العنوان حوار مع الشاعر تاج الدين نوفل
الكاتب د. محمود خليل
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أغسطس-1993
مشاهدات 48
نشر في العدد 1060
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 03-أغسطس-1993
حوار مع الشاعر تاج الدين نوفل
الشاعر الإسلامي
«تاج الدين نوفل» رجل يقطر هدوءًا وعذوبة، ويفيض إبداعًا زكيًا نضيرًا، ولأننا
ونحن ننادي بالأدب الإسلامي رسالة عالمية، تطرح المشروع الإسلامي في جانب من أهم
جوانبه، جانب الكلمة الجميلة المسؤولة، إنما نبحث في هذا الطريق الميمون عن أصحاب
المواهب الصادقة، والإبداعات الأصيلة التي تحمل هذا الأدب المنشود إلى واقع
المزاحمة والمدافعة، في عالم يضج بجاهلية الفنون المتردية المرذولة. ومحاورنا «38
سنة» له رصيد إبداعي طيب على طريق الشعر الإسلامي، فقد صدر له دواوين «لؤلؤة ومرجان»
و«عدالة عمر» و«الملكة سوسينا»، ثم الأجزاء الثانية من هذه الدواوين التي تعالج
التجارب الشعرية بشتى أنواعها وتحتوي الوجدان المسلم بسلاسة وإشراق وإمتاع.. وكان
لـ«المجتمع» معه هذا اللقاء.
تعريف الأدب الإسلامي
المجتمع: ما هو مفهوم
الأدب الإسلامي من وجهة نظركم؟
تاج الدين: الأدب الإسلامي
هو الأدب البليغ الرفيع البديع، السهل الممتنع، الذي ينساب إلى القلب، فيحدث
تأثيره المبتغى، وهو يهتم بالهدف وحسبه لتحقيق هذا الهدف وسيلة مشروعة وهو أوسع
جدًا مما يتصور البعض. ويعجبني في هذا المقام تعريف الشاعر المسلم الكبير محمد
الحسناوي للأدب الإسلامي بأنه «التعبير الموحى عن قيم الإسلام الحية التي ينفعل
بها المسلم، وتنبثق عن تصور إسلامي صحيح للحياة والارتباطات فيها بين المسلم والله
تعالى، وبين الإنسان والكون، وبين بعض الإنسان وبعض».
الغزل في الشعر الإسلامي
المجتمع: من الملاحظ على
إبداعاتكم الرقة الغالبة والغزل في كثير منها، فهل يتسع الشعر الإسلامي الملتزم
لهذه الضروب في العلاقة بين الرجل والمرأة؟
تاج الدين: كل ما أكتبه وما كتبته من غزل، هو شعر صحيح مائة
بالمائة.. ولكن السؤال: كيف يكون الغزل شعرًا إسلاميًا؟ أجيبك بأنه لا بد للشاعر
والأديب المسلم أن ينطلق من مناخ إسلامي متكامل وتصور شامل لمقاصد إسلامنا
الحنيف.. ليس بالضرورة أن يكون فقيهًا، ولكن تكفيه سلامة النظرة وصحة التصور وسموق
الموهبة وحدتها، وأنا شخصيًا أفردت ديوان «الملكة سوسينا» بجزئيه لزوجتي وشريكة
حياتي.. هذه المرأة المسلمة التي نرجوها في كل بيت وخلف كل أخ مسلم تشد أزره
وتعينه على تبعات الطريق الصعب.. طريق الدعوة. ولكن يبقى أن أقول إنني أتكلم عن
المرأة العفيفة المصونة، أتحدث عنها خلقيًا ومعنويًا، ولا أعني إلا بالجوانب التي
أمرنا الله تبارك وتعالى أن نعني بها ونثني عليها، وأعرض عما أمرنا الله بالإعراض
عنه.
الانضباط والرسالة الأدبية
المجتمع: ولكن
هذه النظرة «المنضبطة» ألا تضيق عليكم دائرة الإبداع؟ تاج الدين: أبدًا لم يحدث أن
ضاقت أمامي تجربة ما، فأنا عندما أكتب الكلمة التي ستصير «لي» هذه سعة، أما الضيق
كل الضيق، أن أكتب الكلمة التي تضل من بعدي من يقرأها.. ومن أراد «الحلال» وسع
الله عليه وفتح له ألف باب ومن أراد «الحرام» وسع الله عليه وفتح على نفسه ألف باب
﴿كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ
عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ (سورة الإسراء: 20) وهؤلاء
الذين يضيقون على أنفسهم ويجدون لذة الحرام في الانطلاقة العشوائية البهيمية ليسوا
من الإسلام في شيء، إنما الإسلام انضباط، لأنه مقيد بالحلال والحرام والثواب
والعقاب، وهنا تكمن مسئولية الرسالة. المجتمع: إذن.. ما هي الرسالة التي تريدون
إبلاغها من خلال الأدب الإسلامي؟ تاج الدين: هو أن نصل بقلب المسلم إلى حقيقته.
التحديات التي تواجه المبدعين
المجتمع: إلى أي مدى ترى
أن رسالة الأدب الإسلامي قد حققت أهدافها؟
تاج الدين: لم يتحقق منها
إلا أقل القليل.. وهذا راجع إلى عدة أمور.. منها فساد التصور عند كثير من
المبدعين، والحرب الشعواء على الأدب الإسلامي ومبدعيه، في إطار الحرب المعلنة على
كل ما هو إسلامي، هذا يجعل النشء الجديد يهرب من هذا الميدان الصعب.. هذا بالإضافة
إلى أننا نعاني من الفقر في ميدان التربية.. خاصة تربية المواهب واحتضانها
ورعايتها. ونحمد الله أننا في الفترة الأخيرة، قد كسبنا بعض الأصوات من كبار
المبدعين، ممن رأوا في المسيرة الإسلامية خير طريق لهم.. ولكن لا يجب أن يظل الأدب
الإسلامي معتمدًا على «الفلتات» الفردية.. فهو جناح لا يقل أبدًا عن بقية أجنحة
الصحوة الإسلامية الفتية.
جيل الصحوة الثقافية
المجتمع: نريد أن نتعرف
على الجيل الذي تنتمي إليه؟
تاج الدين: هو جيل أراد له أعداء الله أن يكون جيلًا
محزبًا ولكن جمعه الله بحوله وقوته على الإسلام، ولكن بعض البقايا من أرباب
الاشتراكية البالية ما زالوا يشنون علينا كثيرًا من الهجمات.. وللأسف البالغ في
الفترة الأخيرة، قد سلمت لهم كل المراكز الثقافية على مستوى الدولة «تسليم
مفتاح».. وأرجو أن تعفيني من ذكر الأسماء حتى لا أقع في حرج أو مظلمة لأحد، ولكن
-والحمد لله- هناك جيل واعد مطمئن والمستقبل لنا بإذن الله تعالى. المجتمع: ماذا
تمثل هذه الكلمة لك: «الشاعر الإسلامي»؟ تاج الدين: تمثل لي ما مثلته لـ«شوقي»
قديمًا حين قال: «لئن أكون «شاعر الإسلام» خير لي من أن أكون أميرًا للشعراء»
والشاعر الإسلامي هو من عاش للإسلام وبالإسلام، وسخر لذلك كل مواهبه وقدراته.
موقف الإسلام من الفنون
المجتمع: ترى!! ما هي
نظرة الشاعر المسلم لبقية الفنون خاصة وأن دراستكم حتى الدكتوراه كانت في
«الديكور» ضمن الفنون الجميلة؟
تاج الدين: كنت.. وأنا صغير أحب الموسيقى والرسم والخطوط
وأصبحت بالدراسة متخصصًا في الديكور.. ولكن وجدت أخيرًا، أن الشعر يجمع لي كل
الفنون التي أحببتها فاكتفيت به رسالة شاملة، تجمع بين يدي كل الفنون في فن واحد
حلال مؤثر. المجتمع: ولكن بقية الفنون.. كيف تنظرون إليها؟ تاج الدين: هناك فنون
لسنا بحاجة لها كمسلمين كالباليه، والرسم التجريدي، والنحت، أو بقية الفنون التي
تعد جنونًا في صالات العرض أو جنونًا على الورق، فليس في الإسلام «فن للفن» ولكن
هناك «فن» للدنيا والآخرة، فأنا عندي قصيدة «عمر المختار» لشوقي أجمل من فيلم «عمر
المختار».
الحداثة والكتابة للطفل
المجتمع: والحداثة.. ما
رأيك فيها؟
تاج الدين: الحداثة بمعناها اللغوي أهلًا بها ومرحبًا ونحن
أول من ينادي بالحداثة في كل شيء في ظل تراثنا الإسلامي الأصيل، أما الحداثة
بمعناها «التخريبي» «الغربي» الذي ينادي بالثورة على الأصول وتحطيم «المقدس» فهي
نوع من العبث، وهي غبار سوف يزاح عن الساحة قريبًا، ولن يطول به المقام شأن كل
فقاعة فارغة، لا بد وأن تنفجر بعد لحظات من ولادتها.. وكل فن له ضوابط وموازين
والتهوين من شأن الضوابط في أي شيء يجعل الميدان مفتوحًا لكل من «هب ودب» وهذا عبث
لا يرتضيه أحد.
المجتمع: هل سبق لكم الكتابة للأطفال؟
تاج الدين: نعم حاولت، ولكن الكتابة للأطفال هي أشق أنواع
الكتابة.. وأنا أحاول أن أصيغ بعض المواقف شعرًا للأطفال، وقد سبقني في هذا
المضمار كثيرون من شعراء الإسلام.
نموذج شعري للطفل المسلم
المجتمع: تذكر لنا أحد
النماذج؟
تاج الدين: من ديوان عدالة عمر مثلًا.. هذا النموذج للطفل المسلم:
دخل القادم يسعى وسط مدينة أحمد
كان الحر شديدا وبه العرق تفصد
ومضى يسأل عنه أين تراه تمدد
أبقصر يلقاه أم بأريكة عسجد
كان القادم يعلم من هو عمر الأمجد
كانت أرض الروم تبرق منه وترعد
وكذا ملك الفرس يوشك أن يتبدد
ومضى القادم يسعى بخيال يتجدد
حاكم هذي الدنيا
عمر بن الخطاب
هبني صرت لقصره وطرقت الأبواب
كيف سأصل إليه لو رفض الحجاب
ومضى القادم يحلم بسراب وضباب
يسأل من يلقاه
عن عمر المقدام
فاقتادوه لظلٍ وبه العادل نام
كان النائم يرقد في أمن وسلام
لا يخشى مظلوما كجميع الظلام
فإذا القادم يهتف تحت الشجرة نام!!
هذا حاكم عدل حكم فعدل فنام
المجتمع: وبماذا تنصح
إخوانك من الأدباء المسلمين الشبان؟
تاج الدين: أنصح ألا نتناول موضوعًا نهى عنه الشرع وألا
نتناول في موضوع ما نهي الشرع عنه.
انظر أيضا: