العنوان وسطية القرآن في الموزانة بين الروح والمادة (2 من 2)
الكاتب عبدالكريم الحامدي
تاريخ النشر السبت 11-ديسمبر-2004
مشاهدات 66
نشر في العدد 1630
نشر في الصفحة 56
السبت 11-ديسمبر-2004
تناولنا في العدد الماضي أهم مظاهر الفساد والضرر التي ألحقها الاتجاهان الروحي والمادي بالحياة الإنسانية، ونسلط الضوء في هذا العدد على وسطية المنهج القرآني في الموازنة بينهما.
يقوم منهج القرآن في تحقيق التوازن بين البعدين الروحي والمادي في الإنسان على الحقيقتين الآتيتين:
- الإنسان في مفهوم القرآن مكون من روح ومادة، ولكل منهما مطالب يحتاج إليها لتحقيق صلاحه وكماله.
-لا سعادة للإنسان ولا صلاح له فردًا ومجتمعًا إلا بتلبية حاجات الروح والجسم معًا في اعتدال واتزان دون إفراط أو تفريط.
فبخصوص الحقيقة الأولى ذكر القرآن أن الإنسان ذو طبيعة ثنائية مزدوجة، روحية ومادية، قال تعالى: ﴿إِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ إِنِّی خَـٰلِقُۢ بَشَرࣰا مِّن طِینࣲ فَإِذَا سَوَّیۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِیهِ مِن رُّوحِی فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَـٰجِدِینَ﴾ (ص:71/72) فالطين يمثل الجانب المادي المتمثل في مطالب الجسم والنفخة الروحية تمثل الجانب الروحي فيه، أما بخصوص الحقيقة الثانية، فإن الحكمة من التكوين الثنائي المزدوج أن صلاح الإنسان لا يتحقق إلا باجتماعهما معًا، فالجانب المادي يسـتـحـثه على العمل والكسب والتفكير والانتفاع بخيرات الكون ومنافعه والجانب الروحي فيه. يستحثه على عبادة الله وطاعته والتقرب منه، وتحصيل الفضائل الخلقية والقيم الرفيعة بما يعود على الفرد والمجتمع بالخير والسعادة في الدنيا والآخرة (1)
وقد عارض القرآن الغلو في النزعة الروحية المفرطة إلى درجة المصادمة مع نواميس الكون وقوانينه، حيث دعا إلى إشباع الحاجات المادية للإنسان من أكل، وشرب، ومسكن، وملبس، وزواج، وزينة، وسائر المباحات والطيبات.
-أباح الأكل والشرب في قوله: ﴿وَكُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ﴾ (الأعراف:31).
-وأباح الملبس في قوله: ﴿یَـٰبَنِیۤ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَیۡكُمۡ لِبَاسࣰا یُوَ ٰرِی سَوۡءَ ٰ تِكُمۡ وَرِیشࣰاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَ ٰلِكَ خَیۡرࣱ﴾ (الأعراف: ٢٦).
- وأباح المسكن في قوله: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُیُوتِكُمۡ سَكَنࣰا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلۡأَنۡعَـٰمِ بُیُوتࣰا تَسۡتَخِفُّونَهَا﴾ (النحل: ۸۰).
-وأباح النكاح في قوله: ﴿فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَاۤءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَۖ﴾ (النساء: ٣)
-وأباح التمتع بأنواع الزينة مستنكرًا على من حرمها فقال﴿۞ یَـٰبَنِیۤ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِینَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدࣲ وَكُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِینَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِیۤ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّیِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِیَ لِلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا خَالِصَةࣰ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِۗ كَذَ ٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لِقَوۡمࣲ یَعۡلَمُونَ﴾ (الأعراف:31/32).
-وأباح التمتع بجمال الكون ومظاهر الطبيعة فقال: ﴿وَلَقَدۡ جَعَلۡنَا فِی ٱلسَّمَاۤءِ بُرُوجࣰا وَزَیَّنَّـٰهَا لِلنَّـٰظِرِینَ﴾ (الحجر:13) وقال: ﴿وَلَكُمۡ فِیهَا جَمَالٌ حِینَ تُرِیحُونَ وَحِینَ تَسۡرَحُونَ﴾ (النحل:6).
ونهى القرآن عن الكسل والتواكل والعزلة عن الكون والمجتمع، فأوجب العمل والسعي والابتغاء في الأرض والسعي الحثيث من أجل البناء والإعمار، فقال: ﴿وَقُلِ ٱعۡمَلُوا۟ فَسَیَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ﴾ (التوبة: ١٠٥) وقال:
﴿هُوَ ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولࣰا فَٱمۡشُوا۟ فِی مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا۟ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَیۡهِ ٱلنُّشُورُ﴾ (الملك:15).
كل هذه النصوص صريحة في أن كل ما خلقه الله وأوجده، هو لمصلحة الإنسان، وأنه مطالب بالانتفاع به وعدم تعطيله في حدود الضوابط الشرعية تحقيقًا للخير العام وصلاح البشرية.
كما ذم القرآن الغلو المفرط في النزوع نحو الماديات إلى درجة الإسراف والتبذير وتعطيل مصالح الدين والآخرة، فعاب على الذين أسرفوا في الطيبات إلى حد طغيان الهوى وعبادة اللذات والشهوات، فقال: ﴿وَیَوۡمَ یُعۡرَضُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ أَذۡهَبۡتُمۡ طَیِّبَـٰتِكُمۡ فِی حَیَاتِكُمُ ٱلدُّنۡیَا وَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهَا فَٱلۡیَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ﴾
(الأحقاف:20) وقال ﴿مَن كَانَ یُرِیدُ ٱلۡحَیَوٰةَ ٱلدُّنۡیَا وَزِینَتَهَا نُوَفِّ إِلَیۡهِمۡ أَعۡمَـٰلَهُمۡ فِیهَا وَهُمۡ فِیهَا لَا یُبۡخَسُونَ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ لَیۡسَ لَهُمۡ فِی ٱلۡـَٔاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِیهَا وَبَـٰطِلࣱ مَّا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ﴾ (هود:15-16).
فهذه النصوص ذمّت أصحاب الاتجاه المادي المغالين في اتباع اللذات والشهوات من غير ضوابط وحدود، وتنطبق على الكثير من مظاهر الحياة المعاصرة القائمة على الترف المادي في جميع مظاهر الحياة.
وبين الغلو في الجانبين الروحي والمادي، جاءت فلسفة القرآن لتحقق التوازن والاعتدال في تحقيق الرغبات وإشباع الحاجات الروحية والمادية معًا من غير إفراط ولا تفريط، وقد دلت نصوص القرآن على الاتجاه الإصلاحي الوسطي القائم على الاعتدال كقوله تعالى ﴿وَكَذَ ٰلِكَ جَعَلۡنَـٰكُمۡ أُمَّةࣰ وَسَطࣰا﴾ (البقرة: ١٤٣).
فالوسطية عند كثير من المفسرين يراد بها الاعتدال بين الروحانية والمادية فلم تهمل مطالب الروح ولا مطالب الجسم (۲). وكقوله: ﴿وَٱبۡتَغِ فِیمَاۤ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡـَٔاخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِیبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡیَاۖ﴾ (القصص: ۷۷) أي: اطلب فيما أعطاك الله من الأموال الدار الآخرة فأنفقه فيما يرضاه الله... ولا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه. (۳)
وقوله تعالى: ﴿فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَقُولُ رَبَّنَاۤ ءَاتِنَا فِی ٱلدُّنۡیَا وَمَا لَهُۥ فِی ٱلۡـَٔاخِرَةِ مِنۡ خَلَـٰقࣲ وَمِنۡهُم مَّن یَقُولُ رَبَّنَاۤ ءَاتِنَا فِی ٱلدُّنۡیَا حَسَنَةࣰ وَفِی ٱلۡـَٔاخِرَةِ حَسَنَةࣰ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ لَهُمۡ نَصِیبࣱ مِّمَّا كَسَبُوا۟ وَٱللَّهُ سَرِیعُ ٱلۡحِسَابِ﴾ (البقرة: 200-201-202)، فقد قسم الله تعالى اتجاهات الناس في هذه الحياة إلى صنفين:
-الصنف الذي يريد الدنيا وحدها، وهم الماديون الذين اقتصروا على الجانب المادي الخالص.
- الصنف الذي يجمع بين الدنيا والآخرة وهم الوسطيون الذين جمعوا بين المطالب الروحية والمادية.
ولم يشر القرآن إلى الصنف الثالث بحسب التقسيم العقلي، وهم الذين أهملوا الدنيا وتمسكوا بالآخرة، أي أصحاب الاتجاه الروحي الخالص. وإهمال القرآن لذكره، دليل على أنه مناف لفطرة الإنسان وطبيعة خلقته (٤)
فالتوازن هو سمة القرآن وأساس منهجه الإصلاحي في تلبية حاجات الروح والجسم معًا، دون إفراط أو تفريط، تحقيقًا للعدل والوسطية.
الهوامش
(۱) محمد عبد الرحمن بيصار العقيدة والأخلاق وأثرهما في حياة الفرد والمجتمع منشورات المكتبة العصرية - بيروت، لبنان، ط / ۱۹۸۰ م ص: ٢٣٦.
(۲) محمد أبو زهرة المجتمع الإنساني في ظل الإسلام الدار السعودية للنشر والتوزيع ٢ / ١٤٠١ هـ - ۱۹۸۱ م، ص: ١٤٨
(۳) الشوكاني فتح القدير، مطبعة مصطفى البابي الحلبي - مصر - ٢٥ / ١٣٨٣ هـ ـ ١٩٦٣ م. (١٨٦/٤)
(٤) محمود شلتوت من توجيهات الإسلام دار الشرق، بیروت لبنان ط، ٧ ۱٤٠٣ - ۱۹۸۳ م. ص:105.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل