العنوان دروس من نملة ناصحة!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 17-مارس-2001
مشاهدات 65
نشر في العدد 1442
نشر في الصفحة 57
السبت 17-مارس-2001
في قصة النملة مع سليمان تتجلى أهمية الإحساس بالمسؤولية والتنبه للخطر
كنت أقرأ القرآن الكريم فمررت على قصة النملة التي جاءت ذكرها في سورة النمل آية رقم ١٨ إذ قال تعالي: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (النملة:18) فوقفت عندها هذه الوقفة.
بداية فإن خلاصة القصة هي أن نبي سليمان عليه السلام جمع جنوده من الجن والإنس والطير، وقد علمه الله لغة الطير والحيوان، ضمن ما أتاه من الملك الذي لم يؤته أحدًا من قبله ولا من بعده من تسخير الريح والجن والإنس والطير له، وتعليمه لغات هذه المخلوقات التي سخرها له حتى يتعامل معها، وكان في سيره بالجند كما قيل في الشام حسبما قال قتاده، ونقل ذلك الإمام القرطبي في تفسيره لهذه الآية. وقيل في الطائف حسبما نقل الإمام القرطبي أيضًا عن كعب في الموضع نفسه، والمهم ليس المكان، ولكن المهم أهل المكان، وهم وادي النمل، وتلك النملة الناصحة التي سطر الله قصتها في الكتاب الخالد: يتلوه عباد الله إلى قيام الساعة، ويتعبدون بتلاوته، ومنها هذه الآية التي نحن بصددها الآن.
أبصرت نملة في وادي النمل سيدنا سليمان وجنوده قادمين من مسافة غير بعيدة فقالت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (النمل:18) وكيف سيشعر الواحد منا، وهو يمشي في الطريق عندما يطأ نملة بقدمه؟
فقلت في نفسي: سبحان الله هل لمن يسلم أمته للأعداء في هذا الدرس عبرة؟
إن من يقرأ القرآن بقلبه مع لسانه يبصر فيه أسراراً عدة، ويجد فيه الدواء لكل داء، فهو إنقاذ للخلائق من الأخطار، وهو للبشرية أقوم دستور؛ لأنه من لدن حكيم خبير قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك:14) ولذلك فإن القرآن لا يعي دروسه وحكمه وعبره إلا من ﴿كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق:37).
وإنني أتساءل: إذا كان بعض المتنفذين وأصحاب القرار في بلادنا لا يستطيعون النظر إلى القدوات من القادة في هذه الأمة ممن قادوا الأمة قيادة راشدة ونصحوا لها، وحافظوا عليها من صغير الأذى قبل كبيره، وسهروا على راحتهم ودحر عدوهم وذلك كما قال الشاعر:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد *** ويذكر الفم طعم الماء من سقم
أما لكم في هذه الحشرة عبرة فتكونوا لأمتكم کهذه الحشرة لأمتها؟
إن هذه الحشرة قد رفع الله قدرها، وذكرها، وفعلها في القرآن الخالد لأنها نصحت أمتها، وحذرت قومها من الخطر ومصادر الخطر الذي سيقع عليهم بدون قصد من أهله لكنه خطر في جميع الأموال.
وقد أعجب - من قولها نبي الله سليمان صاحب الملك العريض الذي لا يضاهي، وكيف لا يعجب، وهو الإمام العادل والقائد الحكيم الرحيم برعيته، والوفي لبني قومه، والناصح الأمين لهم يتفقد رعيته، ويسهر على راحتهم؟
بل كيف لا يعجب بقولها العقلاء، وقد أنقذت أمتها من الخطر المحقق فهي بهذا أفضل، وأهدى من كثير من القادة الذين أهملوا أمتهم، ومصالح أمتهم فكيف بمن خان أمته، وسلمها لعدوه ليفعل فيها ما يشاء، فهل هناك وجه للمقارنة؟
إن الله عز وجل لم يسطر قصة هذه النملة في القرآن عبثًا - كلا وحاشا - ولكن لأن هناك من لا يستطيع أن يقتدي إلا بمن هو على مستواه قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (الرعد:7).
دروس كثيرة
والدرس الذي ترشد إليه القصة من أعظم الدروس في حياة الحكام والأمم، ويتلخص فيما يلي:
۱ - الشعور بالمسؤولية.
2- الإيجابية في الحياة.
٣ - النصح العام.
٤ - التحذير من الخطر مسؤولية الجميع.
5 - حسن الظن.
٦- الدلالة على مواطن الخطر لمن عرفه مسؤولية الجميع.
7- معايشة الواقع.
8- الصدق في الإخبار والنصح.
۹ - تقدير حجم الخطر.
۱۰ - الأمانة والوفاء والحب والمروءة والإخاء.
ومقارنة بسيطة بين الناصح الأمين في هذه القصة، والخائن المهين في واقع السلطة نقول: هل لكم يا رجال السلطة مع قومكم الذين تزعمتم أمرهم من قبل عدوهم، وليس من قبلهم أن تأخذوا العبرة من هذه النملة مع قومها التي لم تكن زعيمتهم، ولو كانت كذلك لكانت أحرص.
كذلك لم يظهر من سياق القرآن أنها كانت زعيمة النمل، ولكنها من النمل، ومع هذا نادت قومها بقولها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾ (النمل:18) ثم أمرتهم أمر إرشاد: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ (النمل:18) وحذرتهم الخطر ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ (النمل:18) وأعذرت بقولها ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُون﴾ (النمل:18).
وإني أنادي: أفيقوا فإن الله لن يدع الظلم وأهله، حتى يأخذه أخذ عزيز مقتدر.
صلاح القادري