; المؤتمر القبطي في ظلال الاستعمار الإنجليزي | مجلة المجتمع

العنوان المؤتمر القبطي في ظلال الاستعمار الإنجليزي

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 02-يناير-2010

مشاهدات 63

نشر في العدد 1883

نشر في الصفحة 36

السبت 02-يناير-2010

هذا بلاغ للناس (3)

الفتنة الطائفية متى.. وكيف.. ولماذا؟

  • الأقلية الأرثوذكسية أيدت الاحتلال الإنجليزي لمصر واستهدفت سلخها من العروبة والإسلام واستخلاصها للأقباط المسيحيين
  • قساوسة أوروبا استنجدوا بالدولة الإنجليزية لدعم الأقلية المسيحية ضد المسلمة في مصر
  • الأقباط 5% من سكان مصر يملكون ٢٠ من ثرواتها ورغم ذلك يستغيثون بأوروبا المسيحية من ظلم المسلمين!
  • الأوقاف الإسلامية أنفقت على تعليم أقباط مصر.. والتسامح معهم لم يعهد له نظير في الأرض

وبعد احتلال الإنجليز لمصر «١٢٩٩هـ- ١٨٨٢م» كانت «الحطة الثانية» للغواية الاستعمارية للأقلية الأرثوذكسية القبطية، التي حاولت بعث مشروع المعلم «يعقوب حنا»، مشروع: سلخ مصر عن العروبة والإسلام.. واستخلاصها للأقباط المسيحيين!

لقد اجتمعوا على تأييد الاحتلال الإنجليزي: والاستعانة به والاستنجاد بأوروبا المسيحية لإحداث هذا الانقلاب على الإسلام والمسلمين.

وبعد مقتل بطرس غالي باشا «١٨٤٦- ١٩١٠ م» -الذي كان يسعى إلى تحقيق ذلك الهدف بالتدرج الناعم!- عقدوا المؤتمر القبطي في أسيوط ٤ مارس ١٩١١م لاستعجال تحقيق هذا الانقلاب.

ولإدراك هذه الحقيقة.. والمقاصد الحقيقية لهذا المؤتمر، علينا أن نقرا ما كتبه أعظم علماء الأمة وعيا بحقيقة حركات «الإحياء القومي»: اليهودية.. والمسيحية، في الشرق الإسلامي.. وهو الإمام الشيخ محمد رشيد رضا «١٢٨٢- ١٣٥٤هـ/ ١٨٦٥-١٩٣٥م)، الذي نبه إلى أخطار حركة الإحياء اليهودية الصهيونية سنة ١٩١٠م، وتحالفها مع الاستعمار الغربي -قبل غيره- وربما دون غيره- من العلماء والمفكرين والساسة في تلك الفترة (1).

ونبه إلى أخطار حركة الإحياء القبطية سنة ١٩١١م فكتب -بمناسبة انعقاد المؤتمر

القبطي- الذي استهان بخطره كثير من الكتاب، كتب يقول:

«إنهم يتحدثون عما يسمونه المسألة القبطية في مصر.. بل والثورة القبطية! ويريدون ألا يذكر اسم الإسلام والإسلامية في أمور الحكومة ولا غيرها من المصالح العامة؛ وإنما عن الوطنية والمصرية.

إن القبط يعملون كل شيء للقبط، باسم القبط، ويعبرون عن أنفسهم بالأمة القبطية، ويسمون البلاد المصرية بلادهم وبلاد آبائهم وأجدادهم.. ويطلبون ما يطلبون من المناصب والأعمال في الحكومة للقبط باسم القبط على أنها حق للقبط.

والمشهور أن نسبة القبط إلى المسلمين في هذا القطر هي نسبة من خمسة إلى ستة في المائة.. وهم يمتلكون ثلاثين في المائة من ثروة البلاد.. ومعظم أعمال الحكومة المصرية ومصالحها في أيدي القبط.. وهذا هو الذي أطمع القبط في جعل حكومة مصر قبطية محضة في يوم من الأيام.

ولقد أجمع القبط على تأييد الاحتلال.. وألفوا مؤتمرًا قبطيًا عامًا في أسيوط التي سماها بعضهم «عاصمة القبط».

ويقول القبط: إن لنا من الحقوق في هذه الحكومة ما ليس لغيرنا، لأننا سكان البلاد الأصليون، ويجيبهم المسلمون على هذا بأربعة أجوبة:

١ - إننا لا نسلم أنكم سكان البلاد الأصليون.. وقد صرح المسلمون بهذا، وأيدوه بأقوال مؤرخي الإفرنج.

٢ - إذا سلمنا أنكم من سلالة قدماء المصريين، فإن لنا أن نتبع فيكم سنة أرقى الحكومات المسيحية علمًا وعدلًا وحرية في سكان بلادها الأصليين، وهي حكومة الولايات المتحدة، فهل ترضون أن تكون حقوقكم في هذه البلاد كحقوق هنود أمريكا في حكومتها الآن، وهم أهلها الأصلاء من غير خلاف؟

٣ - إنكم تقولون: إن أكثر مسلمي هذه البلاد منكم، وأقلهم من العرب والترك والشركس، فلا مزية لكم في هذا النسب الشريف على جمهور المصريين المسلمين، ولهم المزية عليكم بكثرتهم، وكون الحاكم العام من أهل دينهم، وذلك سبب للترجيح متبع في الحكومات المسيحية.

٤ - إن طول زمن الإقامة في بلد لا يقتضي التفضيل في الحقوق، وقصره لا يقتضي الحرمان من شيء منها متى كان القوم الذين طالت مدتهم أو قصرت من أهل البلاد المقيمين فيها الخاضعين لشريعتها وقوانينها.

لقد كان بنو إسرائيل د خلاء في مصر، وفضلهم الله تعالى في كتبه على آل فرعون، ثم فضل الله العرب، واصطفاهم بإرسال رسول منهم مثلما اصطفى إخوتهم بني إسرائيل من قبلهم بإرسال رسول منهم -كما أشار إلى ذلك في سفر التثنية الاشتراع- فكيف تطالب حكومة مصر التي تدين لله تعالى، أن يميز الشعب المفضول في كتب الله على الشعب الفاضل، بل الشعبين الفاضلين!

إن النسب الفرعوني، الذي تدل به القبط غير مسلم لهم، وإذا سلم لهم جدلًا فهو لا يقتضي تفضيلهم على اليهود، بل اليهود أشرف منهم نسبًا؛ لأنهم ينتسبون إلى أنبياء الله تعالى، والقبط تنتسب إلى الفراعنة الوثنيين أعداء الله تعالى.

إن القبط شرذمة قليلة في أمة كبيرة، تأكل من ثمراتها زهاء ثلاثين في المائة، وهي زهاء خمسة أو ستة في المائة.

وتستنجد جرائد أوروبا وقسوسها ليلزموا الدولة الإنجليزية أن تنصر الفئة القليلة -لأنها مسيحية- على الفئة الكثيرة الإسلامية.. وفد وعدهم بعض القسيسين والسياسيين لينفذن لهم ذلك.

ولقد طفقوا يطعنون في جرائدهم طعنًا صريحًا في سلف المسلمين وخلفهم، ودينهم وآدابهم ولغتهم، وهم يريدون أن يثبوا على الوظائف الإدارية العالية كما وثبوا في القضاء، يريدون أن تترك الحكومة العمل في يوم الأحد. يريدون أن تدرس الديانة المسيحية في الكتاتيب والمدارس كلها.

إن المسيحية قد فصلت الحكومة من الدين، كما يقولون، وأمرت أن «يعطى ما لقيصر لقيصر، وما لله لله»، والإسلام ذو شريعة وسياسة، فما بال الذين يأمرهم دينهم بالخضوع لكل حاكم وإن كان وثنيًا كقيصر الروم في زمن المسيح -عليه السلام-، قد أصيبوا بهذا الشره في السياسة؟!

إنه لا يضر من يشارك المسلمين في الخضوع لشريعتهم إن كانوا يدينون الله بهذا الخضوع وهو لا يدين الله به، فإن حقوقه على المسلمين المكفولة بها تكون حينئذ مضمونة بقوة الحكومة في الظاهر وقوة الاعتقاد في النفس، وحقوقهم عليه لا تكون مضمونة إلا في الظاهر فقط، فالمسلم المتدين لا يأكل حق غيره وإن أمن عقاب الحكومة، وغير المسلم قد يأكل حق المسلم المحكوم به إذا أمن العقاب، لأن وجدانه لا يعارضه في ذلك إذا اعتقد أن الحكم لا يجب الخضوع له.

ولقد كان من مقاصد بطرس غالي باشا التمهيد لإلغاء الحاكم الشرعية، وجعل الحكم في الأمور الشخصية من خصائص الحاكم الأهلية؛ لأن طلبة الحقوق يتعلمون الفقه الإسلامي، فهو يريد أن يتعود المسلمون بالتدريج حكم لابسي الطرابيش في القضايا الشرعية، حتى لا يبقى للمسلمين في الحكومة المصرية شيء من المشخصات الملية.

ولقد أراد القبط ألا يذكر اسم الإسلام والإسلامية في أمور الحكومة ولا غيرها من المصالح العامة ليكون الانتقال من إسلامية إلى «مصرية مدرجة إلى الانتقال من «مصرية» إلى «قبطية».

أليس من الذل والهوان أن نرضى بالانتقال من الإسلامية إلى «مصرية» ليكون ذلك مدرجة إلى الانتقال من «مصرية» إلى «قبطية»!

مع أن في الجزر البريطانية كثير من الكاثوليك فان الحكومة لا تسمح لهم بـأن يلقنوا مذهبهم في مدارسها، بل المذهب الذي يدرس فيها هو مذهب البروتستانت الذي عليه ملك الإنجليز، وأكثر الشعب الإنجليزي، فهل تسمح هذه الحكومة الحرة بأن يدرس في مدارسها دين اليهود من رعاياها وهي لا تسمح بتدريس مذهب الكاثوليك من مدارس دينها؟!

ولا نشرح ما يشترط على ملك الإنجليز أن يقوله عند تتويجه من الطعن في الكاثوليكية والبراءة منها، ولا منع الحكومة الإنجليزية الكاثوليك من إظهار بعض شعائر مذهبهم في عيد الفصح أو غيره، وقس على ذلك سائر دول أوروبا.

لقد اشتهرت مصر بأنها بلاد العجائب، وحق لها أن تشتهر بذلك، فمسلموها يقفون أرضهم حتى على أديار القبط، وينفقون من ريع أوقافهم الخاصة على تعليم القبط، وحكومتهم تسمح للقبط بأن يعلموا دينهم في مدارسها، وهو ما لا نظير له في الحكومات الأوروبية التي تقتدي بها.

والقبط تشكو من ظلمهم، وتستغيث بأوروبا منهم، وتدل عليهم بنسبها، وتدعي أنها صاحبة البلاد، وأنها أجدر بحكمها.

 وفي هذه البلاد معاهد تديرها الحكومة، وينفق عليها من أوقاف المسلمين المحبوسة على تعليم أولادهم خاصة، والحكومة تقبل في هذه المعاهد أولاد القبط فتعلمهم على نفقة المسلمين، مخالفة في ذلك شرط الواقف لأجلهم، فهل تسمح القبط بإنفاق قرش واحد من أوقافها على تعليم مسلم؟!

إن أمر المسلمين في تسامحهم مع القبط وترجيحهم لهم على أنفسهم لغريب لم يعهد له نظير في الأرض:

وقف الخديوي الأسبق إسماعيل باشا واحدًا وعشرين ألف فدان على تعليم أولاد المسلمين، وهي الأرض التي تسمى «تفتيش الوادي»، ووقف جده من قبله ثلاثة آلاف فدان على تعليم أولاد القط، فكان عطاؤه للقط أكثر، لأنهم لا يبلغون ثمن المسلمين، فاستأثرت القبط بالوقف عليها، وشاركت المسلمين فيما وقف عليهم، ثم ترفع جرائدهم عقيرتها مستغيثة بأوروبا المسيحية من ظلم المسلمين لهم في التعليم!

ومن هذا القبيل مساعدة أوقاف المسلمين للجامعة المصرية بخمسة آلاف جنيه في كل سنة، وهي مفتحة الأبواب للقبط وغيرهم، وطلبتها من غير المسلمين لا يقل عددهم عن المسلمين.

لقد علمنا بالقياس المطرد المنعكس:

أن القبط- وهم شرذمة قليلة: من خمسة إلى ستة في المائة من السكان -والذين يملكون 30% من ثروة البلاد- لا يأخذون شيئًا إلا ويطلبون ما بعده، فلا يجاب طلب إلا ويعقبه طلب، ولا ينتهي أرب إلا إلى أرب، ولا يقنع هذه الفئة القليلة العدد، الكثيرة النشاط، الكبيرة الطمع، إلا أن يكون الحكم والنفوذ في هذه البلاد خالصا لهم من دون المسلمين (2)٠

تلك كانت «المحطة الثانية» من محطات الغواية الاستعمارية لقطاعات مؤثرة ومتنفذة من الأقلية القبطية الأرثوذكسية.. التي حلمت وسعت إلى سلخ مصر من العروبة والإسلام، والعودة بها إلى الماضي السحيق.. ليكون «الحكم والنفوذ في مصر خالصًا للقبط من دون المسلمين» كما قال الشيخ رشيد رضا، الذي كان أعمق وأوعى من صور هذه المحطة من محطات الغواية الاستعمارية لهذه الشرذمة القليلة، التي لم تقنع وهي 5% من السكان بامتلاك ٣٠% من ثروة البلاد!

- أما على جبهة الأقليات اليهودية: فلقد تفاعلت هذه الغواية الاستعمارية -التي أطلقها «بونابرت».. والتي رعتها إنجلترا.

- حتى أفضت إلى قيام الحركة الصهيونية الحديثة.. والوكالة اليهودية، «ووعد بلفور» سنة ١٩١٧م، وقيام الكيان الصهيوني على أرض فسطين. (3)

الهوامش

(١) انظر ذلك بكتابنا «من أعلام الإحياء الإسلامي»، ص ٥٠- ٦٠، طبعة القاهرة، مكتبة الشروق الدولية، سنة ٢٠٠٦.

(٢) رشيد رضا (المنار) ج٢ مجلد ١٤، ص ١٠٨ ١١٤، ١٥٩، ١٦٠- في ٣٠ صفر سنة ١٣٢٩هـ- أول مارس سنة ١٩١١م، و ج ٣، مجلد ١٤، ص ٢٠٢- ٢٢٦- في ربيع الأول سنة ١٣٢٩ه‍ـ أول مارس سنة ١٩١١م.

(٣) انظر في ذلك كتابنا: «في فقه الصراع على القدس وفلسطين» طبعة القاهرة، دار الشروق، سنة 2077م.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل