن الإسلام والمسلمين، سيسألكم عن الإسلام الذي أصبح غريبًا في بلادكم مهملًا في حكمكم، وسيسألكم عن المسلمين الذين فرقتم وحدتهم، وضيعتم قوتهم، ومزقتم دولتهم، وجعلتموهم أنتم وأسلافكم مثلًا على الفرقة المصطنعة، والقوة الضعيفة، والكرامة المهدورة، والأطماع التي تذل الرجال الكرام، وتوطئ ظهور الأبطال، وتضع أنوف السادة في الرغام.
يا رؤساء الدول الإسلامية، لا تحرصوا على الإمارة والسلطان فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم يقول: «ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة».
واعلموا أن الإمارة أمانة، فمن أخذها بحقها، وأدى ما يجب عليه فيها سلم يوم القيامة، فأدوا الأمانات إلى أهلها فإن الله سائلكم عنها، واذكروا قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لأبي ذر لما سأله أن يستعمله: «يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل