العنوان قراءة في حيثيات الحكم بارتداد الدكتور نصر أبو زيد
الكاتب بدر محمد بدر
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1995
مشاهدات 69
نشر في العدد 1157
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 11-يوليو-1995
أبو زيد كذب صريح القرآن وأنكر الآيات قطعية الدلالة وأنكر الملائكة والشياطين والجن والكرسي والعرش ووصفها بأنها «صورة أسطورية»!
* أبو زيد يقول بأن القرآن نص بشري وأنه احتوى الأساطير السائدة في عصر الرسول
* أبو زيد يدعو لتعديل الميراث توافقا مع العصر، والمحكمة تدعوه إلى التوبة
* نصر أبو زيد يزعم أن السنة ليست وحيًا ولا مصدر للتشريع
الحيثيات التاريخية للحكم التاريخي الذي أصدره المستشار الدكتور فاروق عبد العليم، رئيس محكمة استئناف القاهرة في قضية ارتداد الدكتور نصر حامد أبو زيد، والتفريق بينه وبين زوجته كانت أبلغ رد على مزاعم العلمانيين المصريين والعرب، التي ملئوا بها الدنيا ضجيجًا وإثارة خلال الأسابيع الأخيرة، زاعمين أن القضاء حاكم بالنوايا، وأن المحكمة أدانت الاجتهاد العلمي والفكر الحر، وأنها فتحت الباب أمام الفاشية الدينية....إلخ.
هذه الهرطقات الزائفة، حيثيات الحكم التاريخي أجابت على اتهامات العلمانيين وفندت آراء الدكتور نصر أبو زيد من خلال كتبه المنشورة وبحوثه ودراساته التي لم ينكرها حتى هذه اللحظة، لتؤكد أن ردة الدكتور أبو زيد كانت واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، ونحن نعرض لأهم ما جاء في الحيثيات
تقول المحكمة إن الردة تكون بأن يرجع المسلم عن دين الإسلام ظلمًا وعلوًّا، بأن أجرى كلمة الكفر عامدًا صريحة على لسانه، أو فعل فعلًا قطعي الدلالة، أو قال قولًا قاطعًا في جحود ما ثبت بالآيات القرآنية والحديث النبوي الشريف، وأجمع عليه المسلمون، فمن أنكر وجود الله تعالى أو أشرك معه غيره أو نسب له الولد أو الصاحبة، تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا، أو استباح لنفسه عبادة المخلوقات أو كفر بآية من آيات القرآن الكريم، أو جحد ما ذكره الله تعالى في القرآن الكريم من أخبار أو كفر ببعض الرسل، أو لم يؤمن بالملائكة أو الشياطين، أو رد الأحكام التشريعية التي أوردها الله سبحانه في القرآن الكريم، ورفض الخضوع لها والاحتكام إليها أو أنكرها أو رد سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عامة رافضًا طاعتها والانصياع لما جاء بها من أحكام إلى غير ذلك من الأمثلة، وقد اطلعت المحكمة على أربعة من مؤلفات الدكتور نصر أبو زيد وهي:
- نقد الخطاب الديني.
- الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية.
- مفهوم النص دراسة في علوم القرآن.
- إهدار السياق في تأويلات الخطاب الديني.
وتورد المحكمة بعض العبارات من الكتب السابقة للحكم عليها.
تطور النصوص القرآنية
أولًا: القرآن الكريم: يقول الدكتور نصر في مؤلفه نقد الخطاب الديني ص ۱۰۲، إذا كانت اللغة تتطور بتطور حركة المجتمع والثقافة فتسوغ مفاهيم جديدة أو تطور دلالات ألفاظها للتعبير عن علاقات أكثر تطورًا، فمن الطبيعي بل والضروري أن يعاد فهم النصوص وتأويلها بنفس المفاهيم التاريخية والاجتماعية الأصلية وإحلال المفاهيم المعاصرة والأكثر إنسانية وتقدمًا مع ثبات مضمون النص، والنصوص في كتابة المؤلف عامة هي القرآن الكريم، وإذا أراد الكلام عن السنة ذكره بالنص الثانوي أو الثاني.
ويقول في نفس الكتاب ص ۱۹۸، ۱۹۹ تتحدث كثير من آيات القرآن عن الله بوصفه مليكا «بكسر اللام» له عرش وكرسي وجنود وتتحدث عن القلم واللوح، وفي كثير من المرويات التي تنسب إلى النص الديني الثاني -الحديث النبوي- تفاصيل دقيقة عن القلم واللوح والكرسي والعرش، وكلها تساهم إذا فهمت حرفيًّا في تشكيل صورة أسطورية من عالم ما وراء عالمنا المادي المشاهد المحسوس وهو ما يطلق عليه في الخطاب الديني اسم عالم الملكوت والجبروت، ولعل المعاصرين لمرحلة تكوين النصوص -تنزيلها- كانوا يفهمون هذه النصوص فهمًا حرفيًّا، ولعل الصور التي تطرحها النصوص كانت تنطلق من التصورات الثقافية للجماعة في تلك المرحلة، ومن الطبيعي أن يكون الأمر كذلك لكن غير الطبيعي أن يصر الخطاب الديني في قبض اتجاهاته على تثبيت المعنى الديني عند العصر الأول رغم تجاوز الواقع والثقافة في حركتها لتلك التصورات ذات الطابع الأسطوري، إن صورة الملك والمملكة بكل ما يساندها من صور جزئية تعكس دلاليًّا واقعًا مثاليًّا تاريخيًّا محددًا، كما تعكس تصورات ثقافية تاريخية والتمسك بالدلالة الحرفية للصورة التي تجاوزتها الثقافة، وانتفت من الواقع، يعد بمثابة نفي للتطور، وتثبت صورة الواقع الذي تجاوزه التاريخ وفي نفس الكتاب يقول المؤلف ص ٢٠٥- ۲۰۷ ومن النصوص التي يجب أن تعتبر دلالتها من قبيل الشواهد التاريخية والنصوص الخاصة بالسحر والحسد والجن والشياطين، كانت الأولى تجعل العلم نقطة الارتكاز السحر، الحسد، الجن والشياطين مفردات في بنية ذهنية ترتبط بمرحلة محددة من تطورات الوعي الإنساني، وقد حوَّل النص الشياطين إلى قوة معوقة، وجعل السحر أحد أدواتها لاستيلاء الإنسان، فقد كان الواقع الثقافي يؤمن بالسحر ويعتقد فيه، وإذا كنا ننطلق هنا من حقيقة أن النصوص الدينية نصوص إنسانية لغة وثقافة، فإن إنسانية النبي بكل نتائجها من الانتماء إلى عصر وإلى ثقافة وإلى واقع لا تحتاج إلى إثبات، وما ينطبق على السحر، ينطبق على ظاهرة الحسد، وليس ورود كلمة الحسد في النص الديني دليلًا على وجودها الفعلي الحقيقي، بل هو دليل على وجودها في الثقافة مفهومًا ذهنيًّا، كل المواضع التي وردت فيها الكلمة في القرآن، وموضع واحد بالدلالة الحرفية المرتبطة بنسق من العقائد والتصورات شبه الأسطورية القديمة وعن نفس الموضوع يقول د. نصر في كتابه «مفهوم النص» ص ٣٦: «أمكنا أن نميز بين هاتين الصورتين، صورة الجن الخناس الموسوس، الذي يستعاذ بالله منه، وصورة الجن الذي يشبه البشر في انقسامه إلى مؤمنين وكافرين، ولاشك أن الصورة الثانية تعد نوعًا من التطوير القرآني النابع من معطيات الثقافة من جهة، والهادف إلى تطويرها لمصلحة الإسلام من جهة أخرى».
نصوص تحمل تصورات أسطورية
وفي مؤلفه «إهدار السياق»، ص ۳۷ «مازال الخطاب الديني يتمسك بوجود القرآن في
اللوح المحفوظ اعتمادًا على فهم حرفِي للنص، ومازال يتمسك بصورة الإله الملك بعرشه وكرسيه وصولجانه ومملكته، وجنود الملائكة، ومازال يتمسك بنفس الدرجة من الجزئية بالشياطين والجن والسجلات التي تدون فيها الأعمال، والأخطر من ذلك تمسكه بحرفية صور العقاب والثواب وعذاب القبر ونعيمه، ومشاهد القيامة والسير على الصراط ...إلخ، وذلك كله من تصورات أسطورية»، وحَرفية النصوص المنقولة عن مؤلفات المستأنف ضده الأول سالفة الإشارة تدل بمنطوقها على ما يلي:
أولًا: ينكر المؤلف وصف الله تعالى بأنه ملك الواردة بالقرآن الكريم في آيات كثيرة منها: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ (المؤمنون: ١٦).
ثانيًا: ينكر المؤلف العرش والكرسي وجنود الله الملائكة، وهي مخلوقات نزلت الآيات الكريمة قاطعة الدلالة في إثباتها مخلوقات خلقها الله سبحانه وتعالى، ومن الآيات على سبيل المثال معنى العرش ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (هود: 7) وعن الكرسي قول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (البقرة: ٢٥٥)، وعن الملائكة تزيد الآيات عن ثمانين آية متفرقات في سور القرآن الكريم على أنها مخلوقات الله ورسله وجنوده بدلالة قاطعة على ذلك، ومن ذلك قول الحق تبارك وتعالى ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فاطر:۱).
ويرى الدكتور أبو زيد أن الآيات التي وردت بكتاب الله تعالى إذا فهمت حرفيًّا تشكل صورة أسطورية والأسطورة بالمعنى اللغوي الذي يشكل الدكتور نصر أحد علمائها هي الأباطيل والأحاديث العجيبة، وهذا القول لا يبعد كثيرًا عما حكاه القرآن الكريم عن قول الكافرين في آياته ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (الأنعام: ٢٥)، ولم ترد كلمة أساطير في القرآن الكريم إلا بهذا المعنى، والمؤلف قرر وصف كتاب الله تعالى بهذا اللفظ في مواضع كثيرة منها ما ورد في مؤلفه نقدًا للخطاب الديني في صفحات ٧، ٨، ٩٩، ٢٠٧.
القرآن ساير الخرافات!
ثالثًا: ينكر المؤلف وجود الشياطين ويجعل وجودها وجودًا ذهنيًّا في مرحلة الأمة الإسلامية في بدايتها، أي وجودًا في أذهان الناس، والقرآن الكريم سايرهم في ذلك.
وكذلك السحر والحسد، وأنها لا وجود للشياطين في الأعيان، وكذا السحر والحسد والجن، وبهذا الإنكار ينكر الآيات الكثيرة الواردة عن الشياطين، وأن لها وجودًا حقيقيًّا وأنها من مخلوقات الله سبحانه، والآيات قاطعة الدلالة في ذلك، ومنها:
﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ (البقرة: ٣٦)، ولم يقف الدكتور نصر عند حد الإنكار، بل أخذ يسخر من النص. وهو يعني القرآن الكريم. فيقول: «وقد حول النص الشياطين إلى قوة معوقة، وجعل السحر أحد أدواتها» نقد الخطاب الديني ص ٢٠٦، وهذا يعني أن كتاب الله تعالى حوى الكثير من الأباطيل التي ساير المجتمع الإسلامي في بدايته لوجود هذه الأشياء في أذهان الناس في تلك الحقبة السحيقة من التاريخ، وأن على الناس التخلص من هذه الأباطيل، والتمسك بالحقيقة التي لا يعرفها إلا الدكتور نصر وحده، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
رابعا: وعن الجن والوسواس الخناس، فالدكتور أبو زيد ينكر وجود الجن، حسبما ورد في مؤلفاته كما سلف البيان، وهو بهذا ينكرها كمخلوقات لها وجودها الحقيقي، والتي أثبت القرآن وجودها في آيات قاطعة الدلالة على ذلك منها قول الحق تبارك وتعالى ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ (الأنعام: ۱۱۲)، والدكتور نصر لم يكتف بهذا التكذيب للآيات القرآنية قاطعة الدلالة فيما جاءت به بل ينسب إلى القرآن الكريم تطوير صور الجن نبعًا من معطيات الثقافة قولًا من أن سورة الناس مكبة، ويقصد قول الحق تبارك وتعالى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (الناس: ١-٦) ويضيف: إن النص طوره إلى ما يشبه الناس من انقسامه إلى مؤمنين وكافرين بعد ذلك في سورة الجن ونسي الدكتور نصر أن سورة الجن أيضًا مكية باتفاق، بل هي قريبة في ترتيب النزول من سورة الناس، أي إن معطيات الثقافة كما يقول كانت واحدة.
القرآن نص بشري.
خامسًا: ولا يقف الدكتور أبو زيد عند هذا الحد في القرآن الكريم باحتوائه على الأساطير، بل يضيف إلى ذلك أيضًا صور العقاب والثواب ومشاهد القيامة ليدخلها أيضًا ضمن الأساطير إذا فهمت بحرفية نصوصها. وخلاصة رأى الدكتور أبو زيد أن الآيات القرآنية لا تمثل واقعًا ولا حقيقة، ولكنها تمثل وجودًا ذهنيًّا في مرحلة العصر النبوي، أي في أذهان الناس في ذلك الوقت، وقد حدثت تطورات في العقل والتاريخ وتغيرت الصور الذهنية لرب الناس، فيجب أن تفهم هذه العقيدة على نحو أذهان الناس اليوم وهو بهذا القول يكون قد رد قول الحق تبارك وتعالى عن القرآن الكريم بأنه الحق، وأن ما ورد به هو الحق، وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن الرسول الله لا ينطق عن الهوى وتضيف حيثيات حكم المحكمة يقول المؤلف في كتابه «نقد الخطاب الديني»، ص ٩٣، ٩٤: النص منذ لحظة نزوله الأولى، أي مع قراءة النبي له لحظة الوحي، تحول من كونه نصًّا إلهيًّا وصار فهمًا إنسانيًّا، لأنه تحول من التنزيل إلى التأويل، إن فهم النبي للنص يمثل أولى مراحل حركة النص في تفاعله بالعقل البشري، ولا التفات المزاعم الخطاب الديني بمطابقة فهم الرسول للدلالة الذاتية للنص على فرض وجود مثل هذه الدلالة الذاتية إن مثل هذا الزعم يؤدي إلى نوع من الشرك، حيث إنه يطابق بين المطلق والنسبي، وبين الثابت والمتغير، حيث يطابق بين القصد الإلهي والفهم الإنساني لهذا القصد، ولو كان فهم الرسول أنه زعم يؤدي إلى تأليهه أو تقديسه بإخفاء حقيقة كونه بشراء والكشف عن حقيقة كونه نبيًّا بالتركيز عليها وحدها.
ويقول المؤلف في نفس الكتاب ص ٢٠٦ وإذا كنا ننطلق ههنا من حقيقة أن النصوص الدينية نصوص إنسانية بشرية لغة وثقافة، وفي ص ۲۱۰ يقول: يتم تغييب دلالات النصوص بالوثب على بعدها التاريخي، والوثب على الثقافة والواقع المعاصرين بالارتداد بها إلى عمر إنتاج النصوص الدينية.
وفي مؤلفه «مفهوم النص» ص ٩٠ «وتأتي الآية الثانية لتؤكد أن القرآن مصدر من «قرأ» بمعنى القراءة الذي هو الترديد والترتيل ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (المزمل: ٤)، إن النص في إطلاقه هذا الاسم على نفسه ينتسب إلى الثقافة التي تشكل من خلالها.
وعبارات الدكتور أبو زيد تنفي عن القرآن الكريم كونه نصًا إلهيًّا، وتؤكد على أنه نص بشري، وفي ذلك إنكار للآيات القرآنية قاطعة الدلالة في ذلك أيضًا، ومن ذلك ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾ (التوبة: ٦)، فالقرآن كلام الله بنص الآية والدكتور نصر يصر على أنه نص إنساني بشري، ونسبة هذه الصفات للقرآن الكريم فيها رد له بأكمله بوصفه كلام الله لفظًا ومعنى ورد للآيات القرآنية التي تنص على أن الآيات بذاتها منزلة من الله سبحانه وتعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة: ١٦-١٨).
إهدار الشريعة أيضًا
وتقول المحكمة في حيثياتها وإذا كان الدكتور نصر قد توجه إلى العقيدة الإسلامية في أصلها الأول، وهو القرآن الكريم، كما توجه إلى جزء من أحكام العقيدة الواردة بالقرآن الكريم أيضا، فإنه اتجه إلى الشريعة ليوجه لها الأقوال الآتية:
أ-من كتاب «إهدار السياق في تأويلات الخطاب الديني» ص ۳۷، يقول: وإذا انتقلنا من
مجال العقائد والتصورات إلى مجال الأحكام والتشريعات، والأحكام والتشريعات جزء من بنية الواقع الاجتماعي في مرحلة اجتماعية تاريخية محددة، وفي ص ٦٠ من كتاب «نقد الخطاب الديني» يقول: «وإذا كان مبدأ تحكيم النصوص يؤدي إلى القضاء على استقلال العقل لتحويله إلى تابع يقتات بالنصوص ويلوذ بها ويحتمي، فإن هذا ما حدث في تاريخ الثقافة العربية والإسلامية».
ب- وفي قضية المطالبة بمساواة المرأة بالرجل في الأحكام على خلاف ما ورد بالقرآن الكريم، يقول في نفس الكتاب ص ١٠٥: «وفي قضية ميراث البنات بل في قضية المرأة بصفة عامة، نجد الإسلام أعطاها نصف نصيب الذكر، بعد أن كانت مستبعدة استبعادًا تامًا وفي واقع اجتماعي واقتصادي تكاد تكون المرأة فيه كائنًا لا أهلية له، وراء التبعية الكاملة بل الملكية التامة للرجل أبًا ثم زوجًا، اتجاه الوحي واضح تمامًا، وليس من المقبول أن يقف الاجتهاد عند حدود المدى الذي وقف عنده الوحي, وإنما انهارت دعوى الصلاحية لكل زمان ومكان»، وتقول المحكمة إن مفهوم ذلك أن القرآن الكريم إذا أعطى البنت نصف الذّكر في الميراث بعد أن كانت لا ترث شيئًا، فالاتجاه هو إعطاؤها حقها، ولكن لم يقرر القرآن الكريم ذلك حتى لا يصطدم بالواقع، وإنما اكتفى بتحريك الواقع جزئيًّا ليكمل الناس باجتهادهم هذا الاتجاه لنهايته، وكذلك الشأن في حجب البنت الباقي الورثة، وكذلك في شهادة المرأتين لشهادة رجل واحد، وهكذا.... وهذا يعني الخروج على الآيات القرآنية التي تنص على أحكام قطعية في هذا المجال.
التمسك بالشريعة يعنِي التخلف
وعن بعض الأحكام الواردة بالقرآن الكريم وهي ملك اليمين ووضع أهل الذمة في الإسلام والجزية، يقول المؤلف في كتابه «نقد الخطاب الديني» ص 104: «تزييف يجمد النصوص كما يجمد الواقع بإلغاء حقائق التاريخ واللغة ومحاربة العقل الذي حرره الوحي، وليس غريبًا بعد ذلك كله أن يتعلم أبناؤنا في المدارس أن الإسلام يبيح امتلاك الجواري ومعاشرتهن معاشرة جنسية، وأن هذه إحدى القرائن في العلاقة بالنساء إلى طريقة الزواج الشرعي، ما دام ذلك قد وردت به النصوص، وليس غريبًا أيضًا في ظل عبودية النصوص أن يتعلموا أن المواطن المسيحي، مواطن من الدرجة الثانية، يجب أن يحسن المسلم معاملته».
وفي ص 205 من نفس الكتاب يقول: «والآن، وقد استقر مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بصرف النظر عن الدين واللون والجنس لا يصح التمسك بالدلالات التاريخية لمسألة الجزية، إن التمسك بالدلالات الحرفية للنصوص في هذا المجال لا يتعارض مع مصلحة الجماعة فحسب، ولكن يضر الكيان الوطني القومي ضررًا بالغًا، وأي ضرر أشد من جذب المجتمع إلى الوراء إلى مرحلة تجاوزتها البشرية في نضالها الطويل من أجل عالم أفضل مبنِيٌّ على المساواة والعدل والحرية»، ويقول في ص 102 «فمن الطبيعي، بل والضروري أن يعاد فهم النصوص وتأويلها بنفس المفاهيم التاريخية الاجتماعية الأصلية، وإحلال المفاهيم المعاصرة والأكثر إنسانية وتقدما مع ثبات مضمون النص»، وما قرره الدكتور أبو زيد يتعارض مع النصوص القطعية الواردة بكتاب الله تعالى والتي يلزم اتباع حكمها.
ويقول الدكتور نصر في كتابه «مفهوم النص» ص 21: «فإذا نظرنا للإسلام من خلال منظور الثقافة، تبدد ذلك الوهم الزائف الذي يفصل بين العروبة والإسلام، والإسلام ينطلق من مجموعة من الافتراضات المثالية الذهنية أولها عالمية الإسلام من دعوى أنه دين للناس كافة لا للعرب وحدهم، ورغم أن هذه الدعوى مفهوم مستقر في الثقافة، فإن إنكار الأصل العربي للإسلام وتجاوزه للوثب إلى العالمية مفهوم حديث نسبيا» (!).
وتقول المحكمة: إن الدكتور أبو زيد يكرر أن عالمية الإسلام افتراض مثالي ذهني، وهو بهذا يرد الآيات قاطعة الدلالة على أن الله سبحانه وتعالى أرسل رسوله محمدًا ﷺ للناس كافة عامة وليس لقريش أو للعرب فحسب، والآيات التي تنص على ذلك منذ فجر الدعوة الإسلامية، بل كلها آيات من السور المكية، وفي السورة الثانية في ترتيب النزول -القلم- يقول الله عز وجل: ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ*وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ (سورة القلم: 51-52).
افتراءات عن السنة النبوية
وتستمر حيثيات حكم المحكمة في إيراد مقتطفات من كتابات الدكتور نصر أبو زيد حول القرآن الكريم، لتكشف المزيد والمزيد من الجهالات والافتراءات التي يضيق المكان عن نشرها، ثم انتقلت إلى كتابات المؤلف عن السنة النبوية الشريفة، حيث يقول في كتابه «الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوُسْطَى» ص 28: «في محاولة الشافعي ربط النص الثانوي - السنة النبوية - بالنص الأساسي - القرآن الكريم»، وفي ص 39: «فإن الوجه الثالث محل الخلاف، وهو استقلال السنة للتشريع يكشف عن طبيعة الموقف الذي أهيل عليه تراب النسيان في ثقافتنا وفكرنا الديني، وطبقًا لهذا الموقف ليست السنة مصدرًا للتشريع، وليست وحيًا، بل هي تفسير وبيان لما أجمله الكتاب، وحتى مع التسليم بحجية السنة فإنها لا تستقل بالتشريع، ولا تضيف إلى النص الأصلي شيئًا لا يتضمنه على وجه الإجمال والإشارة».
وفي ص 40 يقول: «وإذا كانت الحكمة هي السنة، فإن طاعة الرسول المقترنة دائمًا بطاعة الله في القرآن تعني اتباع السنة -رأي الإمام الشافعي- ولا يمكن الاعتراض على الشافعي بأن المقصود بطاعة الرسول طاعته فيما يبلغه من الوحي الإلهي للقرآن، لأنه قد جعل السنة وحيًا من الله يتمتع بنفس القوة التشريعية والإلزام.. وهكذا يكون الشافعي يتجاهل بشرية الرسول تجاهلًا شبه تام»، وفي ص 55 يقول: «إن تأسيس السنة وحيًا لم يكن يتم بمعزل عن الموقف الأيديولوجي الذي أسهبنا في شرحه وتحليله موقف العصبية العربية القرشية التي كانت حريصة على نزع صفات البشرية عن محمد ﷺ وإلباسه صفات قدسية إلهية تجعل منه مشرعًا».
وهذا الذي أورده المؤلف عن السنة فيه رد لكثير من الآيات القرآنية الصريحة في وجوب الرجوع إلى السنة والوعيد لمن يخالفها، يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: 59).
ليس مرتدًا فقط.. ولكنه زنديق
وانتهت المحكمة إلى أن «هذه الأقوال بإجماع علماء المسلمين وأئمتهم، إذا أتاها المسلم وهو عالم بها يكون مرتدًا خارجًا عن دين الإسلام، فإذا كان داعية لها فإن بعض العلماء يسميه زنديقًا فيكون أشد سوءًا من المرتد، وكان الدكتور نصر يعمل أستاذًا للغة العربية والدراسات الإسلامية فهو يعلم كل كلمة كتبها وكل سطر خطَّه، وما تعنيه هذه الكلمات، وما تدل عليه هذه السطور، وإن كان من المقرر أنه عند ظهور الألفاظ فلا تحتاج إلى نية، ومن ثَمَّ يكون المستأنف ضده -الدكتور نصر أبو زيد- قد ارتد عن دين الإسلام وإضافة لذلك فقد استغل وظيفته كأستاذ لطلبة الجامعة فأخذ يدرس لهم هذه التكذيبات لكتاب الله تعالى، ويلزمهم بدراسة واستيعاب هذه المعلومات القاتلة بما حوته من الأوصاف البذيئة التي رمَى بها كتاب الله تعالى وسنة رسوله الله دون خوف من الله سبحانه ولا خوف من سلطة حاكمة، وترى المحكمة أن الكلية التي يدرس بها المستأنف ضده والجامعة مسئولان عن هذه الكتب، لأن هذه المؤسسات العلمية عندها من الوسائل وتستطيع أن تضع من التنظيمات ما يكفل منع هذه المؤلفات التي تحاول هدم أصول العقيدة الإسلامية، وما هي بمستطيعة، ولكنها تشوش عقول الشباب في أصول عقيدتهم.
ودعت المحكمة في ختام حيثياتها الدكتور نصر أبو زيد إلى التوبة، وأن يعود إلى دين الإسلام الحق الذي جعله الله نورًا للناس وصراطًا مستقيمًا يفوز به الإنسان بسعادة الدنيا والآخرة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل