العنوان نهاية الكون
الكاتب أورخان محمد علي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-2001
مشاهدات 89
نشر في العدد 1436
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 30-يناير-2001
في المقالة السابقة التي كانت بعنوان (مولد الكون) تناولنا آخر نظرية مقبولة لدى الأوساط العلمية حاليًا حول مولد الكون وهي نظرية (الانفجار الكبير Big Bang) التي تستند إلى الحقيقة التي اكتشفها العلم، وهي حقيقة أن الكون يتوسع باستمرار وبسرعة كبيرة، فقال العلماء: إن مادة الكون كانت متركزة في السابق في نقطة واحدة حجمها صفر، وأنها انفجرت ونشرت مادة الكون في كل اتجاه، وأن الكون بدأ يتوسع منذ ذلك التاريخ وحتى الآن.
وأشرنا إلى الأهمية الفلسفية لهذه النظرية فقلنا: إنها أنهت أسطورة أزلية المادة وأزلية الكون، وأثبتت أن الكون خلق في لحظة واحدة، ومادام هناك خلق فلا بد أن هناك خالقًا، لأن هذا الانفجار الهائل لم يكن كأي انفجار آخر، لأن كل انفجار يؤدي إلى الفوضى والتشتت والهدم، بينما أدى هذا الانفجار إلى تشكيل كون منظم غاية التنظيم وراءه يد القدرة اللانهائية والعلم المطلق الذي لا تحده حدود، ولكن هل سيتوسع الكون باستمرار؟ هل تنتصر قوة الجاذبية على قوة التوسع الكوني أم يكون العكس هو الصحيح؟
هناك احتمالان في هذا الصدد:
الاحتمال الأول: أن سرعة التوسع ستتباطأ تدريجيًا بفعل قوة الجاذبية ثم تقف، وبعدها يبدأ الكون بالتراجع نحو الوراء، أي ستندفع المجرات وجميع الأجسام السماوية والفلكية الموجودة في الكون نحو المركز، وسيتقلص الكون وينكمش على نفسه بفعل قوة الجاذبية، حتى يرجع الكون كله ويتركز في نقطة واحدة صغيرة جدًا قد تبلغ الصفر، أي يعود الكون إلى حالته الأولية، وهذا معناه طبعًا موت الكون وفناؤه قبل أن يصل إلى هذا الحد بوقت كبير.
الاحتمال الثاني: أن قوة الجاذبية لا تستطيع التغلب على قوة التوسع الكوني أي أن الكون يبقى في توسع دائم إلى الأبد.
فهل معنى هذا أن الموت لن يكون مصيره مثل هذا الكون المتوسع على الدوام؟
تعددت الأسباب والموت واحد:
لا يستطيع الكون حتى في الحالة الثانية أن يتجنب النهاية الحتمية لكل مخلوق، وهي الموت لأن مثل هذا الكون المتوسع بعد أن يستنفد وقوده بتأثير عمليات الإشعاع الجارية في جميع النجوم، فإنه يموت لا محالة، وفي هذه الحالة يكون الكون مثل مقبرة هائلة متوسعة لا أثر للحياة فيه، ولكن ما الذي يقرر انتصار قوة الجاذبية أو انتصار قوة التوسع الكوني؟
والجواب: إن كان التوسع الكوني بالمقدار الذي تستطيع به المجرات الإفلات من قوة الجاذبية فإن التوسع سيستمر دون توقف، هذا هو أنموذج (الكون المفتوح).
أما إن كانت سرعة الإفلات أقل من الجانبية فإن توسع الكون سيقف بعد مدة ويبدأ الكون بالانكفاء على نفسه والتراجع القهقرى وهذا هو أنموذج (الكون المعلق).
ما معنى سرعة الإفلات؟
هي أصغر سرعة لازمة للإفلات من قوة جاذبية مكان ما فمثلًا سرعة الإفلات بالنسبة لأرضنا هي (٢٣,١١) كم/ ثانية، أي إذا أطلقت صاروخًا بهذه السرعة فإنه يستطيع التغلب على الجاذبية الأرضية وينطلق إلى الفضاء، وإن كانت سرعة الصاروخ أقل من هذه السرعة (ولم تكن في مراحل متعددة) فهو يقطع مسافة معينة ثم يقوم ويبدأ بالسقوط والرجوع إلى الأرض لتغلّب هوة الجاذبية عليه، ولكل نجم أو كوكب أو قمر سرعة إفلات خاصة به، ولكن هل سرعة توسع الكون تبلغ سرعة الإفلات؟ أي هل هي أكبر من قوة الجاذبية في الكون أم أقل؟
هذا الأمر مرتبط بالكثافة الحالية للكون فإن كانت هذه الكثافة تبلغ ما يطلق عليه اسم (الكثافة الحرجة) فمعنى هذا أن قوة الجانبية الموجودة في الكون تكفي في المستقبل لإيقاف توسع الكون، أما إن كانت أقل فإن الكون سيبقى متوسعًا على الدوام، فهل متوسط الكثافة في الكون يبلغ (الكثافة الحرجة)؟
قام العلماء بحساب الكثافة الحرجة فوجدوا أنها تساوي (4.7×3010 جم / سم3، وهذا يعني أنه لو كانت هناك مادة في الكون بمعدل ثلاث ذرات هيدروجين في المتر المكعب الواحد لبلغت كثافة الكون (الكثافة الحرجة)، ثم قام العلماء بحساب كثافة الكون فوجدوا أنها تبلغ بضعة أجزاء من هذه الكثافة الحرجة، هل معنى هذا أن الكون سيستمر بالتوسع لأن كثافته لا تبلغ الكثافة الحرجة؟
لا يمكننا قول هذا بشكل أكيد لأن ما حسبه العلماء من كميات المادة الموجودة في الكون كانت الكميات التي استطاعوا مشاهدتها بالأجهزة البصرية والراديوية، وهناك كميات هائلة من المادة، لم تدخل في هذه الحسابات، منها على سبيل المثال الثقوب السوداء التي لا نكاد نعرف عنها شيئًا، ثم هناك ما أطلقوا عليها اسم (الكتلة المفقودة) في الكون فقد لاحظوا أن كمية المادة المشاهدة في المجرات لا تكفي أبدًا لإبقاء هذه المجرات متماسكة، بل تحتاج إلى عشرة أضعاف هذه المادة لكي تبقى في تماسك وتوازن، إذن فالكثافة المحسوبة للكون ليست هي كثافتها الحقيقية، وقد تبلغ كثافتها الحقيقية (الكثافة الحرجة).
ماذا يحدث في أنموذج (الكون المغلق)؟
تبدأ سرعة التوسع الكوني بالتناقص تدريجيًا حتى تبلغ الصفر أي يقف التوسع تمامًا، ثم يبدأ الكون بالاتجاه والتراكض نحو مركزه وبسرعات متزايدة بمرور الزمن، في البداية لا يظهر هناك تأثير واضح، فكل شيء سيبدو اعتياديًاـ ولكن ما إن يبلغ الكون ١/١٠٠ من حجمه الحالي حتى تبلغ درجة حرارة الفضاء التي هي قريبة الآن من الصفر المطلق- درجة حرارة الأرض في النهار وبعد ملايين السنين سيبلغ بريق الفضاء حدًا لا يطاق وترتفع الحرارة إلى ملايين الدرجات، وقبل الوصول إلى هذا الحد تكون جميع أنواع الحياة قد انقرضت وفنت. ثم تبدأ النجوم بالذوبان في حساء كوني مؤلف من أجزاء الذرات ومن إشعاعات حساء، بلغ درجة حرارته بلايين الدرجات، ثم يصغر الكون ويصغر حتى يبلغ حجم نقطة صغيرة قريبة من الصفر، ويتحول إلى (ثقب أسود) أي يصل إلى حالة (التفردية singulanity) حيث تنقطع علاقته مع الزمان ومع المكان، ولا تعود القوانين الفيزيائية جارية فيه.
بعض العلماء الملحدين الذين رأوا إفلاس حادهم أمام هذه النظرية اقترحوا أنموذجًا ثالثًا للكون هو الأنموذج (النبضي) أو (المتذبذب) خلاصة هذا المقترح هو أن الكون يتسع منذ الأزل بانفجارات كبيرة (Big Bang) ثم ينكمش ويتقلص على نفسه، ثم يتوسع بانفجار كبير آخر، وهكذا دواليك أي أنه كون أزلي لا بداية له ولا نهاية، وقد أعجب بهذا النموذج بعض العلماء المتحدين الذين لا يؤمنون بـ«الخلق» و «القيامة» أو نهاية الكون.
ولكن هذا الأنموذج لم يستطع الوقوف أمام معطيات العلم وأمام الحقائق العلمية، لذا نرى أنه وضع على الرف، وتم إهماله تمامًا في الأوساط العلمية؛ لأن العلم لا يعرف أي إمكان لكي يتوسع الكون بعد تقلصه ووصوله إلى حالة (التفردية) لأن الثقب الأسود -مثلًا- وهو مثال مصغر جدًا عن حالة التفردية التي يبلغها الكون في نهاية المطاف في التقلص- لا يستطيع الخلاص من هذا الوض، فكيف بالكون بأكمله؟ ثم هناك مشكلة أخرى أمام هذا الأنموذج وهي مشكلة الإنتروبيا Entrop، وهي أنه في كل عملية تحول وتغير هناك قسم من الطاقة يتحول إلى شكل غير قابل للاستفادة منه، وعندما يصل الكون إلى حالة التفردية لا توجد هناك طاقة قابلة للاستفادة. أي يستحيل تحول الكون في هذه الحالة من وضع إلى وضع آخر، إذ لا توجد الطاقة التي يمكنها القيام بهذا التحويل.
إذن فسواء أكان هناك الأنموذج المفتوح أم الأنموذج المغلق للكون، فالموت هو المصير الذي ينتظر الكون، ولا يعني هذا أن نهاية الكون ستكون بأحد هذين السبيلين لأن احتمالات نهاية الكون عديدة جدًا يمكن أن تملأ كتابًا كاملًا.
هذا عن الكون أما عن كوكبنا وعن الشمس للمجموعة الشمسية فإن عمرها ليس طويلًا إلى هذه الدرجة فعمر الوقود في الشمس أقل بكثير من عُمر الكون بأجمعه.
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (الرحمن: 26-27).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل