العنوان أشواق إلى رمضان
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 22-سبتمبر-2007
مشاهدات 73
نشر في العدد 1770
نشر في الصفحة 33
السبت 22-سبتمبر-2007
كم تشتاق النفس المؤمنة إلى رمضان لترتاح من هجير الحوادث وسعار الضياع، ولهيب الهزائم وألم الخذلان، فكثيرًا ما يأتي رمضان ومعه عبق الكتاب الكريم، وشذى النصر المبين، وروحانية الهدى العظيم، فننتشي ونتعلم ونعيش أجواء النبوة، وعصر الرسالة وأيام الصحب الكريم.
فهل تشتاق معي إلى التنزيل؟ وهو ينزل سلسلًا من سلسل، وإلى النفحات وهي تداعب الأرواح والأنفاس، وإلى التتلمذ في مدرسته، والتزود من تعالميه وآدابه: «الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم حدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم.. إني صائم».
وهل تشتاق معي إلى عطاء هذا الشهر العظيم؟ عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسًا لم يعطهن نبي قبلي، أما واحدة، فإنه إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله عز وجل إليهم، فمن نظر الله إليه لم يعذبه أبدًا، وأما الثانية إن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وأما الثالثة: فإن الملائكة تستغفر لهم في كل يوم وليلة، وأما الرابعة، فإن الله عز جل يأمر جنته، فيقول لها: استعدي وتزيني لعبادي، يوشك أن يستريحوا من تعب الدنيا إلى دار كرامتي، وأما الخامسة فإنه إذا كان آخر ليلة غفر الله لهم جميعًا»، فقال رجل من القوم: أهي ليلة القدر؟ فقال: لا، ألم تر إلى العمال يعملون فإذا فرغوا من أعمالهم، وفوا أجورهم؟!».
وكيف لا أشتاق إلى عطاء ربي ونفحات مولاي! وأنا أرى ظلمات غيره، ولعنات سواه، حيث يحل رمضان، ويقبل شهر الغفران فيقول البعض: أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم يعطها أمة قبلي. أولًا: جوع بطونهم لا يجدون أقواتهم، وعطش أفواههم فلا يذوقون ماءهم، تلعنهم الزبانية حين يشكون بؤسهم، ويزينون لهم مجونهم ويقولون: يوشك الصالحون أن يحلوا دار بؤسي وشقوتي، والثانية: تطلق الشياطين زوار الفجر، فلا يتركون بيتًا إلا روعوه، ولا طفلًا إلا أفزعوه، ولا أموالًا إلا نهبوها.
والثالثة: فإن الزبانية تعاقبهم كل ليلة، فلا تهني لهم بالًا، أو تريح لهم جسدًا، والرابعة: فإنه وفي كل ليلة من ليالي رمضان تلفق القضايا ويكثر الرواد، يقولون: نوشك أن نستريح من صداع أمتنا،
الخامسة: في آخر ليلة من رمضان تمنع عنهم الزيارة، ويحجب عنهم الأهل ويكدرون جميعًا، ويقال لهم: هذا جزاء وفاق لكل مؤمن شريف صام رمضان إيمانًا واحتسابًا».
كم أشتاق إلى رحمة ربي ورضاه! كما أشتاق إلى البعد عن ظلم العبد وشقاه، كم أشتاق إلى أن أصوم الشهر قربة لله، وأؤدي فيه ما يقريني منه ويجلب لي رضاه، وأتعرض فيه لنفحاته وهداه!
نعم: كم أشتاق إلى نفع أمتي وعطائها، وأشتاق وأشتاق!!
وأقول والأشواق تلهب مهجتي ما أقتل الأشواق للإنسان!
أبعدتني يا دهر عنه وربما فرقت بين الماء والعطشان
دع ما أقول فلو دعاني أمر لبيته بالسعي حين دعاني
أشتاق إلى دعوة مستجابة، عتق من النار, ونصر مبين، وهذا من خصوصيات رمضان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين».
وما أظن أن دعوات المظاليم في رمضان ستخيب ولا تجاب؟ وما أحسبها إلا ستقصم الظهور يومًا، وعسى أن يكون قريبًا، أو بعد حين، وقد آن لأمتنا أن تنقشع عنها الظلمات، وتنعم بالطيبات، ولكن الله سبحانه يمحص عباده ويختبر جنده، ولينصرن الله من ينصره: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (آل عمران:126).
فليستعن كل مظلوم يريد لدعوته أن تتقبل في رمضان بالقيام والصيام، وليستعن بالقيام بين يدي مولاه، ولا يضيع هذه الأوقات المباركات الطيبات.
فلما أحضر الرسول صلى الله عليه وسلم المنبر وارتقى الدرجة الأولى قال: آمين، فلما ارتقي الدرجة الثانية قال: آمين، فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال: آمين، فلما نزل، قلنا: يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئًا ما كنا نسمعه، قال: إن جبريل عرض لي، فقال: بَعُدَ من أدرك رمضان فلم يغفر له، قلت: آمین، فلما رقیت الثانية، قال: بعد من ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقلت: آمين، فلما رقيت الثالثة، قال: بعد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، قلت: آمين».
بَعُد من أدرك رمضان فلم يغفر له؛ لأنه ما صام رمضان إلا وهو غير صائم عن المحرمات، «ورب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش».
روي عن سليمان بن موسى قال: قال جابر بن عبد الله: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الناس، وليكن عليك الوقار والسكينة يوم صومك.
فهل صامت أمتنا؟ وهل صام سمعها عن الحرام في رمضان أم أنها ادخرت لرمضان الأغاني والألبومات، وأعدت لأبصارها خليع المسلسلات وهابط التابلوهات؟ هل امتنعت عن الكذب، وصدقت نفسها وربها وأمتها، أم أنها تعيش بخططها وأعمالها وبياناتها وإصلاحاتها، كذبة كبيرة؛ لأنها لا تقدر على شيء ولا تملك شيئًا من وسائل الإصلاح فتستجير بالكذب وتتشبث بالإفك والبهتان؟!
نحن نتشوق إلى عزة تعز الأمة، وعزائم تحرسها، وسواعد تشد نهضتها، وقلوب ترود مسيرتها، ورجال صادقي العهد أولي بأس شديد، يجوسون خلال الديار بالمعروف والعدل والإحسان الرحمة، فهل شوقنا سيطول أم أن غدًا لناظره قريب؟ ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. (يوسف:21)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل