; الحلقة الثالثة المَرأة المسلمةَ الدَاعِيَة أول الطريق | مجلة المجتمع

العنوان الحلقة الثالثة المَرأة المسلمةَ الدَاعِيَة أول الطريق

الكاتب محمد حسن بريغش

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1976

مشاهدات 90

نشر في العدد 319

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 05-أكتوبر-1976

لم يكن الوصف السابق لواقع المرأة المسلمة كافيًا للرد على الأسئلة التي طرحناها ولكننا نأمل أن تكون الموضوعات المتتالية قادرة على ذلك بتكاملها وتسلسلها، وإذا كان هذا الوصف مغرقًا في التشاؤم -لدى النظرة الأولى- ولكنه في الوقت نفسه -أقرب ما يكون إلى الواقع- لأن التماس الجرح وتشخيص المرض أدعى إلى الشفاء ومعرفة الطريق الصحيح.

وأحرى بدعاة الإسلام أن يتعرفوا على الواقع قبل أن تلجئهم الضرورة إلى التخبط في وضع الحلول المرتجلة والتماس العاجل منها - أو البكاء على الماضي والتأسف على فوات الأوان.

ولا تهمنا الكثرة والأعداد، ولا تعزينا المظاهر والقشور، لأنها لا تدل على الحقائق الثابتة ولا تعين على السير في الطريق الصحيح.

من هذا كله نرى أن المرأة المسلمة تقف في وضع متخلف عن دورها الحقيقي في هذا المجتمع، لأننا نفترض أن تكون للرجل الداعية شقه الآخر تمارس الدعوة سلوكًا وعملًا وجهادًا وتقف معه على ثغر يناسب طبيعتها ويحقق هدف الدعوة أيضًا. ولكن هذا الأمر لم يكن.

ومع أن الرجل الداعية ما زال بعيدًا عن الصورة المطلوبة، مقصرًا متخلفًا أيضًا، فإنه قد تقدم عن المرأة أشواطًا بعيدة، حتى باتت تفصله عنها -أحيانًا- هوة عميقة يصعب عليهما اجتيازها. لذلك فإن المشاكل المتعددة تنشأ من هذا الاختلاف في الإعداد والمستوى وفهم الواجب.

والمرأة بحاجة إلى إعداد مدروس لكي تنهض بالأعباء الملقاة عليها، قبل أن يطلب منها ما هو أكبر من إمكانياتها الحاضرة.

وهي لا تزال مهملة - حتى اليوم في الوقت الذي نشهد فيه ألوان النشاط وصورًا من التركيز للمرأة الجاهلية لتلعب دورًا خطيرًا لا يستطيعه الرجل بالذات.

وقد أحاط الجاهليون المرأة بكثير من الاهتمام والرعاية، بطريقتهم المثيرة واستغلوا كل طاقاتها لتحقيق أغراضهم.

ولا أريد بذلك زج المرأة المسلمة في الأتون الفاجر الذي يشترك فيه غيرها من نسوة العصر -وإنما أريد أن تبدأ في إعداد نفسها لتتمكن من الصمود- أولًا- في معركة الإغراءات العصرية- وافتراءات الفلسفات الحديثة، ثم لكي تمتلك القدرة للرد على كل هذا بثبات ووعي وحمل مهمة الدعوة بين بنات عصرها وفي نفوس الجيل القادم.

وفي سبيل هذا الهدف لا بد من تهيئة الوسائل الكفيلة بالوصول إلى هذه المرحلة، وتهيئة الظروف المناسبة لبناء الشخصية الجدة للمرأة المسلمة الواعية.

مرحلتان:

وفي سبيل إعداد المرأة المسلمة الدعوة المنهجية الهادفة، بغية القيام بدورها في المجتمع لا بد لنا من الفصل بين مرحلتين بارزتين في حياتها:

١ - مرحلة ما قبل الزواج 

٢- مرحلة ما بعد الزواج 

ففي المرحلة الأولى تقضي الفتاة أخصب سنوات عمرها التي تتيح لها أخذ الصورة الواقعية عن الحياة التي تريد أن تمارسها، والفكرة التي تحملها، وهي الفترة التي تتيح لها الدراسة والاطلاع، وإعداد نفسها لحمل المسؤولية.

في هذه المرحلة يكون لديها تطلع وتنبه وأمل، وعندها من الطاقة والحيوية ما يمكنها من تمثل كثير من الأشياء والأفكار، واقتباس نماذج من الحياة ذاتها. ولهذا تحتاج إلى الرعاية آنذاك - الرعاية الواعية، والتربية الصحيحة المنهجية لترسيخ مفهوم العقيدة بشكل واضح جلي -وهنا ندرك خطورة البيت- ونتساءل عن الدور الواجب علينا إزاء هذه المهمة.

إن أطفالنا: من البنين والبنات يتركون بلا رعاية صحيحة، لأننا في بيوتنا نختلف كثيرًا عنا في مجتمعنا، في بيوتنا لا نرعى حق الله الرعاية الحقيقية، ولا نهتم بواجباتنا اهتمامًا جديًا، بل قد نمارس شتى التصرفات التي لا ندرك عاقبتها عند أطفالنا -ثم نتباكى في الغد لمصير أولادنا المنحرفين، وشذوذ بعضهم عن جادة الصواب.

إنني أرى في بيوتنا عجبًا، في الوقت الذي ندعى فيه أننا أبناء دعوة وحملة رسالة وأننا مجاهدون في سبيل الله بالكلمة الحسنة، والقدوة الطيبة، والجهر بالحق، واستنكار الباطل، والدعوة إلى الله.

في بيوتنا لا نراعي مشاعر الزوجة ولا نتنبه إلى الطفل الذي ينظر بفطرته: بعيونه وسمعه وإحساسه ويصغي لما نقول، ويتنبه لما نفعل، فيسمع منا ما لا ينبغي أن يسمع، ويرى منا ألوان الغضب والظلم أحيانًا، ويتلقى تربية لا تتفق مع إسلامنا، ثم نتمنى أن يكون الأبناء دعاة، والبنات داعيات مسلمات، فكيف بالله يكون ذلك؟ 

من منا جعل لبيته شيئًا من وقته لا ليرفه الزوجة المسكينة - ويخفف من أعباء الحياة وقساوتها على الأطفال الصغار، وإنما ليعيش مع بيته حياة إيمانية صحيحة، يتدارسون القرآن في جو الألفة والمحبة والعطف والمسؤولية، ويتفهمون الإسلام، ويتعلمون آداب الشريعة السمحة؟ 

من منا وضع نصب عينيه أن يكون الزوج القدوة - والأب القدوة، والأخ القدوة حتى يرى زوجته تطمئن وتستريح وتنصاع للحق لأنها وجدت مثلًا لها ينصاع للحق، ويرى الطفل يمارس شعائر الإسلام، ويتدرج في فهم واجباته نحو ربه ومجتمعه لأنه آمن بذلك لا عن طريق الأمر والنهي وإنما عن طريق الأسوة الحسنة والقدوة الصالحة؟ 

لا أظن ذلك قائمًا إلا في النادر، ولعل الطيبين يظنون أن أقصى ما عليهم أن يفسحوا من وقتهم قسطًا لترفيه الزوجة، وإسعاد الأطفال في رحلة أو نزهة، أو عطلة أو غير ذلك رغم ما في ذلك من الأخطار والشبهات.

إن الحياة الإسلامية في بيوتنا ضرورية ضرورة الإسلام ذاته لنا في كل شأن، وأن ممارستها تخفف عنا وعن أسرنا أعباء كثيرة من الحياة لأن أطفالنا وزوجاتنا يحسون دومًا أن بينهم وبين الحياة هوة يحاولون ردمها والسبب في ذلك بعدنا عن الحياة الإسلامية.

فهم بعيدون عن ممارسة هذه الحياة، بعيدون عن الشعور بأنهم مسؤولون مثلنا عن حمل أعباء الدعوة لأننا -نحن- مقصرون في نقلهم إلى هذه الحياة بالممارسة الواعية، بالسلوك العملي، بالقدوة الصالحة بالمدارسة الطيبة كما كان يفعل صحابة رسول الله -صلوات الله عليهم - اقتداء به عليه السلام، مع زوجاتهم وأبنائهم.

ونتيجة لغياب هذا الدور المهم يبقى الأطفال والنساء وهم ينظرون إلى المجتمع بكل ما فيه من: عادات وتقاليد ووسائل، وإغراءات، وجديد ويتطلعون للأخذ منه بقسط كبير أو صغير، بل ويشعرون دومًا بالظلم والحرمان لأنهم لا يتفسحون كما يتفسح بقية الناس. ولا يقتنون من الجديد ما يقتني بقية الناس.

إن هذا الكلف بالحياة الواقعية ناتج عن التأثر بالجاهلية ذاتها، نتج عن الانفعال بها والخضوع لقوانينها وأذواقها، وتفكيرها، ولهذا تكون مطالبهم موافقة لأساليبها.

والسبب هو التقصير الذي وقعنا به إننا مقصرون حقًا تجاه أسرنا لأن الأسرة هي الدعامة الحقيقية لمجتمع مسلم، وما لم تقم أسرة مسلمة حقًا، أسرة يشعر طفلها بمسؤوليته تجاه الإسلام، وتشعر المرأة بمسؤوليتها أيضًا كما يشعر الرجل ذاته فإن هذه الأسرة ستكون مزعزعة، ولسوف يبدو تأثير الخلل على الرجل والمرأة معًا مهما امتلكا من القدرات الخاصة، فضلًا عن الآثار التي تلحق الأبناء وتفسد عليهم طريق المستقبل المستقيم.

إن سد الخلل في الأسرة مهمة عاجلة، لأن الجاهلية التي استطاعت أن تصل إلى حصوننا ذاتها لا بد أن تزعزع فينا الثقة، وتضعف في نفوسنا العزيمة، وأي خطر أكبر من الخطر الذي يجثم في كياننا ذاته. ولن يكون القضاء على ذلك الخطر إلا بالوعي الصحيح، وانتهاج سبيل قويم داخل الأسرة، مع الزوج والولد، في المأكل والمشرب والملبس، في الكلمة والإشارة، والمعاملة، مع انتهاج أسلوب المدارسة المنهجية المناسبة لكي نشعرهم بالتحدي الذي يواجههم كما يواجهنا ولكي يكونوا معنا حقًا في السراء والضراء النزاعات، ونوفر على أنفسنا جهد التصدي للغزو الجاهلي إذ تقف الزوجة حارسة لأطفالها ونفسها في مشاعرهم وتفكيرهم وسلوكهم من أخطار الجاهلية.

بل وتكون هي ذاتها داعية لهم، مربية -حقيقية- لدعاة مجاهدين يخرجون للمجتمع وهم متسلحون بالصفاء الفطري أولًا، بالاطمئنان بالإيمان الواعي، وبالخلو من العقد المختلفة، فيثمر النتاج وتتفرع الأسرة أسرًا مؤمنة بإذن الله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

151

الثلاثاء 07-أبريل-1970

بريد الأسرة 4

نشر في العدد 8

501

الثلاثاء 05-مايو-1970

الاحتشام سر الجمال