العنوان الفصل الأخير لشركات توظيف الأموال
الكاتب بدر محمد بدر
تاريخ النشر الأحد 09-فبراير-1992
مشاهدات 57
نشر في العدد 988
نشر في الصفحة 24
الأحد 09-فبراير-1992
رسالة القاهرة
في الساحة
المصرية
لم ينته بعد
الفصل الأخير من مأساة شركات توظيف الأموال بالرغم من إعلان النتائج النهائية
للامتحان العسير، والتي أكدت بأنه «لم ينجح أحد» في توفيق أوضاعه طبق القانون، أو
حتى في التصفية في الموعد الذي حددته هيئة سوق المال، ومازالت مئات الملايين من
الجنيهات من أموال المودعين في هذه الشركات لا أحد يعرف متى وكيف يحصلون عليها أو
حتى على نسبتها، أم أنها ضاعت وألقي بها في الريح في مكان سحيق غير مأسوف عليها!
الإجابة على هذا
التساؤل تحمل أهمية قصوى، فهذه الشركات التي امتدت وانتشرت انتشارًا سريعًا في طول
البلاد وعرضها، وجمعت هذه المليارات من ملايين الناس، تمثل مشكلة حقيقية لهذه
الملايين التي وضعت حبات عرقها، وشقاء عمرها، وأحلامها دونما تقدير لما يمكن أن
تتعرض له من أزمات بسبب هذه الشركات وعدم حصولهم على أموالهم في الوقت الذي يريدون..
المشكلة الرئيسية هي ماذا فعل هؤلاء الناس في أموالهم، وما تبقى منها، ومتى يحدث
ذلك؟!
لقد فشلت الشركات
الكبرى (الريان، والشريف، والهدى مصر، والحجاز، والسعد، وبدر للاستثمار) في توفيق
أوضاعها طبقًا لأحكام قانون تلقي الأموال الذي صدر في يونيو ۱۹۸۸، وكانت النهاية إعلان التحفظ على أصول
وممتلكات شركات السعد الثلاث التي سمحت لها الحكومة بتوفيق أوضاعها، بل وتلقي
أموال جديدة من المودعين، والتي كانت- من الناحية الفنية والمالية- أكثر استقرارًا
من غيرها من الشركات، ولم يبق إلا شركة الشريف التي تعاني هي الأخرى من نقص
السيولة المادية، وتوقف صرف إيداعات المودعين، وبالتالي معرضة لتحويلها إلى محكمة
القيم والمدعي الاشتراكي ووضعها تحت التحفظ.
وإذا كنا لا نملك
أن تقدم للمودعين إجابة محددة وشافية عن سؤالهم الوحيد والملح، فليس هذا في
مقدورنا، إلا إننا سنحاول أن نستعرض أبعاد الأزمة وتفاصيل المشكلة منذ بدأت هذه
الشركات في الظهور والانتشار الواسع في أوائل الثمانينيات.
دافع ديني أم اقتصادي؟!
لقد نجحت هذه
الشركات في استثمار المد الإسلامي والعاطفة الدينية لدى الشعب المصري، وفي القناعة
بأن هدفها أن تقدم «ربحًا حلالًا» من خلال نظام المرابحة الإسلامي، كما استفادت من
عجز الأوعية الادخارية الحكومية عن استيعاب أموال المصريين العاملين بالخارج،
والتي لم تكن تجد إلا البنوك الحكومية «الربوية»، وهو ما دفع الناس إلى التعاون مع
بعض الشركات، بالإضافة إلى الدافع الديني كان هناك الدافع الاقتصادي، حيث نجحت هذه
الشركات في جذب الأموال من غير الباحثين عن الربح الحلال يقدر بحثهم عن الربح
الأكبر، فقدمت شركات توظيف الأموال أرباحًا سنوية أو شهرية وصلت إلى أكثر من 40%
سنويًا، في الوقت الذي لم تقدم فيه البنوك الربوية أكثر من 12%، حتى إن كثيرين من
المستثمرين وضعوا أموالهم فيها، واستراحوا للعائد الذي يأخذونه بدون مخاطرة، ونتج
عن هذه مشكلة للبنوك وبالتالي للحكومة؛ حيث تم سحب نسبة كبيرة من الأرصدة في
البنوك وحسابات العملاء، وتم إيداعها في هذه الشركات، وبالتالي حدث نقص في
السيولة، وفي تغطية مشروعات البنوك والصفقات الاستيرادية للحكومة، وبرزت الحاجة
لاتخاذ موقف من هذه الشركات.
البعد الداخلي
لأزمة شركات توظيف الأموال هو عدم خبرة القائمين عليها- في غالبهم- بمجال الإدارة
والاقتصاد والاستثمار، فشركة الريان مثلًا، وهي التي جمعت أكثر من ألف مليون جنيه،
كان يديرها ثلاثة أشقاء أحدهم مهندس زراعي، والثاني طبيب بيطري، والثالث يحمل
دبلوما فنيًا متوسطًا، وبالرغم من ذلك دخلت الشركة في كافة فروع الاستثمار دون
خبرة إدارية أو فنية، تواجه مئات الآلاف من الجنيهات التي تتدفق على الشركة
يوميًا، وكانت تعطي أعلى عائد للأرباح السنوية، فتكالب الناس على إيداع أموالهم
فيها، حتى إن الصحف عندما ذكرت خسارة شركة الريان لمبلغ ٢٥٠ مليون جنيه في
البورصة، وتسارع الناس لسحب أموالهم منها، هددتهم الشركة بأن من يسحب أمواله منها
فلن تقبل إعادتها إليها لاستثمارها مرة أخرى، وهو ما دفع الغالبية للتراجع عن سحب
أموالهم خوفًا من أن ترفض الشركة قبول إيداعاتهم لديها!
وحتى قبل صدور
قانون تلقي الأموال مباشرة، لم تكن هناك مشكلة في أن يحصل أي من المودعين على
أمواله، وبالحجم الذي يريد من أي شركة، وذلك لأن عمليات الإيداع كانت دائمًا أكبر
من عمليات السحب، فعندما أوقف القانون تلقي الأموال إلا بعد ضوابط حددها ظهرت
المشكلة؛ لأنه لم تعد هناك إيداعات.
أرباح وهمية
مشكلة أخرى ظهرت
نتيجة لهذه الأوضاع ولخبرة سوق التوظيف؛ حيث بدأت معظم الشركات في صرف أرباح غير
حقيقية لجذب مزيد من المودعين، فلم تكن لدى الغالبية من الشركات أو كلها ميزانيات
سنوية أو خطط مستقبلية على أساس اقتصادي سليم، ونتج عن ذلك استهلاك الأصول، وسحب
المودعين الأرباح من أموالهم الأصلية، دون التأكد من تحقيق عائد اقتصادي حقيقي،
بالرغم من- كما يقول خبير الاقتصاد الإسلامي الأستاذ يوسف كمال- أن حالة التضخم
وانخفاض قيمة العملة سنويًا، يزيد من قيمة الأصول بنسبة تزيد على العشرين بالمائة
سنويًا، هو ما يعني أنه في حالة التوقف عن العمل فالمفروض أن يحصل المودع على ما
يعادل 20٪ سنويًّا نتيجة لانخفاض قيمة العملة، وارتفاع نسبة التضخم لانخفاض في
مصر، يقول الأستاذ يوسف كمال: إن هذه الشركات لم تقم على أساس اقتصادي سليم،
وبالتالي كان من المؤكد أن تنفجر وتتحطم، ولو تركتها الحكومة لانفجرت من الداخل.
مشكلة ثالثة
تتعلق بالوضع العام في مصر، فهذه الشركات بدأت وسط جو لا يشجع على النمو من
الناحية القانونية والإدارية، فالتشريعات القائمة تنبع من المفاهيم الاشتراكية،
والقطاع العام وسيطرة الدولة على أدوات الإنتاج، والجانب الإداري- كما هو معروف في
الأنظمة الشمولية والاشتراكية- هو أسوأ صورة للبيروقراطية والتعقيد، ولكي يمكنك
إنجاز عمل أو خدمة عليك بالبحث عن المفاتيح التي تيسر لك الأمر، وقد سلكت بعض هذه
الشركات سبيل البحث عن المفاتيح حتى تيسر لها العمل، وبالتالي حدثت هزة في البنيان
الإداري والاجتماعي في الدولة، بعد أن عينت بعض الشركات رؤساء وزارات ووزراء
وقيادات الجيش والشرطة، بل وحصل بعض وكلاء الوزارات على إجازات بدون مرتب للعمل مع
هذه الشركات التي كانت تعطي رواتب خيالية، ولا يقف أمامها أي مشكل!
قانون أغلق المنافذ
أما الحكومة فقد
تركت هذه الشركات تنمو وتنتشر، وتتلقى الملايين يوميًا من المودعين دون ضوابط
قانونية؛ حتى إذا اتخذت سبيل العلاج بإصدارها قانون تلقي الأموال في 8/6/1988،
أغلقت به جميع المنافذ أمام هذه الشركات في إمكانية العمل مرة أخرى، أو حتى تصفية
أوضاعها بصورة ميسرة، ودخلت الشركات في دوامة عدم قدرتها على الاستمرار وتوفيق
الأوضاع وفقا لأحكام القانون، وعدم قدرتها على رد جميع أموال المودعين خلال سنوات
ثلاث هي الحد الأقصى لإنهاء مشكلة المودعين، خصوصًا في ظل الركود الاقتصادي الشديد
في مصر والعالم، وعدم توافر سيولة مالية لتسديد أموال المودعين؛ حتى إن شركة
الشريف للاستثمارات- ورأس مالها يزيد على الألف مليون جنيه- وجدت نفسها مطالبة برد
هذا المبلغ خلال أربع سنوات، أي بمعدل حوالي عشرين مليون جنيه شهريًا، في الوقت
الذي رفضت البنوك السماح لها يفتح اعتمادات استيرادية لشراء المواد الخام
لمصانعها، وبالتالي تشغيلها وبيع المنتجات، وتحقيق سيولة نقدية لرد الأموال، والحل
الآخر هو بيع الأصول، وهو ما دفع شركة الشريف للإعلان عن بيع مركزها الرئيسي في
القاهرة، وتقدمت سفارة العدو الصهيوني لشرائها فرفضت الشركة.. وفي ظل الأزمة
الاقتصادية وحرب الخليج، عجزت الشركات عن بيع الأصول كما عجزت عن تدبير الأموال
السائلة لرد الإيداعات، هنا تكمن المشكلة!
ولا يمكن تجاهل
الضغوط الخارجية التي طالبت بوضع حد لهذه الشركات، فالدكتور عبدالشكور شعلان- رئيس
قسم الشرق الأوسط بصندوق النقد الدولي- أعلن في تصريحات صحفية نشرت في القاهرة في
أعقاب صدور قانون تلقي الأموال، أن صندوق النقد الدولي طالب الحكومة مرارًا
بمواجهة هذه الشركات، وإيقاف نشاطها، وأن الحكومة تأخرت كثيرًا في الاستجابة لهذه
التوصية!
ما الحل إذن؟!
ويبقى السؤال
مطروحًا: هل هناك حل المشكلة المودعين في هذه الشركات، والذين يتحملون جزءًا من
المسؤولية عن أموالهم؟ الصورة العامة تؤكد أن الحكومة غير جادة في حل هذه المشكلة
في المدى القصير؛ فهناك أموال تحت يدها الآن، وباستطاعتها أن تسدد نسبة من
الإيداعات تصل في بعض الشركات إلى ٥٠٪، فلماذا ترفض؟ وخذ مثلًا الخبر الذي بالصفحة
الأولى من جريدة الأخبار في الأسبوع الماضي أن حصيلة إنتاج شركات الريان بلغ ٨٥
مليون جنيه نقدًا في ٤ أشهر، أي إنه في العام يصل إلى حوالي ٢٥٠ مليونًا، والنيابة
العامة تضع الشركات تحت سيطرتها منذ أكثر من ثلاث سنوات، فلماذا لم يتم التوصل بعد
لحل يمكن أن يعطي بعض الأموال للمودعين في هذه الشركات في استرداد أموالهم، ثم
يقولون لها بعد ذلك «توبة».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل