العنوان من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة (30) الضابط الشهيد محمد سعيد باعباد (أبو السعيد)
الكاتب المستشار عبدالله العقيل
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1997
مشاهدات 79
نشر في العدد 1260
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 29-يوليو-1997
أول من عرفني به هو الأخ الكريم القاضي الفاضل عبد القادر العماري حيث أخبرني أنه من ضباط الإخوان المسلمين في اليمن، وأنه مجاهد صادق، وعسكري متمرس ومسلم ملتزم، وأوصاني به خيرًا، وحين شرع إخواننا من مختلف البلاد العربية في استنفار الأمة لاستعادة كرامتها التي أهينت في نكبة ١٩٦٧م، تلك الهزيمة النكراء، التي قاد الجيوش العربية فيها المخمورون، والطغاة الفراعنة من أدعياء الزعامة الكاذبة.
هذه الهزيمة المنكرة، التي لم تشارك فيها الشعوب المؤمنة، ولم يعط المجاهدون دورهم للتصدي لليهود بل كان المجاهدون والدعاة يقبعون في أقبية السجون والمعتقلات في الوقت الذي ترقص فيه الراقصات وتغني المطربات لقادة الجيوش الرسمية، مكررين ما فعلته قريش في جاهليتها حين مواجهتها للرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الكرام في معارك الإسلام الأولى فأخزاهم الله كما أخزى قريشًا وحطم كبرياءهم وغرورهم وأذاقهم الذل والهوان، على أيدي أذل خلق الله، من أبناء القردة والخنازير الملعونين في كتاب الله، وعلى لسان أنبيائه ورسله.
تحرك الإخوان المسلمون هنا وهناك يتهيبون بالأمة المسلمة، أن تثأر لكرامتها، وأن تمسح العار الذي ألحقه بها الحكام المستبدون المتسلطون على شعوبهم الذين يصدق فيهم قول الرصافي:
عبيد للأجانب هم ولكن
على أبناء جلدتهم أسود
فاستجاب نفر من شباب الإسلام، من مختلف البلاد العربية والإسلامية، ولبوا النداء مسرعين إلى ميادين التدريب، ومعسكرات الإعداد، التي أقامها الإخوان المسلمون على الحدود مع اليهود، وكانوا من جنسيات، وبلدان مختلفة، ومن هؤلاء أخونا محمد سعيد باعباد من اليمن الشقيق، حيث الإيمان يمان والحكمة يمانية، كما أخبر المصطفى -صلى الله عليه وسلم-.
لقد سعدنا بزيارته لنا في الكويت وحضر ندوة الجمعة، وكان لنا معه أحاديث عن دور الحركة الإسلامية المعاصرة، وما يجب عليها في مثل هذه الظروف، وواجب الشباب المسلم تجاه ما يجري للأمة من تقطيع أوصالها وإبعادها عن دينها، وتنفيذ مخططات أعدائها في حرب الإسلام وأهله والبطش بالدعاة والتنكيل بالعلماء وإسكات كلمة الحق، وإعلاء شأن الباطل، والركوع أمام مطامع اليهود والمستعمرين الصليبيين، ولقد كان - رحمه الله - جذوة متقدة من الحماس، ومرجلًا يغلي من الغضب على أعداء الإسلام وعملاء الاستعمار، والمرتزقة المأجورين.
توجه -رحمه الله- إلى مكان الرباط في سبيل الله مع إخوانه الذين سبقوه ولحق بهم إخوان آخرون، من مختلف البلاد العربية والإسلامية، فكانت نواة العمل الجهادي، باسم الله وعلى بركة الله، وفي سبيل الله والمستضعفين في الأرض الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق.
لقد كان الأخ المجاهد «أبو السعيد» من طلاب الكلية العسكرية في القاهرة، وكان متفوقًا على زملائه في دراسته، شهد له بذلك زملاؤه، الذين كانوا في دفة الحكم باليمن الجنوبي، وهو من مواليد قرية «الشيخ عثمان» على ساحل البحر الأحمر في اليمن الجنوبي.
قال عنه د. محمد أبو فارس في كتابه القيم «شهداء فلسطين»: «كان -رحمه الله- جريئًا مقدامًا متواضعًا أليفًا يألف ويؤلف، وكان ضابطًا برتبة نقيب في الجيش اليمني، وبعد استيلاء الشيوعيين على السلطة، خرج من بلده وقد حكموا عليه بالإعدام، ولما حدثت نكبة عام ١٩٦٧م، حيث ضاعت كل فلسطين وسيناء والجولان بسبب تفريط الحكومات العربية، فاتجهت الجهود نحو العمل الجهادي الفدائي، وكان شهيدنا - رحمه الله - مع وفد مهمته الطواف بالعالم الإسلامي يحض المسلمين على الجهاد بالنفس والمال، وجلب المتطوعين لقواعد الإخوان المسلمين، وكان زميلاه أحدهما تركي والآخر أندونيسي، وحين انتهى به المطاف إلى القواعد، رابط مع إخوانه المجاهدين وشاركهم في التدريب والقتال، وكان ذو خبرة عسكرية، يحتاج لمثلها المجاهدون في القواعد، وكان عالي الهمة، نشيطًا سريع الاستجابة للخير، يلبي أمر قائده إذا ندبه دون تردد أو إبطاء، بل يهب مهرولًا، وقد يكون قائده أقل كفاءة منه فلا يؤثر ذلك في نفسه.
خرج - رحمه الله - في دورية استطلاعية على نهر الأردن، ليستطلع منافذ العبور إلى الضفة الغربية المحتلة من فلسطين، ولإجراء الدراسات العسكرية، والمسح لإعداد العمليات القادمة، فلاحظه العدو، واكتشف أمره ومن معه، ففاجأه بوابل من الرصاص ليلًا، فسقط على الفور شهيدًا، وقد مزق الرصاص جسده، وأصيب من معه برصاصة اخترقت فخذه، وأخذت إحدى خصيتيه معها، فسار مسافة خمسة كيلو مترات، حتى وصل إلى إخوانه فحملوه سريعًا إلى المستشفى، وأجريت له عملية، وهو الآن يعيش بخصية واحدة وقد تزوج امرأة ثانية وأنجبت منه، بعد إصابته فسبحان الله العلي العظيم رب العرش الكريم إذا أراد شيئًا إنما يقول له كن فيكون»، انتهى.
لقد كان استشهاده عام ۱۹۷۰م عن عمر يناهز الثلاثين سنة وقد نقل جثمانه إلى اليمن الجنوبي حيث مسقط رأسه، وقد خرج الناس في عدن كلهم لتشييع الجنازة، وكانوا يرددون من أعماقهم هتاف «لا إله إلا الله محمد رسول الله الشهيد حبيب الله طريق فلسطين طريق الإسلام»، هذا الهتاف المدوي من هذه الجماهير الغفيرة وبهذه الألفاظ الصريحة، وفي ظل النظام الشيوعي الحاكم لعدن في ذلك الوقت، يدل دلالة كبيرة على أن الأمة الإسلامية مهما تسلط عليها الطغاة والبغاة ومهما حاولوا طمس الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهي فطرة الإسلام فلن يستطيعوا ذلك أبدًا.
إن هذه النماذج الكريمة من الإخوة المجاهدين الذين أرخصوا نفوسهم في سبيل الله، دفاعًا عن دينهم وانتصارًا لإخوانهم المسلمين بفلسطين، هي التي كانت وما زالت أمل الأمة في حاضرها ومستقبلها، فهي التي تبني وغيرها يهدم، وهي التي تجاهد وغيرها يلهو، وهي التي تعيش للآخره، وغيرها غارق في دنياه الفانية ولمذاتها الزائفة.
إن أمثال هؤلاء هم الرجال بصدق الذين أعادوا سيرة المسلمين الأوائل، ولن تنهض الأمة الإسلامية ما لم يكن فيها مثل هذه النوعية من الرجال الذين يضعون أرواحهم على أكفهم فداًء للإسلام ودفاعًا عن حرمات المسلمين ومقدساتهم كما يفعل أبطال حماس والجهاد الإسلامي بفلسطين وحزب الله في لبنان والمجاهدون في كشمير والفلبين والشيشان.
إن الإسلام والإسلام وحده هو القادر على أن ينقذ أمتنا من متاهات التشرذم والفرقة، ويعيد صياغتها من جديد، لتكون أمة واحدة كما أرادها الله -عز وجل-: ﴿وَإِنَّ هَـٰذِهِۦۤ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةࣰ وَ ٰحِدَةࣰ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ﴾، (المؤمنون: 52)، كما أن الإسلام يقرر أن السبيل الوحيد للتصدي لليهود ومكرهم وحقدهم، هو سبيل القتال، لأنهم لا يصدقون الوعد، ولا يوفون بالعهد، وينقضون المواثيق والعهود، هذا شأنهم وديدنهم في القديم والحديث، ولا يصدقهم إلا جاهًل أو عميل، أو أعمى البصيرة مطموس القلب، وهم شعب ذليل مغضوب عليه من الله، ملعون من فوق سبع سماوات: ﴿ضُرِبَتۡ عَلَیۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَیۡنَ مَا ثُقِفُوۤا۟ إِلَّا بِحَبۡلࣲ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلࣲ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَاۤءُو بِغَضَبࣲ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتۡ عَلَیۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُۚ ذَ ٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُوا۟ یَكۡفُرُونَ بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِ وَیَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِیَاۤءَ بِغَیۡرِ حَقࣲّۚ ذَ ٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ یَعۡتَدُونَ﴾، (آل عمرن: 112).
يقول الإمام الشهيد حسن البنا في رسالة «هل - نحن قوم عمليون»: «إن الأمم في مسيس الحاجة إلى بناء النفوس وتشييد الأخلاق، وطبع أبنائها على خلق الرجولة الصحيحة، حتى يصمدوا لما يقف في طريقهم من عقبات، ويتغلبوا على ما يعترضهم من مصاعب، إن الرجل سر حياة الأمم ومصدر نهضاتها، وإن تاريخ الأمم جميعًا، إنما هو تاريخ من ظهر بها من الرجال النابغين الأقوياء النفوس والإرادات، وإن قوة الأمم أو ضعفها إنما تقاس بخصوبتها في إنتاج الرجال الذين تتوفر فيهم شرائط الرجولة الصحيحة»، انتهى.
وقد وفق الله حركة الإخوان المسلمين كبرى الحركات الإسلامية المعاصرة، بعدد وافر من الرجال الذين توفرت فيهم شرائط الرجولة الصحيحة والحمد لله، فكان هؤلاء هم الذين جاهدوا اليهود في فلسطين عام ١٩٤٨م، وجاهدوا الإنجليز في قناة السويس عام ١٩٥١م، وجاهدوا اليهود ثانية بعد نكبة عام ١٩٦٧م، وفي كل هذه المواجهات مع الإنجليز واليهود، قدموا التضحيات الجسام، ومواكب من الشهداء، بعضها إثر بعض: ﴿فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَاۤ أَصَابَهُمۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا۟ وَمَا ٱسۡتَكَانُوا۟ۗ وَٱللَّهُ یُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِینَ﴾، (آل عمران: 146).
ولم يكن هؤلاء الرجال من قطر واحد بل من أقطار المسلمين كلها، يمثلون أمة الإسلام المجاهدة التي تأبى الظلم ولا تستسلم للضيم، وتصارع الباطل وتجالده، وتتحدى الطواغيت وتستعلي بإيمانها على بطشهم وطغيانهم، وتتمسك بحبل الله المتين، وكتابه المبين، وهدي النبي الأمين وقد عاشوا في معسكرات التدريب وميادين الجهاد، إخوة متحابين تربطهم عقيدة الإسلام، وتظلهم راية الإخوة الإسلامية ويجمعهم حب الجهاد، والرغبة في الاستشهاد، فالمصري والسعودي والسوري والسوداني والأردني والعراقي والفلسطيني واليمني والخليجي واللبناني، كلهم إخوة متحابون في الإسلام يعملون للإسلام، ويجاهدون في سبيل الله والمستضعفين من المسلمين في كل مكان، لأن جنسية المسلم هي عقيدته، والمسلمون في جميع الأرض هم إخوانه، ونصرة المسلم لأخيه المسلم واجب وفريضة، وكل مسلم على وجه الأرض هو حارس لمقدسات المسلمين غيور على حرماتهم يقول عز وجل: ﴿وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَـٰتِلُونَ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِینَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَاۤءِ وَٱلۡوِلۡدَ ٰنِ ٱلَّذِینَ یَقُولُونَ رَبَّنَاۤ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَـٰذِهِ ٱلۡقَرۡیَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِیࣰّا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِیرًا﴾، (النساء: ۷۵)، رحم الله شهيدنا البطل المقدام المجاهد أبا السعيد وإخوانه الذين سبقوه ولحقوا به، وجمعنا وإياهم في دار كرامته ومستقر رحمته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا والحمد لله رب العالمين.
وصدق الدكتور يوسف القرضاوي:
فما معنى فلسطين
بلا أقصى ولا قدس
فلسطين بلا قدس
كجثمان بلا رأس
فيا أرض النبوات
اصبري للكيد والدس
ويا أهل الجهاد امضو
حداد العزم والبأس
(حماس) هي الرجاء غدًا
أراها باري القوس
یقین ما به ريب
يكاد يحس باللمس .