العنوان المجتمع التربوي (1426)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-2000
مشاهدات 79
نشر في العدد 1426
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 14-نوفمبر-2000
وقفة تربوية
غثاءُ السيلِ
روى الإمام أحمد بإسناد صحيح قول النبي ﷺ «يُوشِكُ أن تَدَاعَى عليكم الأممُ من كلِّ أُفُقٍ، كما تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها، قيل: يا رسولَ اللهِ! فمِن قِلَّةٍ يَوْمَئِذٍ؟ قال لا، ولكنكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيْلِ يُجْعَلُ الْوَهَنُ في قلوبِكم، ويُنْزَعُ الرُّعْبُ من قلوبِ عَدُوِّكم؛ لِحُبِّكُمُ الدنيا وكَرَاهِيَتِكُم الموتَ».
نبينا ﷺ في هذا الحديث يتنبأ بما سيحدث للأمة قبل ١٤ قرناً من الزمان، ويصف حالها وصفاً دقيقاً كإنه ينظر إليها من وراء الغيب فيما الصحابة يتساءلون باستغراب عما سيؤول إليه حال المسلمين، ويستبعدون أن يكون هناك سبب آخر بخلاف الكم العددي لهذا الاستضعاف الكبير من الآخرين للمسلمين، وتلك الغثائية التي هم عليها، لكن الرسول ﷺ يفاجئهم بقوله: «لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل».
وفي اللغة «الغثاء ما يحمله السيل من رغوة، ومن فئات الأشياء التي على وجه الأرض ومن معانيها النحافة والضعف، وفساد الشيء وفساد العقل ومالا خير فيه» وغثاء السيل وصف دقيق لحالنا، فقد أصبحنا من الضعف بمكان إلى درجة أن تتحكم فينا أمواج الأمم في كل مكان تعيث فينا ميمنة وميسرة، دون أن يكون لنا حول أو قوة أو جرأة على اتخاذ قرار بإنقاذ أنفسنا من هذا الوضع الذي وصلنا إليه.
إنها «الغثائية» التي أوصلنا أنفسنا إليها دون أن يرغمنا أحد عليها، والسبب الذي يذكره لنا رسولنا ﷺ هو« لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت هو السبب السليم لها فالدنيا لم يخلقها الله تعالى لكي نبغضها، ولكن الحب المشار إليه في الحديث هو الاهتمام الذي يطغى على المبادئ والقيم والأصول والمثل، فتباح كل هذه الأمور في سبيل تحصيل الدنيا وهنا يبدأ الضعف والغثائية، كذلك كراهية الموت، إذ لا يوجد مخلوق يحب الموت لكن الموت المقصود هنا هو كراهية الجهاد في سبيل الله، وكما قال ﷺ في حديث آخر: «ما ترك قوم الجهاد إلا تلوا».
أو ليس من العجيب- أن يتغلب نفر – قليل من اليهود في أمة يتجاوز تعدادها المليار مسلم؟ أليس هذا سبب الغثائية التي نعانيها؟
أبو خلاد
الحسبة: في فقه الأولويات الحركية
فتحي يكن
يشكّل هذا الموضوع أهمية كبرى وبالغة الخطورة بالنسبة للحركة الإسلامية المعاصرة
فعدم وضع عملية الحسبة في موضعها المحدد، وفق سلّم الأولويات الشرعية، يمكن أن يؤدي إلى وقوع مفاسد لا حدود لها على جميع المسارات التربوية والدعوية والاجتماعية والسياسية.
ليس هنالك من خلاف حول و«جوب» القيام بوظيفة الحسبة؛ حيث إنها صمام الأمان والإجراء الوقائي من كل ما يمكن أن يقع من عاديات وأمراض ومشكلات على مختلف الصعد إنما المشكلة هنا تبدو في ممارسة هذا الدور بعيداً عن منطق الأولويات.
إن قيام «أمير حركي» يجب الا يعني بالضرورة عصمته من الخطأ، وأن اجتهاده في مطلق الأحوال يقع ضمن قاعدة «من اجتهد فأخطأ فله أجر، ومن اجتهد فأصاب فله أجران».
إن من الأولويات المشروطة للحسبة بشكل عام أن يكون البدء بها من قبل من يباشرها مع نفسه قبل غيره مصداقاً لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [سورة المائدة: 105] وفي القول المأثور: «يأبن آدم عظ نفسك، فإن اتعظت فعظ الناس، وإلا فاستحي مني..».
وإن من الأولويات الدعوية، نصحاً وتحذيراً وإنذاراً أن تكون موجهة للأقربين قبل الأبعدين فالأقربون أولى ببذل الخير والنهي عن المنكر والشر، وصدق تعالى حيث يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ التوجيه﴾ [سورة التحريم: 6] وفي الرباني للداعية الأول تأكيد على هذه الأولوية من خلال قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [سورة الشعراء: 214].
ولقد تجلت هذه الأولوية في حياة الصحابة والسلف الصالح أجمعين.
وإذا أخذنا الخليفة عمر بن الخطاب كأنموذج فإنه «كان إذا نهى الناس عن شيء جمع أهله فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم كما ينظر الطير إلى اللحم، فإن وقعتم وقعواء وإن هستم هابوا، وإني والله لا أوتي برجل منكم وقع فيما نهيت الناس عنه إلا ضاعفت له العذاب لمكانه مني فمن شاء منكم فليتقدم ومن شاء فليتأخر» (ابن الجوزي:٢٠٦).
الحسبة القيادية
ومن خلال استعراض سريع الحركة الحسبة في التاريخ الإسلامي يتبين لنا أن الأولوية كانت تطال دائما المواقع المتقدمة فهي موجهة باستمرار للقائد قبل الجنود والمراعي قبل الرعية لأنه إن صلح الرأس صلحت الأعضاء، وصدق رسول ﷺ حيث يقول «صنفان من أمتي إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس: العلماء والأمراء».
المساءلة صمام أمان
يوم كانت الحسبة مسؤولية الجميع يمارسونها كحق من حقوق المواطنة الإسلامية، وكعين ساهرة على المصلحة الإسلامية العليا، نعمت الأمة بالأمن والأمان الداخلي وتوطدت العلاقة والثقة واللحمة بين الراعي والرعية.
ولو لم تكن المساحة والحسبة مسؤولية شرعية طبيعية يمارسها الجميع بدون أدنى حرج لما ذخرت كتب التاريخ بشواهد مضيئة في إطار المعارضة والنقد والمسالمة والحسبة.
ففي إطار الحض على التقويم والمحاسبة جاءت العبارة المضيئة «ولا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها».
وفي إطار تحذير ولي الأمر من الانحراف قال قائلهم للخليفة عمر بن الخطاب بعد قولة عمر بن الخطاب في خطبة تولي العهد «من رأى منكم فيَّ اعوجاجًا فليقومه بحد سيفه» قال: «والله لو ملت هكذا أو هكذا لملنا عليك بسيوفنا».
وحيال ما يمكن أن يعتبر انتهاكاً لحرمات الإسلام علمنا رسول الله أن نثور ونغضب فعن عائشة رضى الله عنها قالت: «ما انتقم رسول الله لنفسه في شيء قط، إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله» (رواه البخاري ومسلم).
وفي معرض الحسبة والتحذير من موقف يسخط الله تعلمنا من تاريخنا كيف كان الحق فوق كل اعتبار، فهذا أبو بكر الصديق يأخذ بتلابيب، عمر بن الخطاب وهو يصيح «جباراً في الجاهلية خواراً في الإسلام يا عمر والله لأقاتلنهم ما استمسك السيف بيدي يعني المرتدين».
ويوم عاد موسى عليه السلام من ميقات ربه. ووجد قومه وقد أضلهم السامري، أخذ بلحية اخيه هارون يعنفه على نحو ما جاء تصويره في كتاب الله تعالى حيث يقول: ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [سورة طه: 94].
وأخيراً... فإنه لابد للحركة الإسلامية من إحياء فريضة الحسبة في مناهجها التربوية وبرامجها الدعوية وسلوكياتها الحركية، على أن يكون كل ذلك وفق سلم الأولويات ودونما تفريط في حق من حقوق الله مع أحد كائناً ما كان موقعه فالله ليس بينه وبين أحد نسب إلا طاعته والناس أمام الله سواء، وإن أكرمهم عند الله أتقاهم.
هدي النبي ﷺ في شعبان
محمد صالح المنجد
شعبان مقدّمة لرمضان ويستحب فيه الصيام والصدقة وقراءة القرآن
شعبان هو اسم للشهر، وقد سمي بذلك لأن العرب كانوا يتشعبون فيه لطلب المياه، وقيل تشعبهم في الغارات، وقيل لأنه شَعب أي ظهر بين شهري رجب ورمضان، ويجمع عل شعبانات وشعابين.
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ حتَّى نَقُولَ: لا يُفْطِرُ، ويُفْطِرُ حتَّى نَقُولَ: لا يَصُومُ، فَما رَأَيْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إلَّا رَمَضَانَ، وما رَأَيْتُهُ أكْثَرَ صِيَامًا منه في شَعْبَانَ (رواه البخاري برقم ۱۸۳۳، ومسلم رقم ١٩٥٦). وفي رواية لمسلم برقم (١٩٥٧): كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا ليلاً، وقد رجح طائفة من العلماء منهم ابن المبارك وغيره أن النبي ﷺ لم يستكمل صيام شعبان، وإنما كان يصوم أكثره، ويشهد له ما في صحيح مسلم برقم (1954) عن عائشة رضي الله عنها، قالت: ما علمته - تعني النبي صلى الله عليه وسلم - صام شهراً كله إلا رمضان. وفي رواية له أيضا برقم (1955) عنها قالت: ما رأيته صام شهراً كاملاً منذ قدم المدينة إلا أن يكون رمضان.
وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: ما صام رسول الله ﷺ شهراً كاملاً غير رمضان. أخرجه البخاري رقم (1971) ومسلم رقم (1157)، وكان ابن عباس يكره أن يصوم شهراً كاملاً غير رمضان.
قال ابن حجر رحمه الله: كان صيامه في شعبان تطوعاً أكثر من صيامه فيما سواه وكان يصوم معظم شعبان.
وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، فقال: "ذاك شهر تغفل الناس فيه عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم." رواه النسائي، أنظر صحيح الترغيب والترهيب (ص 425). وفي رواية لأبي داود برقم (2076) قال: كان أحب الشهور إلى رسول الله ﷺ أن يصومه شعبان ثم يصله برمضان. صححه الألباني أنظر صحيح سنن أبي داوُد (2/461).
قال ابن رجب رحمه الله: صيام شعبان أفضل من صيام الأشهر الحرم، وأفضل التطوع ما كان قريب من رمضان قبله وبعده، وتكون منزلته من الصيام بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها وهي تكملة لنقص الفرائض، وكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده، فكما أن السنن الرواتب أفضل من التطوع المطلق بالصلاة فكذلك يكون صيام ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بَعُد عنه.
وقوله ﷺ: "شعبان شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان" يشير إلى أنه لما اكتنفه شهران عظيمان - الشهر الحرام وشهر الصيام - اشتغل الناس بهما عنه، فصار مغفولاً عنه، وكثير من الناس يظن أن صيام رجب أفضل من صيام شعبان لأن رجب شهر حرام، وليس كذلك.
وفي الحديث السابق إشارة إلى أن بعض ما يشتهر فضله من الأزمان أو الأماكن أو الأشخاص قد يكون غيره أفضل منه.
وفيه دليل على استحباب عِمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، كما كان طائفة من السلف يستحبون إحياء ما بين العشائين بالصلاة ويقولون هي ساعة غفلة، ومثل هذا استحباب ذكر الله تعالى في السوق لأنه ذكْر في موطن الغفلة بين أهل الغفلة، وفي إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد منها:
أن يكون أخفى للعمل وإخفاء النوافل وأسرارها أفضل لاسيما الصيام فإنه سر بين العبد وربه، ولهذا قيل إنه ليس فيه رياء، وكان بعض السلف يصوم سنين يصوم سنين عدداً لا يعلم به أحد، فكان يخرج من بيته إلى السوق ومعه رغيفان فيتصدق بهما ويصوم فيظن أهله أنه أكلهما ويظن أهل السوق أنه أكل في بيته.، وكان السلف يستحبون لمن صام أن يظهر ما يخفي به صيامه فعن ابن مسعود أنه قال: «إذا أصبحتم صياماً فأصبحوا مدَّهنين» وقال قتادة «يستحب للصائم أن يدهن حتى تذهب عنه غبرة الصيام».
وكذلك فإن العمل الصالح في أوقات الغفلة أشق على النفوس، ومن أسباب أفضلية الأعمال مشقتها على النفوس لأن العمل إذا كثر المشاركون فيه سهل، وإذا كثرت الغفلات شق ذلك على المتيقظين، وعند مسلم (رقم ٢٩٨٤) من حديث معقل بن يسار العبادة في الهرج كالهجرة إلى «أي العبادة في زمن الفتنة، لأن الناس يتبعون أهواءهم فيكون المتمسك يقوم بعمل شاق».
وقد اختلف أهل العلم في أسباب كثرة صيامه كله في شعبان على أقوال كالتالي:
1- أنه كان يشتغل عن صوم الثلاثة أيام من كل شهر لسفر أو غيره فتجتمع فيقضيها في شعبان وكان النبي ﷺ إذا عمل بناقلة أثبتها وإذا فاتته قضاها.
٢- وقيل إن نساءه كن يقضين ما عليهن من رمضان في شعبان فكان يصوم لذلك، وهذا عكس ما ورد عن عائشة أنها تؤخر قضاء رمضان إلى شعبان لشغلها مع رسول الله ﷺ عن الصوم.
3- وقيل لأنه شهر يغفل الناس عنه: وهذا هو الأرجح لحديث أسامة السالف الذكر والذي فيه ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان «رواه النسائي انظر صحيح الترغيب والترهيب ص ٤٢٥».
وكان إذا دخل شعبان وعليه بقية من صيام تطوع لم يصمه قضاه في شعبان حتى يستكمل نوافله بالصوم قبل دخول رمضان – كما كان إذا فاته سنن الصلاة أو قيام الليل قضاه، فكانت عائشة حينئذ تغتنم قضاءه لنوافله فتقضي ما عليها من فرض رمضان حينئذ لفطرها فيه بالحيض وكانت في غيره من الشهور مشتغلة بالنبي ﷺ، فيجب التنبه والتنبيه على أن من بقي عليه شيء من رمضان الماضي فيجب عليه صيامه قبل أن يدخل رمضان القادم ولا يجوز التأخير إلى ما بعد رمضان القادم إلا لضرورة («مثل العذر المستمر بين الرمضانين»، ومن قدر على القضاء قبل رمضان ولم يفعل فعليه مع القضاء بعده النوبة وإطعام مسكين عن كل يوم، وهو قول مالك والشافعي وأحمد.
وكذلك من فوائد صوم شعبان أن صيامه كالتمرين على صيام رمضان لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكلفة، بل يكون قد تمرن على الصيام واعتاده فيدخل رمضان بقوة ونشاط، ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان فإنه يكون فيه شيء مما يكون في رمضان من الصيام وقراءة القرآن والصدقة وقال سلمة بن سهيل كان يقال: شهر شعبان شهر القراء وكان حبيب بن أبي ثابت إذا دخل شعبان قال هذا شهر القراء وكان عمرو بن قيس الملائي إذا دخل شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القرآن.
كان رسول الله ﷺ المثل الأعلى في سمو الخلق وكرم الطباع وسماحة النفس ما إن يجلس إلى أعدى أعدائه وخصومه حتى يأسر قلوبهم بأخلاقه وسجاياه، ولقد سئلت عائشة – رضي الله عنها – عن أخلاقه فقالت: كان خلقه القرآن أي كان الصورة العملية لتعاليم القرآن ومثله السامية.
من أخلاق النبوة
الصبر وكظم الغـيظ والعفو عن الناس
عبد الله الخطيب
إن سمو هذه النفس من سمو هذه الرسالة، وإن عظمة هذه النفس من عظمة هذه الرسالة يقول صاحب الظلال والناظر في هذه الرسالة كالناظر في سيرة رسولها.
يجد العنصر الأخلاقي بارزاً أصيلاً فيها تقوم عليه أصولها التشريعية وأصولها التهذيبية على السواء، الدعوة الكبرى في هذه العقيدة إلى الطهارة والنظافة والأمانة والصدق والعدل والرحمة والبرِّ وحفظ العهد، ومطابقة القول للفعل، ومطابقتهما معاً للنية والضمير والنهي عن الجور والظلم والخداع والغش وأكل أموال الناس بالباطل، والاعتداء على الأعراض والحرمات، وإشاعة الفاحشة بأي صورة من الصور والتشريعات في هذه العقيدة لحماية هذه الأسس وصيانة العنصر الأخلاقي في الشعور والسلوك وفي أعماق الضمير وفي واقع المجتمع، وفي العلاقات الفردية والجماعية والدولية على السواء».
ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [سورة فصلت:34: 35]، هذه الآية تصور لنا لونا من التأديب الإلهي، فإن معالجة المشكلات والأحقاد والخصومات بالطرق الودية الحسنة تؤثر في الخصوم تأثيراً بالغاً، إذا لم يكن في طباعهم شذوذ عن المزاج الإنساني العام، ولكن المشكلة هي وجود القدرة على الصبر وكظم الغيظ، فليست هذه القدرة بمتوافرة في طباع البشر ولا شائعة في أخلاقهم، وإنما يتفرد بها الأفذاذ والعظماء في فترات متباعدة من التاريخ وما يلقاها إلا الذين صبروا ولعل إيراد الصبر هنا بصيغة الماضي بشير إلى أنه لا يكسب هذه الملكة إلا من سبق له التمرن على الصبر وضبط النفس وكظم الغيظ ومرت عليه في ذلك الحوادث والتجارب بحيث استطاع أن يكسب ملكة ضبط النفس في مثل هذه المواقف النفسية العصيبة تجاه الخصومات والمنازعات ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 35]، فإن كسب هذه الملكة النفسية النادرة يعتبر كنزاً خلقياً عظيماً، ويدل على أن صاحبه ذو شخصية قوية وإرادة حديدية وسيطرة على العواطف لا تغلب ولا يتأنى ظهور هذه المزية الخلقية عند شخص ما إلا إذا امتحنته الأقدار في خصومه فوضعتهم في يده وأمكنته من شفاء غيظه والانتقام لنفسه، فترفع بشخصيته عن ذلك وعفا وتسامح وعاملهم بالحسنى والصفح الجميل، وإنما كان حظه عظيماً، لأنه أولاً يحمل في نفسه هذه الموهبة الخلقية الفذة وثانياً لأنه من شأن من يتحلى بهذا الخلق أن يملك القلوب ويحل المشكلات، ويبلغ بحكمته وأناته وتلطفه ما لا يبلغه سواه بالجنود المجندة، والمكايد المسددة، والتضحيات الكثيرة والحديد والنار.
يجب أن تكون القاعدة الغالبة في حياتنا تحول الغضب إلى سكينة والانفعال إلى هدوء، والهياج إلى وداعة إن معالجة المشكلات ومقابلة الخصومات بالطرق الودية الحسنة تؤثر في الآخرين تأثيراً عظيماً، بل تغير موقفهم في غالب الأحيان وصدق الله العظيم ﴿الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [ سورة فصلت: 34]، ومن أخلاق رسولنا ﷺ أنه ما غضب لنفسه قط، وانتقم لها إلا أن تنتهك حرمة من حرمات الله ولذلك فإن المؤمن يصبر ويتسامح ويعفو في حالات الإساءة الشخصية لكن انتهاك حرمات الله والعدوان على العقيدة وفتنة المؤمنين عنها هذه الحالات يدفع عنها المؤمن لكن بالحكم وبالتي هي أحسن، وبالموعظة الحسنة التي تنب المعتدين إلى خطر ما أقدموا عليه أو بالصبر حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
نماذج واقعية
هذا هو ما يلوح من سر هذه الآية الكريمة لأول وهلة من التأمل والتفكير، وهذا هو معناه من الناحية النظرية، وأما معناها من الناحية العملية المشخصة، فهذا هو رسول الله ﷺ يجيئ إليه بقلائد من الذهب والفضة فيقسمها بين أصحابه، فيقوم رجل من أهل البادية فيقول: «يا محمد والله لئن أمرك الله أن تعدل فما أراك تعدل» فقال: «ويحك فمن يعدل عليك بعدي»، فلما ولى قال «ردوه عليَّ رويدًا».
وكان رسول الله ﷺ في حرب مع أعدائه فراوا من المسلمين غرة فجاء رجل حتى قام على رأس رسول الله ﷺ بالسيف فقال ما يمنعك مني فقال الله، فسقط السيف من يده، فأخذ رسول الله السيف. وقال من يمنعك مني؟ فقال كن خير أخذا قال «قل أشهد ألا إله إلا الله وأني رسول الله»، فقال لا، غير أني لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله فجاء أصحابه فقال: جئتكم من عند خير الناس!
ولما رجع المشركون من بدر إلى مكة وقد قتل صناديدهم وأشرافهم أقبل عمير بن وهب الجمحي حتى جلس إلى صفوان بن أمية في الحجر، فقال صفوان بن أمية قبح العيش بعد قتلى بدر، قال عمير بن وهب أجل والله ما في العيش بعدهم خير، ولولا دين على لا أجد له قضاء، وعيال لا ادع لهم شيئاً لرحلت إلى محمد حتى اقتله إن ملأت عيني منه، فإنه بلغني أنه يطوف في الأسواق، ففرح صفوان بقوله وقال يا أمية وهل تراك فاعلاً، قال أي ورب هذه البنية.
قال صفوان فعلي دينك وعيالك أسوة بعيالي فأنت تعلم أنه ليس بمكة رجل أشد توسعاً على عياله مني، قال عمير: قد عرفت ذلك يا أبا وهب.
فقال صفوان: فإن عيالك مع عيالي لا يسعني شيء ويعجز عنهم، ودينك علي، فحمل صفوان على بعيره وجهزه وأجرى على عياله مثلما يجري فشحذ على عيال نفسه، وأمر بسيف عمير وسم ثم خرج إلى المدينة وقال لصفوان: اكتم على أياما حتى أقدمها، وخرج فلم يذكره صفوان، وقدم عمير، فنزل على باب المسجد، وعقل راحلته وأخذ السيف فتقلده، ثم عمد نحو رسول الله ﷺ ، وعمر بن الخطاب في يتحدثون ويذكرون نعمة الله وعليه السيف ففزع عمر منه وقال لأصحابه دونكم الكلب هذا عمير بن وهب عدو الله الذي حرش بيننا يوم بدر، وحذرنا للقوم، وصعد فينا يصوب يخبر قريشاً أنه لا عدد لنا ولا كمين.
فقاموا إليه فأخذوه، فانطلق عمر إلى رسول لله ﷺ فقال يا رسول هذا عمير بن وهب قد دخل المسجد ومعه السلاح وهو الغادر الخبيث فقال النبي ﷺ، أدخله عليَّ فخرج عمر فأخذ بحمائل سيفه، فقبض بيده عليها، وأخذ بيده الأخرى قائم السيف، ثم أدخله على رسول الله ﷺ فلما رأه قال تأخر عنه يا عمر، فلما دنا عمير إلى النبي ﷺ قال أنعم صباحاً، فقال له النبي ﷺ قد «أكرمنا الله عن تحيتك وجعل تحيتنا السلام فما أقدمك يا عمير»؟
قال: قدمت في أسيري عندكم تفادونه وتقاربوننا فيه، فإنكم العشيرة والأصل قال النبي صلى الله عليه وآله: فما بال السيف قال عمير:
قبحها الله من سيوف وهل أغنت من شيء إنما نسيته حين نزلت وهو في رقبتي، ولعمري أن لي لهما غيره، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أصدق يا عمير، ما الذي أقدمك قال: ما قدمت إلا في أسيري.
قال صلى الله عليه وآله: فما شرطت لصفوان بن أمية في الحجر ففزع عمير، وقال: ما ذا شرطت له قال: تحملت بقتلى، على أن يقضى دينك، ويعول عيالك، والله حائل بينك وبين ذلك، قال عمير: أشهد أنك صادق، وأشهد أن لا إله إلا الله، كنا يا رسول الله نكذبك بالوحي، وبما يأتيك من السماء، وإن هذا الحديث كان بيني وبين صفوان كما قلت، لم يطلع عليه غيره وغيري، وقد أمرته أن يكتمه ليالي، فأطلعك الله عليه، فآمنت بالله ورسوله، وشهدت أن ما جئت به حق. الحمد لله الذي ساقني هذا المساق وفرح المسلمون حين هداه الله، وقال عمر بن الخطاب: لخنزير كان أحب إلى منه حين طلع، وهو الساعة أحب إلى من بعض ولدى.
فقال النبي صلى الله عليه وآله: (علموا أخاكم القرآن، وأطلقوا له أسيره)، فقال عمير: يا رسول الله، إني كنت جاهدا على إطفاء نور الله، فله الحمد أن هداني، فأذن لي فألحق قريشا فأدعوهم إلى الله وإلى الاسلام، فلعل الله يهديهم ويستنقذهم من الهلكة، «سيرة ابن هشام».
هذا طريقكم فاعرفوه، وهذه أخلاقكم فتمسكوا بها، وهو طريق شاق كظم الغيظ والعفو عن الناس، لكن في نهایته رضوان من الله وجنة عرضهاريحاء السماوات والأرض.
كيف «تكفر» عن خشونتك في التعامل مع الأخرين؟
نبيل عبده حسان
الاعتذار الفوري مع إعلان التـوبة وعدم الرجوع إلى الإساءة
قد يكون الإنسان في لحظة من لحظات حياته فظا غليظ القلب خشن التعامل مع غيره من الناس سواء كانوا من أقاربه، أو أصدقائه، أو شركاء عمله، أو غيرهم ممن يعرفهم أو ممن لا يعرفهم، فيسيء التخاطب مع هذا ويجرح مشاعر هذا، ويخطئ من داء في الرد على ذاك، وبالتالي فهو بحاجة إلى كفارة لهذه الإساءة وذلك التجريح، وتلك الخطيئة على وجه كبير من السرعة حتى يستطيع أن يلم شمله بالناس قبل أن يخرجوه من مجال حبهم وإكبارهم فما تلك الكفارة؟
إنها الاعتذار إلى من أساء إليه وطلب السماح منه، وإعلان الأسف الممزوج بالتوبة، وعدم الرجوع إلى مثل تلك الخشونة الممقوتة التي لا ثمرة لها سوى تفتيت صلابة المجتمع، وتماسكه، وتشتيت شمل القلوب التي من المفترض أن تكون على قلب رجل واحد في المحبة والإيثار.
في مقابل ذلك، ينبغي على من أسيء إليه أن يقبل ذلك الاعتذار بقلب طيب مسامح رضي ووجه مبتهج بشوش، وإحساس نقي بعدم الاستجابة لنزغ الشيطان وهمزه ومن هنا، كل باب للشر والاختلاف، ويفتح باباً جديداً للمودة والألفة المؤدية بدورها إلى القوة والعزة والمنعة الاجتماعية.
والتدليل على أهمية هذا الأمر، فإن الشواهد القرآنية كثيرة جداً عليه، ومنها قول المولى جل وعلا ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ﴾ [سورة البقرة: 83].
وقبوله تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ [سورة الإسراء: 53].
وقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [سورة إبراهيم: 24:27].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة فصلت: 34:36].
أما الشواهد النبوية الشريفة فكثيرة أيضاً ونكتفي بذكر اليسير منها، كما يلي: قال ﷺ «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» وقال ﷺ «لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث»، وقال ﷺ «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً»، وقال ﷺ «واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن».
وبالنسبة للشواهد الشعرية فربما كان للإمام الشافعي النصيب الأكبر في الدعوة إلى الاعتذار، وقبوله، ومما قاله في هذا الشأن:
قيلَ لي قَد أَسى عَلَيكَ فُلان
وَمُقامُ الفَتى عَلى الذُلِّ عار
قُلتُ قَد جاءَني وَأَحدَثَ عُذرا
دِيَةُ الذَنبِ عِندَنا الاِعتِذارُ
وقال:
اقبَل مَعاذيرَ مَن يَأتيكَ مُعتَذِراً
إِن بَرَّ عِندَكَ فيما قالَ أَو فَجَرا
لَقَد أَطاعَكَ مَن يُرضيكَ ظاهِرُهُ
وَقَد أَجَلَّكَ مَن يَعصيكَ مُستَتِرا
وقال أيضاً:
لَمَّا عَفَوْتُ وَلَمْ أحْقِدْ عَلَى أحَدٍ
أرحتُ نفسي من همَّ العداواتِ
ويقول المتنبي:
وَما قَتَلَ الأَحرارَ كَالعَفوِ عَنهُمُ
وَمَن لَكَ بِالحُرِّ الَّذي يَحفَظُ اليَدا
ويقول الإمام عليّ كرم الله وجهه:
وَإِذا اَستَقالَكَ ذو الإِساءَةٍ عَثرَةً
فَأَقِلهُ إِنَّ ثَوابَ ذَلِكَ أَوسَعُ
(*) كاتب وشاعر يمني.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل