العنوان معالم على الطريق.. النفس الأمارة.. واللومة.. والمطمئنة
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يونيو-1999
مشاهدات 68
نشر في العدد 1354
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 15-يونيو-1999
ما شقيت الأمم وما ضلت مثل ما شقيت بالنفوس الأمارة بالسوء، وما حلت الكوارث بالبشرية وما أصيبت بالنكبات إلا بأفعال هؤلاء الشياطين، وكلما تقدمت الحضارة المزعومة، وتقدمت المدنية الهابطة، وسادت الاختراعات العلمية المهلكة، كون ذلك هياجًا عند تلك النفوس وأخرج لها أنيابًا ومخالب وأصابها بالصرع والجنون، ودائما أبدًا كان هذا الصنف هو داء القرون وجوائح الأزمان ولقد أصاب قرننا هذا كثير من النكبات بنفثهم وأفعالهم واحتل بين القرون المنزلة الأقوى دموية فاندلعت فيه حريان عالميتان، وأربعون حربًا أهلية مورست فيها صنوف من الفظائع وضروب من الكوارث الساحقة، وأبيدت فيها ملايين البشر من العسكريين والمدنيين، بجنون لا مثيل له في التاريخ وعلى الرغم من ذلك يصف هذا القرن كثير من الدجاجلة بقرن الإنسانية والرقي والتقدم.
ففي هذا القرن قتل ٣٥ مليون شاب في سبيل القوميات والنظريات الأيديولوجية وقتل في حربين عالميتين ٢٩ مليونًا من العسكريين، و ١٣ مليونًا من الأطفال والنساء وكبار السن يضاف إلى ذلك ١٥ مليون قتيل صيني في الحرب الصينية اليابانية التي بدأت قبل الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى 6 ملايين مدني قضوا نحبهم في صراعات أخرى، ومن بين هذه الصراعات حروب المكسيك، والحروب بين بوليفيا وارجواي والحروب الأهلية الإسبانية، وحروب باكستان والهند وحروب العرب وإسرائيل، وحرب فيتنام والقاء القنبلة الذرية على اليابان والحروب العراقية الإيرانية، وحرب العراق والكويت وعاصفة الصحراء، وحروب البلقان في البوسنة والهرسك وكوسوفا وحرب الشيشان، وحرب الأطلسي مع يوغسلافيا، وهلم جرا.
ولقد أحصى الكثير قتلى هذه الحرب فبلغ ما لا يقل عن (۱۷۰) مليون نسمة، وهذه النفوس الشريرة هي المدانة بهذه المجازر، لأنها فقدت العمق السليم والنفس الطيبة والرقابة الإيمانية ونقاء الضمير فلاعبتها الأهواء والأطماع، وسلبتها الوعي والإحساس، فلم ينفعها علم أو تقدم أو حضارة وصدق الله: ﴿أَفَرَءَيتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلم وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمعِهِۦ وَقَلبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَة فَمَن يَهدِيهِ مِن بَعدِ ٱللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 23)
إذن فبالرغم من التقدم وبالرغم من الدروس والعبر، وبالرغم من الارتقاء العلمي والحضاري، وبالرغم من دهاقين السياسة وظهور المجامع الشورية والعلمية والقضائية والدولية، تنحط النفوس وتتقيأ السوء وتتدنى إلى الحضيض، حتى تتمرغ في الأوحال وصدق الله: ﴿وَٱتلُ عَلَيهِم نَبَأَ ٱلَّذِي ءَاتَينَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنهَا فَأَتبَعَهُ ٱلشَّيطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلغَاوِينَ وَلَو شِئنَا لَرَفَعنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخلَدَ إِلَى ٱلأَرضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلكَلبِ إِن تَحمِل عَلَيهِ يَلهَث أَو تَترُكهُ يَلهَث ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلقَومِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَٱقصُصِ ٱلقَصَصَ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأعراف:١٧٥-١٧٦).
والغريب أن تلك النفوس الأمارة بالسوء قد تبدلت أمزجتها وطبائعها فأصبحت تمارس الإجرام بوصفه حضارة، وتفترس الشعوب بحسبانه حقًا وتنهب الأموال باعتبارها حلالًا زلالًا، والأغرب من ذلك، أنها أوحت به إلى الناس ورسخته في قلوبهم وربت عليه كهنة ودهاقين ودعاة وأئمة يهدون به ويبشرون بتعاليمه، وصدق الله: ﴿وَلَقَد ذَرَأنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرا مِّنَ ٱلجِنِّ وَٱلإِنسِ لَهُم قُلُوب لَّا يَفقَهُونَ بِهَا وَلَهُم أَعيُن لَّا يُبصِرُونَ بِهَا وَلَهُم ءَاذَان لَّا يَسمَعُونَ بِهَا أُوْلَٰئِكَ كَٱلأَنعَٰمِ بَل هُم أَضَلُّ﴾ (الأعراف: ١٧٩).
والأشد غرابة من ذلك كله.. أن ينخدع بهذا كله المظلومون، ويتحمس له المستعبدون المقهورون، وكم رأينا من ابناء جلدتنا من يسبح بفضل هؤلاء، ومن يواليهم ويفاصل إخوته وقومه وابناء ملته، بل يبيعهم ويحرض عليهم ويفرح لمصابهم، أليس هذا من الكوارث النفسية ومن أعمق وأشد أنواع الكذب والأمر بالسوء، وصدق الله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعمَى ٱلأَبصَٰرُ وَلَٰكِن تَعمَى ٱلقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ﴾ (الحج:٤٦).
وهناك اليوم نفوس لوامة: تنخدع مرات ومرات، وتتورط في أعمال وأقوال، ولكنها لا تستسلم أو تنهار وتفكر وتفكر، ثم ترجع وتحاسب النفس وتصغى إلى وحي الضمير، فتطرد خطوات الشياطين وسحر الأبالسة بانتفاضة حرة، وإفاقة واعية، وهذه النفوس لا يزال الخير كامنًا فيها والإيمان مستقرأ في شعبها وأقطارها، وصدق الله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُم طَٰئِف مِّنَ ٱلشَّيطَٰنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبصِرُونَ﴾ (الأعراف:201) وهؤلاء على الطريق ويحتاجون إلى شيء من التثبيت والتذكير بالهوية وبالله سبحانه، حتى تخلص النفس وتقوى العزيمة وهذا ولاشك يحتاج إلى جهاد وتدريب على التقوى وصدق الله: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجعَل لَّهُۥ مَخرَجا﴾ (الطلاق:٢)، ﴿إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجعَل لَّكُم فُرقَانا﴾ (الأنفال:٢9)، وتعدي العقبات دائمًا يؤدي إلى الثقة بالنفس وقوة العزيمة والفوز في نهاية الطريق، قال -r-: «إن الشيطان قعد لابن آدم طريق، فقعد له بطريق الإسلام فقال: أتسلم وتترك دينك ودين أباءك فعصاه وأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: اتهاجر اتدع أرضك وسماءك، فعصاه وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: أتجاهد وهو تلف النفس والمال، فتقاتل فتقتل، فتنكح نساؤك ويقسم مالك، فعصاه وجاهد» (تفسير القرطبي) وقال -r-: «فمن فعل ذلك فمات كان حقًا على الله أن يدخله الجنة» (الألباني، صحيح الترغيب).
تلك مدرسة الجهاد للنفس والهوى والآثام ومغالبة الأبالسة، وما أحوجنا في هذه الأيام إلى إحياء تلك المدرسة لتكسب الأمة هذه النفوس الخيرة، فتساعدها على النهوض والخلوص من براثن الشياطين والأبالسة، التي تحاول اليوم أن تكون زخمًا وتحدث طنينًا يغطي على الحق ويطغى على صوت الضمير، ويفتك بكتيبة الله وحزبه.
وهناك نفوس مطمئنة: شرح الله صدورها وأنار بصائرها وهداها الطريق المستقيم، صدقت في جهادها، ورشدت في عزمها، وقويت في إيمانها، فالتحمت بالهداية، وارتشفت من نبعها الصافي، وتزودت بزاد التقوى والطهر والعفاف فسطع ذلك على جبينها، ولمع في عقلها، وظهر في تفكيرها وأفعالها وصدق الله: ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهدِيَنَّهُم سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلمُحسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69)، ﴿أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدرَهُۥ لِلإِسلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُور مِّن رَّبِّهِ﴾ (الزمر:٢٢)، فلنفسها الصافية وروحها الواثقة المطمئنة الطاهرة، صار لها فراسة صائبة، وعقل لماح، ونور كاشف لا ينخدع بالأباطيل ولا الأراجيف لأنه وكما يقول الأثر: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله عز وجل».
وهذا الصنف اليوم قد اطمأن إلى طريقه واستقر على هدفه، وقد أخذ اليوم -بثقة كبيرة- يدعو النفوس الأمارة بالسوء إلى الرجوع عن الباطل، ويوضح لها الطريق، ويكشف أمامها الحقائق ويبصرها الجادة ويزيل عن قلوبها الران، وأخذ يثبت ويؤاخي النفوس اللوامة ويكون لها خلة من الهداة، ويضمها إلى الكتيبة المطمئنة حتى يكثر الرجال، ويصبح للصادقين نور يكشف الظلام، ويطلع الإصباح، وهذا الصنف هو الذي يتحمل اليوم الكثير من الإعنات والتضحيات، ويتعرض لألوان وأصناف من القهر لأن هذا الصنف هو أمل الأمة التي تبنى عليه الصروح، وتسود به المبادئ، ولكنه يتحمل كل شيء بصبر عجيب، وعزم حديد، لأنه ذو نفس مطمئنة ولأنه صخرة ستتكسر عليها سهام الباطل إن شاء الله.. إن شاء الله.. إن شاء الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل